مستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بعد زيارة بايدن

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 167
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في منتصف يوليو/تموز، أعلن الرئيس "جو بايدن" خلال قمة جدة أن "أمريكا عادت"، وهي الرسالة التي رحبت بها وسائل الإعلام السعودية والخليجية. لكن لا يمكن لواشنطن أن تحافظ على نفوذها وأن تطور علاقات قوية في الشرق الأوسط دون اهتمام وجهد مستمرين، لا يتأرجح مع كل تغيير في الإدارة.

وكلما ابتعدت الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، زاد حجم الفراغ الذي تتركه لروسيا والصين. وبالرغم أن البيت الأبيض لم يظهر قلقا بشأن هذا الأمر خلال السنوات العديدة الماضية، إلا أن الحرب في أوكرانيا أحدثت تغييرا جذريا في الديناميكيات والتصورات. وأدت الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية أثرت على الولايات المتحدة؛ مما أدى إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الصعب الذي أحدثه وباء "كورونا".

وتسلط هذه الأزمة الضوء على الطبيعة المترابطة للاقتصاد العالمي، وأهمية الحد من التجارة مع بعض البلدان وتعظيم الشراكات مع آخرين. وتماشيا مع هذه السياسة، يبدو أن السعودية قد وقعت في منطقة "دعم الأصدقاء" اقتصاديا وسياسيا. لكن نظرا للعلاقات المتوترة بين الرياض وواشنطن بسبب حرب اليمن ومقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، كان هناك الكثير من الشكوك حول تجاوب السعودية.

ويأتي ذلك في وقت تتنامى فيه العلاقات السعودية مع روسيا على المستويين الدبلوماسي والعسكري، أبرزها توقيع "اتفاقية تعاون عسكري" العام الماضي وسط ضغوط أمريكية لخفض مبيعات الأسلحة إلى المملكة. وقبل أسابيع، وصف وزير الطاقة السعودي الأمير "عبد العزيز بن سلمان" العلاقات بين الرياض وموسكو بأنها "دافئة مثل الطقس في الرياض" وذلك خلال زيارة مفاجئة لمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي؛ مما أثار تكهنات حول استعداد السعودية للتعاون مع الولايات المتحدة.

إذن السؤال هو: هل يمكن أن تدعم دول الخليج المصالح الأمريكية بعد سنوات من اللامبالاة الأمريكية؟ وبالرغم من كل المؤشرات السلبية، يبدو أن الإجابة هي نعم. وقال المبعوث الأمريكي الخاص ومنسق شؤون الطاقة الدولية "عاموس هوكشتاين" إنه بناء على المناقشات التي جرت في جدة خلال زيارة "بايدن"، من المرجح أن يرفع كبار منتجي النفط الإنتاج في الأسابيع المقبلة.

وقال ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" في 16 يوليو/تموز إن الرياض ستزيد طاقتها الإنتاجية من النفط إلى 13 مليون برميل يوميا بحلول 2027، وهو أعلى بكثير من متوسط ​​إنتاج المملكة في 2021 البالغ 10.7 ملايين برميل يوميا.

ومن غير الواضح ما إذا كان بإمكان الرياض بالفعل رفع إنتاجها إلى هذا المستوى بهذه السرعة، كما يزعم خبراء الصناعة، أو ما إذا كانت تخطط لإجراء مزيد من الاستكشافات؛ حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية المستدامة الحالية للمملكة 12.2 مليون برميل يوميًا وفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية. وبعيدًا عن الاعتبارات الفنية، هناك تحديات أخرى لزيادة الإنتاج، وهي نقطة أكدتها هجمات الحوثيين في مارس/آذار على مصفاة النفط السعودية في ينبع.

ويمكن القول إن السعوديين والخليجون مستعدون لزيادة طاقة إنتاج النفط بشرط ضمان دعم الولايات المتحدة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن السعودية ستهدد علاقتها المزدهرة مع روسيا. في الواقع، يبدو أن السعوديين حريصون على الحفاظ على سياسة الباب المفتوح مع الروس بينما تواصل إدارة "بايدن" جهودها لإحياء الاتفاق النووي مع إيران.

حاول "بايدن" طمأنة دول قمة جدة بعزمه على إعادة الاهتمام بالشرق الأوسط حتى لا تترك الولايات المتحدة فراغا تملأه روسيا والصين وإيران. وفي إطار "المبادئ الأساسية الخمسة" التي قدمها في القمة، أعرب "بايدن" عن دعمه للبلدان ذات التفكير المماثل التي تدعم نظاما دوليا "قائما على القواعد".

كما أكد "بايدن" أن الولايات المتحدة ستدعم أمن الخليج ولن تسمح للقوى الأجنبية أو الإقليمية بتعريض ممراته للخطر وتعهد بردع التهديدات. بالإضافة إلى ذلك، وعد بالعمل على تقليل التوترات، وخفض التصعيد، وإنهاء النزاعات حيثما أمكن ذلك.

وحول هذه النقطة، حاولت إدارة "بايدن" بالفعل التأثير بشكل إيجابي على مسار الحرب في اليمن من خلال تعزيز الدبلوماسية كأداة رئيسية لحل النزاع. ومع ذلك فإن جهود الإدارة لم تحقق السلام، ولم تجعل اليمن والمنطقة أكثر أمانا. ولا يمكن إنهاء الحرب بسهولة؛ لأن الولايات المتحدة تفتقر إلى النفوذ المباشر على جميع الأطراف المعنية خاصة مليشيا الحوثي.

ونظرًا لعدم قدرة أمريكا على التأثير على الحوثيين، فضلا عن الهدف الطموح لإدارة "بايدن" المتمثل في "إنهاء الحرب في اليمن"، فإن أفضل ما يمكن للإدارة أن تفعله هو الضغط على السعوديين لإنهاء مشاركتهم أو تقليص عملياتهم العسكرية بشكل كبير.

ومن شأن انسحاب السعودية دون تسوية واضحة أن يعرض وحدة أراضي اليمن للخطر ويجعل البلاد فريسة في يد الحوثيين. وقد أدركت الإدارة أخيرا تعقيد الوضع وكانت أكثر صراحة بشأن صعوبات إقناع الحوثيين بالتعاون، لكنها لا تزال تحتاج إلى اتخاذ موقف حاسم من إيران ونشاطها الخبيث الذي يزعزع استقرار المنطقة.

وخلقت تعليقات "بايدن" حول أهمية إحياء الاتفاق النووي شعورا بعدم الارتياح في المنطقة؛ حيث أظهرت أن الولايات المتحدة تسعى وراء مصالحها الخاصة بغض النظر عن المخاوف الأمنية لشركائها العرب بشأن دور إيران وأنشطتها في الشرق الأوسط.

وبشكل عام، يبدو أن السعوديين على استعداد لدعم الولايات المتحدة، لكنهم يعملون أيضا على أن يكونوا أقل اعتمادا على واشنطن، بالنظر إلى التغيرات المتكررة في سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة.

ويدرك السعوديون أن هناك تغييرات في الإدارة الأمريكية ونهجها كل 4 أو 8 سنوات؛ مما يعني أن النظام الأمريكي لا يمكنه تقديم ضمان مفتوح. ومن المهم بناء توافق بين كل من الديمقراطيين والجمهوريين بشأن الحاجة إلى استمرار التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط لضمان عدم تعرض الشراكات التي يتم ترسيخها الآن للخطر في المستقبل.

ويجب أن تثبت الولايات المتحدة أيضًا أنها لم تتجه لإعادة التعامل مع السعودية والدول الأخرى تحت ضغط أزمة عالمية مثل الحرب على أوكرانيا أو التحديات الاقتصادية المحلية في الداخل، ولكنها ملتزمة بإعادة التعامل مع السعودية والدول الأخرى؛ لأنها تتفهم قيمة هذه الشراكات على المدى الطويل والفوائد التي يمكن أن تجنيها من أجل استقرار المنطقة.

 

المصدر | فاطمة أبو الأسرار/معهد ميدل إيست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد