السعودية: الحرب على التاريخ

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 398
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

إمبراطورية نجد: حرب ابن سلمان على التاريخ

  •  

 

إمبراطورية نجد: حرب ابن سلمان على التاريخ

 

«حران القديمة التي تخبروها راحت، اندرست، ما بقى منها غير الجامع والمقبرة، ويجوز باكر أو عقب باكر يجي ابن الراشد أو غيره وبدل الجامع يعمر تياترو، وبدل المقبرة يسوي كرخانة، لأن من كان من غير هذه الأرض، من غير هذه الديرة، كل أرض بالنسبة له أرض، والبشر مثل بعضهم، ابن الديرة مثل الغريب».
 

 

عبد الرحمن منيف، مدن الملح،
الجزء الأول.

قد لا يكون المؤرّخ البريطاني، كيث جنكينز، مُجافياً الحقيقة عندما ينصح قارئيه بأن يكفّوا عن سؤال: «ما التاريخ؟»، ويستبدلوا به آخراً مفاده: «لِمَن التاريخ؟»، حتى يفهموا - وفق ما يشرح جنكينز في كتابه «إعادة النظر في التاريخ» - آليات قولبة الماضي بما هو أحداث ومواقف، وتشكيل سردية تفسيرية حوله تتّسق وشروط القوّة الحاضرة، بالاستثمار في هشاشته المعرفية، أي قابليّته للَيّ بشكل متواصل. تَحضر هذه «النصيحة» إلى الأذهان سريعاً لدى التأمّل في ما تشهده المملكة السعودية اليوم، في الكتب وعلى الأرض، من عملية منتظمة وممنهجة لإعادة إنتاج التاريخ، حتى يتّفق مع متطلّبات السلطة الجديدة، على قاعدة «مَن يتحكّم في الماضي يتحكّم في المستقبل، ومَن يتحكّم في الحاضر يتحكّم في الماضي»، بحسب ما يقرّره وينستون سميث، بطل رواية «1984» لجورج أورويل.

صحيحٌ أن ديناميات التزوير ليست جديدة على المملكة، وفق ما تشرحه روزي بشير في كتابها «حروب الأرشيفات: سياسات التاريخ في المملكة السعودية»؛ إذ إن ما تسمّيه «العلمنة المتزايدة للدولة السعودية» بدأت منذ ما بعد حرب الخليج الثانية في تسعينيات القرن الماضي، مع ما اقتضته من تفعيلٍ لسياسات «المحو الانتقائي لبعض الماضي والأوابد التي تدلّ عليه»، سواءً عبر تجريف المعالم التاريخية - الإسلامية خصوصاً - في الحجاز، أو من طريق إتلاف المحفوظات والوثائق الأرشيفية التي تسرد تاريخ الجزيرة العربية ما قبل قيام دولة آل سعود، أو من خلال إطلاق مشروعات تجارية وعمرانية ضخمة، حوّلت الحواضر العريقة إلى أماكن «بلا قلب»، «تتكوّن وتتغيّر بسرعة، تفقد ذاكرتها وتتعلّم القسوة بإتقان»، بحسب ما يصف به عبد الرحمن منيف واقع الجزيرة إبّان حقبة اكتشاف النفط، وما رافقه من تحوّلات في مدن البادية وقُراها. إلّا أن ما يفعله ابن سلمان راهناً يتجاوز كلّ ما كان أقدم عليه أسلافه، ويكاد يشابه عملية تصفية وانتخاب شاملة وغير معيارية لعناصر سلطته، يتمّ بموجبها تطويع التاريخ والدين والثقافة والعمران وحتى البشر لإرساء دعائم «إمبراطورية نجد».
لا يقتصر الحديث، هنا، على الاعتساف «النظري» لماضي «الحاضرة النجدية»، موضع قيام الدولة التي احتُفي في شهر شباط الماضي بما سُمّي ابتداعاً «يوم تأسيسها» (كونه حُدِّد بتاريخ تولّي محمد بن سعود الحُكم في الدرعية، لا بتاريخ توقيع ميثاق الدرعية)، حيث خاطب محمد بن سلمان العالم بقوله: «انظروا، الماضي يطيع تفسيري»، تماماً كما يقول الشاعر «انظروا، الشمس تطيع كلماتي» («مراسيم للكواكب» للشاعر الروسي فيليمير كليبنيكوف)، بل يتعدّاه إلى إعادة تشكيل واقع المدن السعودية، في إطار استراتيجية «التحوّل الوطني» التي يقودها ابن سلمان، والهادفة، في نهاية المطاف، إلى إرساء هويّة مؤلِّفة لا تزال مستعصيةً منذ عقود. هويّةٌ لا يفتأ وليّ العهد يشتغل على إرسائها من خلال تخليص تاريخ السلطة من الحمولات الوهّابية، وإضفاء طابع قومي لا ديني عليه، وتلبيسه بطولات وأمجاداً بعيدةً من صور «الحرب على الشِرْك»، وهو ما يتجلّى بوضوح في محاولات إماتة ذكر محمد بن عبد الوهاب في الكتب والمخطوطات ووسائل الإعلام، على رغم أن للأخير «مركز الشريك السياسي الثاني في الدولة». قد يجد ابن سلمان مبرّراً لما يقوم به في القول إن «تاريخ الدولة، أيّ دولة، لا يبدأ من لحظة قيامها، بل هو تاريخ ما قبل بدايتها وما بعدها» («الوهابية بين الشِرك وتصدّع القبيلة» لخالد الدخيل)، لكن الأكيد، بحسب ما يرد في الكتاب المذكور نفسه وما يُجمع عليه أيضاً مؤرّخو الدولة السعودية كافّة وعلى رأسهم عثمان بن بشر وحسين بن غنام، أن «اتفاق الدرعية كان الخطوة الأولى على طريق تَجسّد فكرة الدولة وتحوّلها إلى مؤسّسة على أرض الواقع».

على أيّ حال، لا يبدو هذا الجدال ذا معنًى بالنسبة لوليّ العهد، شأنه شأن الأصوات المتعالية برفض إعادة ترتيب الحيّز المكاني في غير مدينة سعودية، وفق مقتضيات «رؤية 2030». إذ، وعلى نحْوٍ قد يكون أشدّ فظاظة ممّا جرى في مكة والمدينة، فضلاً عن الرياض التي بدأ «التجديد العمراني» بالتسلّل إليها مبكراً، وفي أعقاب حملات مماثلة في مناطق قبيلتَي الحويطات وجهينة شماليّ المملكة ومناطق قبيلة شهران جنوبيّها ومنطقة القطيف شرقيّها، تشهد مدينة جدة منذ ستّة أشهر حملة تجريف لتضاريسها الشعبية وتراثها الأصيل وثقافتها المحلّية، تمهيداً لإدخالها في مطحنة الاستثمار والترفيه والربح المالي، في ظلّ تطلُّع ابن سلمان إلى جنْي ما لا يقلّ عن 12.5 مليار دولار من مشروع وسط جدة. يدّعي مُخطّطو المشروع أن «تاريخ المدينة الغنيّ وهويّتها الثقافية المتميّزة كانا مصدر إلهامهم، مع الإشادة بتنوّعها المعاصر، والاعتراف بإمكاناتها المستقبلية كوجهة عالمية»، لكن ما يجري على الأرض هو بالضبط «تهديم للمدينة فوق رؤوس أصحابها» - على حدّ تعبير معارضين سعوديين في بيان أصدروه بعنوان «التهجير القسري لأهالي جدة في إقليم الحجاز» -، لا لمداواتها وهي «المريضة بشدّة» (التعبير مستعار من وصْف العالم الروسي، فيتالي غينزبورغ، للمدينة الحديثة)، أو تحريرها من تناقضاتها وهي الممتلئة بانعدام المساواة (كما يصوّر عبده خال، جدّة، في رواية «تَرمي بِشَرر»)، بل من أجل تشييد مدينة جديدة مكانها تحتال على التاريخ بمحاكاة مظاهره الخارجية، وتنفي أهله إلى بؤر نائية حيث سيزدادون فقراً وبؤساً، فيما سيسرق ذاكرتَهم عملاء عالميون ستغدو جدّة القديمة معهم وكأنها «سالفة من السوالف».

في إحدى خطبه التي ألقاها في تشرين الأول 2011، يتساءل الشيخ الشهيد نمر باقر النمر: «ما هو هذا الوطن؟ النظام الذى يظلمني؟ النظام الذي يسلب مالي ويسفك دمي وينتهك عرضي؟». يجيب ابن سلمان اليوم بأن هذا الوطن، الذي تعتمد قيادته، نظرياً، «منهجيّة تبشّر بعهد جديد من التسامح، وتحقيق مفهوم المساواة في المواطنة، وتعزيز الوحدة الوطنية» (راجع: تعزيز التسامح الديني، حسن الصفار، الشرق الأوسط، العدد 15813)، وفق ما يبشّر به مريدو وليّ العهد، ليس التاريخ المشترك ولا المصلحة المشتركة، واللذَين لن تقوم لـ«الأدلوجة الدَولويّة» بحسب تسمية عبد الله العروي، قائمة بغيرهما، بل هو تاريخ مصطنع، تتحوّل من خلاله «الأقاليم» ذات الإرث الحضاري إلى ما يشبه نُصباً تذكارية أو مزهريّات ثقافية يحوم حولها الأجانب، فيما أهلها مطرودون من السياسة التي يمكن من خلالها حصراً إنتاج وعْي وطني جمعي، هذا إذا أمكن أصلاً تجاوز حقيقة أن «نجْداً خرجت من التاريخ مدّة عشرة قرون... وحين استفاقت وجدت في غزو الجوار خيار بقاء وتسلّط»، كما يؤكد مؤرّخون وباحثون. صحيحٌ أن نجداً هيّمت الشعراء العرب الذين نظموا فيها ما لم ينظموه في حواضر أخرى، لكن التمثُّل بصاحب القصيدة اليتيمة وهو يقول «أو تُنجِدي يكنِ الهَوى نَجدُ»، لن يكفي وحده لإقناع أبناء الجزيرة بالتخلّي عن هويّاتهم المحلّية، والدخول في إمبراطورية ابن سلمان آمنين.

 

جدّة عاريةً... أن تُسلَب مكانك وذاكرتك

أكثر من مليون ونصف مليون مواطن هجّرتهم السلطات السعودية من أحياء مدينة جدّة التاريخية، بموجب مشروع لـ«تطوير» تلك الأحياء، التي بدأت عملية إخلائها في 16 كانون الأول2021. عبر بوّابة «أمانة جدة» التابعة لإمارة مكة، والتي اختارها ولي العهد، محمد بن سلمان، لإنفاذ مشروعه، جرى تحديد نحو 64 حيّاً تحت مسمّى «العشوائيات»، تمهيداً لنسف مبانيها المشيّدة منذ عشرات العقود. وهي مهمّة أُوكلت إلى شركة «جدة للتنمية والتطوير العمراني»، المعروفة اختصاراً بـ«JDURC»، المملوكة من «صندوق الاستثمارات العامة»، والتي حوّلت عبر الجرّافات وآلات الردم مباني جدّة القديمة إلى جبال من الركام أمام أعين أصحابها.
يقول أحد المتضرّرين، لـ«الأخبار»، إن «الكثير من الأحياء تحوي مراكز رسمية حكومية، وبيوتاتها حاصلة على الخدمات الأساسية من الدولة عبر البلدية، من مياه وكهرباء وخدمات مدفوعة الثمن عبر الضرائب، كما أن أصحابها يملكون صكوكاً تثبت ملكيتهم، ولو أن هذه المنازل عشوائية كما تقول الدولة، ما كانت لتكون مملوكة بأوراق رسمية»، متسائلاً: «هل يُعقل أن تمنح الدولة صكوكاً مصدِّقة على أراضٍ عشوائية، وبعد ذلك تنقضّ على أهلها». ويلفت متضرّر آخر إلى أن عملية التهجير تسبّبت بمبيت العديد من العوائل في العراء وتحت الجسور العامة، كونها لم تجد بديلاً لها، خصوصاً تلك التي لم تكن تمتلك أصلاً سوى المنزل الذي يؤويها أو مكان عملها، وهو ما دفعها إلى الذهاب نحو أطراف المدينة، حيث قطن بعضها في مستودعات، وحوّل بعضها الآخر السيارات إلى بيوت، فيما الأهالي الميسورون نسبياً اتّجهوا إلى خيار الاستئجار الباهظ الثمن (يُشترَط دفع 90% من قيمة الإيجار مقدَّماً).

حتى الآن، ردمت أمانة جدة منازل تنتشر على مساحة تفوق 31 مليون متر مربّع، مقسّمة على 37 حيّاً، بدعوى «الحفاظ على الأمن وملاحقة أوكار الإرهابيين»، وفق ما برّر به أمين محافظة جدة، صالح التركي، العملية التي استهدفت أحياء غليل، بترومين، مدائن الفهد، القريات، المصفاة، الكندرة، العمارة، النزلة... وغيرها، فيما لا تزال قيد التنفيذ، وعنوانها الأبرز كلمة «إخلاء» التي يتمّ إلصاقها على البيوت المستهدَفة، كما يجري حالياً في حيّ البوادي، قبل أن يبدأ الهدم. يروي أحد المتضرّرين، في حديث إلى «الأخبار»، مراحل التنفيذ، موضحاً أن أمانة جدة تعمد، ابتداءً، إلى إنذار الأهالي بوجوب إخلاء منازلهم بشكلٍ مُستعجل، قبل أن تبدأ الضغط عليهم بقطع الكهرباء والخدمات، علماً أن كلّ ذلك لم يستغرق أكثر من 24 ساعة في بعض الأحياء، كما في حيّ غليل، وهو ما لا يكفي حتى لاستيعاب الصدمة، فكيف بالعمل على إيجاد مأوى والانتقال إليه.

وعلى رغم أن أمانة جدة أعلنت تجهيز 4781 وحدة سكنية سيتمّ تسليمها مع نهاية عام 2022 للمتضرّرين مِمَّن يمتلكون صكوكاً عقارية، غير أن هذا الرقم لا يغطّي عدد سكّان حيٍّ واحد من الأحياء التي هُدمت. ويُضاف إلى ما تَقدّم أن نحو 14.3% مِن بين من نُسفت منازلهم، وفق استبيان أجرته «منظّمة القسط لحقوق الإنسان»، لا يملكون أوراقاً ثبوتية (مقابل 85.7% تتوفّر لديهم هذه الأوراق بالفعل)؛ كون الدولة أوقفت منحها منذ عشرات السنين في بعض المناطق، فيما يبدو الحصول عليها الآن شبه مستحيل. وبحسب الاستبيان نفسه، والذي أظهر أن عمر السكن في الأحياء المدمّرة يصل إلى أكثر من ستّة عقود، فإن «أكثر من 91% من المجيبين تعرّضت عقاراتهم السكنية أو التجارية للهدم، و80% أشاروا إلى أن العقار ملكٌ، و20% مستأجرون أو كانوا مستأجرين». وفي ما يتعلّق بحجم العائلة، رَاوحت الإجابات ما بين فردَين و24 فرداً، بمعدل 8.12 أفراد لكلّ أسرة.
يصف الباحث أليكس شمس، من جامعة شيكاغو، ما يجري بأنه «مهزلة ذات أبعاد هائلة»، مستهجناً «هدم هذه المدينة بما تحمله من تنوّع تاريخي، من أجل بناء مشروع حكومي يحوي شققاً وفنادق فاخرة»، عادّاً ذلك «تجريفاً لتاريخ المدينة القديمة وتطهيراً لمناظرها». وإلى اليوم، لا تزال مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً منها «تويتر»، تضجّ بالتفاعل تحت وسم «#هدد_جدة»، حيث تجري مشاركة مقاطع عمليات الإخلاء، وتوثيق لحظات توديع الأهالي لمنازلهم وحواريهم، وتداول تسجيلات مصوّرة لمساحات هائلة جرت تسوية مبانيها بالأرض، إلى حدّ يبعث على الاعتقاد بأن ثمّة حرباً مرّت من هنا. حربٌ من نوع آخر، لم تأخذ استراحة إلّا في خلال شهر رمضان، لتعود وتتجدّد وتستمرّ حتى آب المقبل، على الرغم من ظهور بوادر أزمة عقارية في المدينة، تمثّلت في ارتفاع أسعار العقارات بشكلٍ مفاجئ وكبير.

يُشار إلى أنه في عام 2007، جرى اقتراح هدم ما تُسمّى «عشوائيات جدّة» للمرّة الأولى، غير أن ذلك لم يجد سبيله إلى التنفيذ بفعل قلق السلطة من ردّة فعل السكان. وفي وقت كانت تتعمَّق فيه حالة الفقر وهشاشة البنى التحتية في تلك المناطق خلال العقود الماضية، كان يتشكّل حسّ جماعي بالاندماج والانتماء إلى المكان، هو بالضبط ما يجري اليوم تهشيمه بمِعول «رؤية 2030».

وللقطيف نصيبٌ أيضاً

لا يزال أهالي حيّ الشويكة، وسط منطقة القطيف، يكابدون من أجل الحصول على تعويضات عن مساكنهم التي هُجرّوا منها عام 2017، في إطار مشروع توسعة شارع الملك عبد العزيز. ويقول مصدر أهلي من داخل الحيّ، لـ«الأخبار»، إن «الأحياء التي تمّ ردمها وتجريفها في هذه المنطقة، بما فيها الشويكة، لم يتمّ التعويض على أهلها الذين تُركوا لمصيرهم، فيما البعض منهم رُفضت طلباتهم بإعادة تثمين عقاراتهم». وإلى جانب الشويكة، أعلنت بلدية محافظة القطيف، في تشرين الأول 2018، البدء بإجراءات نزع ملكية نحو 600 عقار في شوارع أخرى يشملها المشروع نفسه، وطالبت المواطنين بـ«تقديم كلّ المستندات الشرعية والوثائق الرسمية التي تثبت ملكية العقار، تمهيداً لبدء إجراءات نزع الملكية». وبحسب المصدر نفسه، فقد «أُجبرت بعض العوائل على توقيع إقرارات نزع الملكية في طرق عبد العزيز والناصرة والرياض»، في حين «تمّ نزع ملكيّات ما يفوق 1200 عقار، وتهجير جميع الأهالي من دون تعويضات ولو زهيدة».
ويبدأ شارع عبد العزيز من حيّ الشويكة، ويمتدّ من شرق العوامية نحو جنوبها، وتحديداً حيّ الزارة القديم الذي يحوي المسجد الذي كان الشيخ الشهيد نمر باقر النمر إمامه وخطيبه، وجرى هدمه وتجريفه العام الماضي، وصولاً إلى الشوارع المحيطة بمقبرة البلدة. كما يطاول أجزاءً من 12 حيّاً من بينها الشويكة، المسعودية، الدبابية، ميّاس، الكويكب، الشريعة، القلعة وباب شمال. ومن شأن عملية التوسعة هذه، والتي تستهدف الوصول بالشارع إلى طول 4925 متراً وعرض 60 متراً، تهشيم العديد من المعالم الأثرية، كقلعة القطيف ومجسم اللؤلؤة ومسجد المسألة، إضافة إلى أكثر من 25 معلماً آخر، لعلّ أبرزها «شارع الثورة» الذي كان شاهداً على انطلاقة انتفاضة عام 2011. وإلى جانب هذا المشروع، ثمّة مشاريع أخرى أعلنت عنها أمانة المنطقة الشرقية في إطار «رؤية 2030»، من بينها مشروع شارع شمال الناصرة، والذي يتضمّن إزالة العقارات الواقعة شمال الناصرة وصولاً إلى طريق أحد، كما يتهدّد العقارات الممتدّة على طريق الرياض والمؤدّي إلى طريق الدمام - الجبيل.

ويقول مصدر من داخل القطيف، لـ«الأخبار»، إن «الأهمية الجغرافية والاقتصادية للمنطقة جعلتها هدفاً للسيطرة على مرّ التاريخ»، مشيراً إلى أن «مشاريع التجريف فيها بدأت منذ عقود طويلة تحت شعار التطوير، بدءاً من الانقضاض على القلعة التراثية التي تضمّ في داخلها العديد من المساجد والحسينيات ومنازل الشخصيات المؤثّرة في المجتمع، وكان لها دورها في تقوية الروابط الاجتماعية».

شعب المليارديرات... أهلاً بكم في «نيوم»

  •  
شعب المليارديرات... أهلاً بكم في «نيوم»

يعِد ابن سلمان المستثمرين بنظام قضائي خاص في «نيوم» يصيغونه بأنفسهم (أ ف ب)

ليست مدينة «نيوم» التي أراد من خلالها محمد بن سلمان منذ تولّيه منصبه ولياً للعهد في عام 2017، أن يَظهر في عيون السعوديين كقائد يتطلّع إلى المستقبل، مدينة خيالية بالمعنى التكنولوجي للكلمة فحسب. إنها خيالية من حيث مجافاة الواقع الذي يعاكسها في أغلب الأحيان، سواءً على مستوى الإنجاز بعد خمس سنوات على إطلاقها، أو على مستوى الالتزام بالتكلفة، الباهظة أصلاً، وبالمعايير البيئية، وحتى الأخلاقية

منذ إطلاق محمد بن سلمان «رؤية 2030»، ونحن نسمع عن مدينة «نيوم» التي تُعتبر أساس تلك الرؤية، لكن الكثيرين ما زالوا لا يعلمون أين تقع، وعلامَ تشتمل، لأن ما أُنجز حتى الآن، يكاد لا يُذكر. ففي المشروع الرئيس ضمن «نيوم»، أي «المربّعات السكنية» التي تمتدّ على طول 170 كيلومتراً من خليج العقبة إلى عمق الصحراء، ويُسمّى «الخطّ» (the Line) لأنه طولي، لم يتمّ حتى الآن سوى إنجاز البنى التحتية لمربّع واحد هو ذلك الذي سيؤوي موظّفي المدينة، وفق ما تُظهر صور الأقمار الاصطناعية، علماً أن «the Line» يُفترَض أن يكلّف بناؤه 200 مليار دولار، من أصل 500 مليار هي تكلفة «نيوم» بالكامل. لكن هذا كان السعر قبل التغييرات التي استُحدثت على «الخطّ» بطلب من ابن سلمان ليتألّف من برجَين أفقيَّيْن ضخمَين بارتفاع 500 متر على طول عشرات الكيلومترات.
وفي الوقت الذي تَعِد فيه «نيوم» بأن تكون أكبر مدينة سياحية في العالم، على مساحة 26500 كيلومتر مربع، وأن تجتذب خمسة ملايين سائح بحلول عام 2030، فإن الواقع هو أنها قبل هذا بكثير تحوّلت إلى مدينة طاردة لكبار الكوادر التي يُفترض أن يقع على عاتقها بناء المدينة، حيث تَشهد عملية فرار جماعي لكبار الموظفين الأجانب، الذين «طفشوا» من سوء خُلُق الرئيس التنفيذي للمشروع، نظمي النصر، المُعيَّن من قِبَل ابن سلمان في هذا المنصب، بسبب ظروف العمل غير المريحة، وحالات التحرّش الجنسي من كبار المديرين بحقّ موظفات. تَنقل تقارير صحافية غربية عن موظفين حاليين وسابقين قولهم إن النصر غالباً ما يوبّخ ويخيف موظفيه. ولذا، فقدت «نيوم»، تحت قيادته، العشرات من المديرين التنفيذيين الوافدين من قوّتها العاملة التي يبلغ قوامها 1500 فرد، استقال الكثيرون منهم أو طُردوا من العمل منذ أن تمّ استقطابهم من شركات مثل «والت ديزني» و«سيمنز إيه جي» و«ماريوت الدولية». واستقال أندرو ويرث، في صيف 2020، من رئاسة منتجع «تروجينا» الجبلي المخطَّط له في «نيوم»، وهو أحد أكبر المشاريع في المدينة ويتضمّن منحدرات للتزلج، مشيراً في خطاب استقالته إلى أن النصر ينفجر باستمرار في نوبات غضب غير ملائمة مهنياً.

حتى الآن، لم يرَ المتابعون لـ«نيوم» سوى الجوانب السيّئة منها، لكن أسوأ تبعاتها حتى الآن كان طرد «السكّان الأصليين» من عدد من قرى محافظة تبوك التي ستُقام فوقها مدينة ابن سلمان، في استلهام لأسوأ النماذج التهجيرية والاستيطانية في العالم، مِن مِثل طرد الهنود الحمر من بلداتهم في الولايات المتحدة، أو تهجير الفلسطينيين من أرضهم لإحلال المستوطنين الإسرائيليين مكانهم، أو طرد «الأب أوريجينز» في أستراليا من قِبَل مستعمِريها البيض. وفي حالة «نيوم»، جرى طرد نحو 20 ألفاً من أفراد قبيلة الحويطات من منازلهم، بلا تعويض مناسب، وتمّ هدم تلك المنازل في بعض القرى التي يسكنها أجدادهم منذ عشرات السنين لإحلال «شعب المليارديرات» مكانهم. وقُتل ابن القبيلة، عبد الرحيم الحويطي، من قِبَل قوات الأمن بدم بارد بعد رفضه مغادرة منزله.
كل هذا يحصل بينما يعِد ابن سلمان المستثمرين بنظام قضائي خاص في «نيوم» يصوغونه بأنفسهم، ويكون منفصلاً عن النظام القضائي السعودي الذي يَستخدمه للبطش بمعارضيه، الذين يُقتلون ويُسجنون من دون ارتكاب أيّ جريمة، أحياناً لمجرّد تغريدة تتضمّن رأياً لا يعجب السلطات من ناشط أو رجل دين. ولدى إخضاع هذا النظام القضائي المزمع لاختبار صغير من قِبَل أحد الصحافيين في «منتدى دافوس»، حين سأل عمّا إذا كانت السعودية ستسمح باستهلاك الكحول في المدينة، جاء الجواب من مساعدة وزير السياحة السعودية، هيفاء بنت محمد آل سعود، بأن المملكة لن تغيّر القوانين التي تحظر الكحول على أراضيها، على رغم ما تداولته تقارير صحافية حول إمكانية أن تتمّ إعادة النظر في هذه المسألة في «نيوم».

بالإضافة إلى «الخطّ» ومنتجع «تروجينا» الجبلي، يُعتبر مشروع مدينة «أوكساغون» العائمة، واحداً من أكبر المشاريع في «نيوم»، وهو مركز صناعي يمتدّ مسافة 7 كيلومرات داخل المياه، ما يجعله أكبر مبنى عائم في العالم. وفي هذا المشروع، كان النصر قد أعلن أن «أوكساغون سترحّب بأوّل مستأجريها في بداية عام 2022»، وهو ما لم يحصل. يقول موقع «نيوم» إن المدينة ستكون واحدة من أوليات مدن العالم من حيث الاكتفاء الذاتي غذائياً من خلال استخدام الزراعة العمودية والدفيئات الزراعية، لكن ثمّة تساؤلات كثيرة حول ما إذا كان يمكن بلوغ هذا الهدف، على اعتبار أن المملكة تستورد الجزء الأعظم من حاجاتها الغذائية. أمّا في ما يتعلّق بالطاقة المتجدّدة التي يتحدّث عنها مخطّط المدينة، ولا سيما المباني التي تعمل بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكذلك محطّات تحلية المياه الخالية من الكربون، للمحافظة على 95% من البيئة، فيشكّك خبراء في إمكانية تحقيق الغاية المذكورة أيضاً، إذ لم يحالف النجاحُ سابقاً محاولات استخدام الطاقات المتجدّدة في محطّات تحلية المياه. والمملكة دولة قاحلة يتمّ إنتاج أكثر من نصف مياهها من محطّات التحلية التي تعمل بالوقود الأحفوري الملوِّث للبيئة، وأيضاً للمياه من خلال إلقاء المحلول الملحي الناجم عن التحلية في البحر مرّة أخرى، ما يؤثّر سلباً على البيئة البحرية.

ويبدو أن المشروع بمجمله، إذا كُتب له النجاح، سيعود بالنفع على الأثرياء وحدهم. وتحدّثت تقارير عن بناء قصور للأسرة المالكة في «نيوم»، كما تُظهر صور الأقمار الصناعية مهبطاً للطائرات المروحية وملعباً للغولف من بين مشاريع البناء الأولى، وذلك على رغم حديث عضو المجلس الاستشاري في «نيوم»، علي الشهابي، المقرّب من وليّ العهد محمد بن سلمان، عن أن المدينة ستؤوي الجميع «من العمال إلى المليارديرات». قد تمثّل الطفرة النفطية الحالية فرصة لابن سلمان لإنقاذ مشروع مدينته مؤقّتاً. وبالفعل، يقول مسؤولون سعوديون إن بعض فوائض أموال النفط الناجمة عن ارتفاع الأسعار ستصبّ في بناء «نيوم» التي يملكها صندوق الاستثمارات العامة برئاسة ولي العهد. لكنّ مشكلة المشروع ليست في التمويل فقط، بل في وظيفته أساساً، إذ إن نجاح المدينة يتوقّف على تحقيق هدفها النهائي بالتحوّل إلى مركز مالي، وهو ما لا تشجّع عليه البيئة الثقافية في السعودية، ولا سيما أن مشاريع أخرى أصغر حجماً فشلت في تحقيق أهدافها، ومنها على سبيل المثال، المركز المالي، شمال الرياض، الذي بُني في عهد الملك عبدالله بكلفة مليارات الدولارات، ويحاول صندوق الاستثمارات حتى الآن، من دون جدوى، بيع مجموعة مكاتب فيه.
لم يسبق أن شهد تاريخ الدول إقامة مدينة بهذا الحجم دفعة واحدة، من دون أن تتطوّر بشكل طبيعي عبر السنين. وحتى دبي، التي يبدو أن ابن سلمان يريد أن يأخذ دورها، مدينة قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل عام 1580، وتطوّرت بشكل طبيعي، لكن مسارها هذا شهد تسارعاً مع الطفرات النفطية التي شهدها العالم بدءاً من سبعينيات القرن الماضي، حينما لم تستطع السعودية، بسبب طبيعتها المحافِظة آنذاك، تلبية حاجة رجال الأعمال العاملين في قطاعات النفط وما يرتبط بها، في المملكة بالذات. فما الهدف الذي ستخدمه «نيوم» اليوم ويبرّر كلفتها الباهظة؟