وسط العسكرة الإقليمية.. كيف تؤثر مبيعات الأسلحة على العلاقات الأوروبية الخليجية؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 291
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في أوائل يوليو/تموز، أعلنت إيطاليا أنها ستخفف قيود تصدير الأسلحة إلى السعودية والإمارات، بعد أشهر فقط من رفضها تراخيص بيع الصواريخ إلى البلدين بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان في اليمن. وجاء هذا الإعلان بعد أيام فقط من إجلاء الإمارات للقوات الإيطالية من قاعدة المنهاد الجوية في دبي.

لكن لا يعد القرار الإيطالي بإلغاء حظر التصدير سابقة بأي حال من الأحوال. ففي عام 2018، تراجعت إسبانيا عن قرارها بوقف شحن القنابل الدقيقة إلى السعودية بسبب مخاوف من تعرض صفقة شحن بقيمة 2.1 مليار دولار للخطر. وفي عام 2019، وافقت السويد على بيع طائرتين نفاثتين (بغرض المراقبة) إلى الإمارات بالرغم من تشديد معايير التصدير.

وتعد هذه الحالات الثلاث جزءا من اتجاه أوسع في العلاقات الأوروبية الخليجية. ونظرا لأن دول الخليج العربية نجحت في تسويق أهميتها في تحقيق الأمن الإقليمي، فإن خبرتها العسكرية وجهود تنويع الموردين وتطورات الصناعة المحلية، إلى جانب نفوذها المالي التقليدي، أكسبها نفوذا أكبر لدى شركاء الأمن الأوروبيين.

لكن هذا التراجع في النفوذ الأوروبي يدحض بعض الرؤى السابقة حول آثار عمليات نقل الأسلحة ويوحي بحاجة صانعي السياسة الأوروبيين لإعادة التفكير في سياساتهم.

 

دور الأسلحة في العلاقات الأمنية بين الخليج وأوروبا

بالرغم من الإنفاق الهائل على المعدات الدفاعية الحديثة ذات التقنية العالية، فإن جيوش دول الخليج معروفة تقليديا بقدراتها الدفاعية المحدودة وافتقارها للردع القوي. ويدحض ذلك الفرضية القائلة إن شراء الأسلحة يخدم بشكل أساسي تعزيز القدرات الدفاعية.

وبدلا من ذلك، ربما كانت المشتريات العسكرية لدول الخليج تدور حول "التباهي". وفي الواقع، يمكن للقدرات العسكرية أن تعزز شعور الفخر والهيبة. علاوة على ذلك، قد تعزز مشتريات الأسلحة من أمن المشترين، حيث يتم استخدامها لتهديد خصوم النظام الداخليين، فضلا عن تعزيز العلاقات مع القوى الخارجية.

واعتبرت السعودية بشكل خاص العلاقة مع الولايات المتحدة ضرورية لتحقيق التوازن ضد خصمها الإقليمي إيران. وبالنسبة للإمارات وقطر وعُمان والكويت والبحرين فإن العلاقة مع واشنطن تجنبها الاعتماد الكبير على السعودية. وحتى لو كانت العلاقات الأمنية مع الشركاء الأوروبيين أقل أهمية، إلا أنها تتبع نفس المنطق. وتعمل صفقات الأسلحة واتفاقيات التعاون الدفاعي، وخاصة تلك المبرمة مع فرنسا والمملكة المتحدة، على موازنة "الاعتماد الأحادي" على الولايات المتحدة.

وبطبيعة الحال، هناك المزيد على المحك في العلاقة الأمنية بين الدول الأوروبية ودول الخليج. وتربط العلاقات التاريخية والاقتصادية المنطقتين معا، حيث كانت الدول الأوروبية على مدى عقود أكبر سوق لصادرات دول الخليج من النفط والغاز والبتروكيماويات.

ومن منظور أوروبي، فإن مبيعات الأسلحة تنبع من مزيج من الدوافع الاستراتيجية والتجارية. وقد تساعد صادرات الأسلحة على تغيير موازين القوى الإقليمية من حيث تقديم تطمينات للحلفاء وزيادة التأثير على السياسات الخارجية للمشترين. ولكن ربما يكون الأهم من ذلك هو أن تجارة الأسلحة تضمن بقاء القواعد الصناعية الدفاعية التي تخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية على حد سواء.

وبطبيعة الحال، ليست كل الدول الأوروبية بنفس الاهتمامات. وتهتم سياسة التسليح الفرنسية إلى حد كبير بمسائل السيادة. وتعزز الصناعة الوطنية القوية، مثل تلك الموجودة في فرنسا، استقلالية كل من المورد والمشتري؛ حيث يمكن للبائع الفرنسي الحفاظ على صناعة دفاعية فعالة بينما تستفيد الدول الخليجية من زيادة نفوذها مع تنويع مورديها.

وخلال الحرب الباردة على وجه الخصوص، اعتقد المسؤولون الفرنسيون أن هذا أمر حاسم لتخفيف قبضة القوتين العظميين. وفي هذه الأثناء، لم تعد تجارة الأسلحة البريطانية مجرد أداة للسياسة الخارجية، بل أصبحت تتعلق أكثر بالتجارة، مع تراجعها كقوة استعمارية كبرى، وقد وصفها "أنطوني سامبسون" بأنها واحدة من علامات "البراجماتية التجارية". وتتعلق سياسات التصدير للدول الأوروبية الأخرى، مثل إيطاليا وألمانيا، بمزيج من الدوافع الاستراتيجية والصناعية والاقتصادية الأوسع.

 

المواقف العسكرية المتغيرة لدول الخليج

وتشكلت تجارة الأسلحة بين أوروبا والخليج في وقت كانت فيه المواقف الخارجية والأمنية لدول الخليج مختلفة إلى حد كبير. وتمت ترجمة السياسة الخارجية "الحذرة والمحافظة والبراجماتية" إلى مواقف عسكرية ضعيفة ونفور عام من التحركات العسكرية الخارجية. لكن لم يعد هذا هو الحال. وأدى تزايد الاستقطاب الإقليمي منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003 والمخاوف المتزايدة بشأن تراجع دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى تبني دول الخليج لسياسات خارجية أكثر نشاطا.

وحتى لو كانت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" قد خففت من بعض المخاوف الخليجية التي غذاها النهج الحذر الذي اتبعته إدارة الرئيس السابق "باراك أوباما" خلال انتفاضات الربيع العربي والتفاوض بشأن الاتفاق النووي الإيراني، فإن دعوات "ترامب" لزيادة تقاسم الأعباء لم تمر مرور الكرام.

وكان اتجاه الولايات المتحدة للتركيز على آسيا، فضلا عن الأزمة المالية 2008-2009، وتغير أنماط الطاقة في أوروبا وآسيا وأماكن أخرى، واعتماد دول الخليج المتزايد في الغذاء على شرق وشمال أفريقيا، عوامل ساهمت في إعادة التفكير الاستراتيجي لدول الخليج.

وأخذ جيل جديد من القادة الشباب الطموحين في السعودية والإمارات وقطر إشارات من هذه التغييرات لمتابعة سياسات خارجية جريئة أكثر من أي وقت مضى.

وظهرت شهية جديدة للتدخلات الأجنبية للمرة الأولى في عام 2011 عندما أرسلت السعودية والإمارات قوات إلى البحرين لمساعدة النظام في قمع الاحتجاجات. وبالنسبة للإمارات، التي كانت حتى ذلك الحين تتجنب استخدام القوة العسكرية خارج الحدود الإقليمية، فقد كان هذا تحولا ملحوظا في السياسة الخارجية. وساهمت الكويت في عمليات أمنية خارجية، بينما أفادت التقارير أن قطر أرسلت أفراد أمن ومراقبين.

وفي ليبيا، دعت دول الخليج إلى منطقة حظر طيران، وبعد فترة وجيزة انضمت قطر والإمارات إلى التدخل بقيادة "الناتو". وهنا، نشرت قطر قدرات خشنة للمرة الأولى ما مثل تغييرا جذريا في مسار سياستها الخارجية التي كانت تركز على القوة الناعمة.

وأرسلت قطر والإمارات معا 12 مقاتلة من طراز "ميراج" و6 طائرات "إف-16" وطائرتي نقل "سي-17"، وساهمت قطر والإمارات بنسبة 5% من إجمالي القوة الجوية للحملة، بالرغم من التحديات اللوجستية التي أعاقت فائدتها.

وكانت جهود دول الخليج لتسليح وتدريب قوات المعارضة في ليبيا وتوفير المعلومات الاستخبارية لقوات "الناتو" أقل وضوحا، لكنها كانت أكثر أهمية بكثير من حيث التأثير العسكري. وفي عام 2014، تدخلت قطر والإمارات إلى جانب السعودية والبحرين في التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

وبينما علقت الإمارات مشاركتها في عام 2015 بعد أسر وإعدام طيار أردني، فإنها واصلت جهودها ضد "الميليشيات الإسلامية" في أماكن أخرى من المنطقة. وفي غضون ذلك، أعلنت السعودية عن إنشاء تحالف عسكري من الدول ذات الأغلبية المسلمة لمحاربة الإرهاب.

وكان أهم دليل على النهج الجديد لدول الخليج هو التدخل بقيادة السعودية في اليمن. وانضمت جميع دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء عُمان في عام 2015 إلى عملية "عاصفة الحزم"، حيث نشرت السعودية 100 طائرة مقاتلة، معظمها من طراز "إف-15" و"يورو فايتر تايفون"، والتي انضمت إليها 30 طائرة حربية من الإمارات و15 من كل من البحرين والكويت و10 طائرات من قطر.

وخلال الأعوام الـ6 الأولى من التدخل، نفذ التحالف الذي تقوده السعودية أكثر من 23 ألف غارة جوية (أكثر من أي صراع آخر في التاريخ الحديث) كما تم إطلاق العديد من الصواريخ الباليستية والصواريخ المضادة للسفن وصواريخ المدفعية غير الموجهة والطائرات بدون طيار، ما أدى أيضا إلى استخدام غير مسبوق لأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.

ولم تكن الحرب رخيصة بالنسبة لهذه الدول، فقد أنفقت دول الخليج العربية مجتمعة ما يقدر بنحو 14 مليار دولار سنويا على العملية، بينما فقدت الإمارات 45 جنديا في غارة جوية واحدة، وهو ما يمثل أعلى خسارة في الأرواح في تاريخ البلاد العسكري.

وتستمر القائمة؛ حيث دعمت السعودية وقطر الجماعات المتمردة في سوريا. ودعمت السعودية والإمارات الانقلاب العسكري في مصر في حين دعمت قطر جماعة "الإخوان المسلمون". وقدم الإماراتيون الدعم المادي والجوي لقوات الجنرال "خليفة حفتر" في ليبيا بالرغم من حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

ومع هذه المساعي، نمت الاستثمارات في القدرات العسكرية بشكل مطرد. وبالمقارنة بين الفترة من عام 2006 إلى 2010 والفترة من عام 2011 إلى 2015، زاد إنفاق السعودية على الأسلحة بنسبة 275%، والإمارات بنسبة 35%، وقطر بنسبة 279%.

وبمقارنة الفترة من عام 2011 إلى 2015 والفترة من 2016 إلى 2020 (بالرغم من تراجع عمليات نقل الأسلحة العالمية بنسبة 0.5%)، زادت الواردات السعودية بنسبة 61% والقطرية بنسبة 361%، فيما انخفضت المبيعات إلى الإمارات بنسبة 37% لكن عمليات التسليم الرئيسية كانت معلقة بحلول نهاية عام 2020، بما في ذلك الفرقاطات الفرنسية وأنظمة الدفاع الجوي و38 طائرة هليكوبتر قتالية أمريكية.

وخلال هذا الوقت، اقترن النمو في مشتريات الأسلحة بتحسين قدرات استخدام القوة العسكرية. واستثمرت الإمارات بشكل كبير في الجهود التعليمية والقدرات التشغيلية والبنية التحتية الخارجية، بينما أكدت نفسها كقوة بحرية وإقليمية من خليج عمان عبر خليج عدن إلى البحر الأحمر وقناة السويس من خلال إنشاء قواعد في إريتريا وأرض الصومال، كما استولت على العديد من الموانئ والجزر اليمنية منذ عام 2015.

واشترت قطر طائرات "رافال" الفرنسية، وطائرات "إف-15" الأمريكية، و"تايفون" البريطانية، إلى جانب صواريخ مضادة للسفن ورادارات وسفن قتالية ودبابات. واستثمرت عُمان في طائرات "إف-16" و"تايفون" وفرقاطات صواريخ أصغر وطرادات وسفن دورية وقواعد جوية وبحرية للطوارئ لدعم القوات الأمريكية والبريطانية. وفي الوقت نفسه، أعادت الكويت التجنيد العسكري مع تعزيز قوتها الجوية بشراء طائرات "تايفون" و"سوبر هورنيت"، إلى جانب الاستثمارات في القوات البرية والبحرية.

 

التداعيات على العلاقات الأمنية الأوروبية الخليجية

وهكذا تبنت دول الخليج سياسات خارجية أكثر استباقية بدرجات متفاوتة. ونتيجة لذلك، فقد نضجت أكثر لتصبح شريكا أمنيا أكثر قدرة بشكل ملحوظ. وفي السابق، كان بإمكان المصدرين بيع أي شيء تقريبا لدول الخليج إما بسبب نقص المعرفة أو اللامبالاة، ولكن لم يعد هذا الأمر صحيحا اليوم.

وجعلت الخبرة القتالية المتزايدة دول الخليج أكثر دراية بما تشتريه حيث فرض عليها الواقع تعزيز قدراتها العسكرية. وقد جعل هذا التحول المشترين الخليجيين أكثر توجها نحو أنواع محددة من السلاح كما يتضح من الاستثمارات الإماراتية والبحرينية والقطرية في أنظمة الدفاع الصاروخي.

وفي مواجهة حظر الأسلحة الغربي بسبب الصراع في اليمن، نوعت دول الخليج شبكة موردي الأسلحة لديها، مع بناء صناعات دفاعية محلية. وأصبح التهديد لبائعي الأسلحة الأوروبيين واضحا عندما تجاوزت صادرات الأسلحة الصينية صادرات ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بين عامي 2011 و2014. وفي غضون ذلك، تفوقت روسيا على إيطاليا كثالث مورد للإمارات.

ويمكن القول إن جهود التنويع قد آتت أكلها. فبالرغم من المبادئ التوجيهية الصارمة لدول الاتحاد الأوروبي، فقد اضطرت لمواصلة مبيعات الأسلحة. وعلى سبيل المثال، بعد توقف قصير في عام 2019، صدّرت المملكة المتحدة ما قيمته 1.88 مليار دولار من الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ والقنابل، إلى السعودية بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 2020.

وواصلت فرنسا مبيعاتها إلى السعودية والإمارات، كما قيل أنها تقدم تدريبات للجنود السعوديين. وصدرت ألمانيا، المعروفة بسياستها التصديرية الأكثر حذرا، ما قيمته 1.4 مليارات دولار من الأسلحة في عام 2020 إلى دول متورطة في الصراعين اليمني والليبي.

ويبدو أن النفوذ المتزايد على شركاء الأمن الأوروبيين يمتد إلى ما وراء تجارة الأسلحة. فعندما تدخلت الإمارات في ليبيا إلى جانب التحالف الغربي، هددت أبوظبي بسحب دعمها بسبب انتقادات "الناتو" للتدخل الإماراتي في البحرين. في غضون ذلك، فإن مواءمة السياسات الفرنسية والإماراتية في ليبيا والردود الفرنسية والبريطانية الخجولة على الصراع اليمني ومقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" تكشف عن هذا التأثير العكسي، حيث أصبحت الدول المشترية تشكل السياسة الخارجية وصنع القرار في البلدان البائعة.

وعلى الدول الأوروبية أن تدرك تأثير المواقف العسكرية المتغيرة لدول الخليج على العلاقات الأمنية أوروبا والخليج. ونظرا لأن دول الخليج أصبحت حازمة وقادرة بشكل متزايد، فقد أصبح البائعون الأوروبيون خاضعين أكثر فأكثر لطلبات المشترين.

ولا يشير بيع المزيد من الأسلحة، حتى لو كان يخدم المصالح الاقتصادية ويعزز القواعد الصناعية المحلية، بالضرورة إلى التأثير المتزايد على الدول المشترية. وفي الواقع، قد يكون العكس هو الصحيح. ومن المهم أن نأخذ في الاعتبار أن المنافسة الدولية والسعي الأوروبي للاستقلال الاستراتيجي قد يؤدي إلى التدافع على مبيعات الأسلحة بدعوى أنها طريقة مجربة ومختبرة في هذا الاتجاه.

المصدر | لوتجي بوسوينكل - معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد