السعودية في زمن التحولات الأميركية: أيّ بديل من «اتفاقية كوينسي»؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 202
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

بالانسحاب من أفغانستان نهائياً، والاستعداد للانسحاب التامّ من العراق بحلول نهاية العام، تكون أميركا قد وضعت رِجلاً خارج الشرق الأوسط الأوسع، المشمول بنطاق عمل القيادة الوسطى للجيش الأميركي. تحوّلٌ بات يضاعف مخاوف السعودية من نهاية محتملة لاتفاق «الحماية مقابل النفط» المعقود مع الملك المؤسّس، عبد العزيز آل سعود، عام 1945، إذا ما عمدت واشنطن إلى إخراج رِجلها الأخرى، وتركت حلفاءها لمصيرهم، كما فعلت في أفغانستان

تبدو المملكة السعودية، اليوم، تحت قيادة محمد بن سلمان، حائرة في منطقة وسطى بين الأمل ببقاء مظلّة الحماية الأميركية فوقها، والبحث عن بدائل لاستمرار النظام الذي لا يبدو قادراً على العيش بلا حماية. وفي الخلفيّة أنّ ابن سلمان لديه حساب إضافي يتعلّق بموقعه الشخصي في العلاقة مع الأميركيين، في حال كان القرار الأميركي أن النظام السعودي ما زال يستأهل الحماية. بالنسبة لأميركا، لم يعُد النفط وحده ثمناً مقبولاً يبرّر إبقاء الانتشار العسكري الباهظ الكلفة في الشرق الأوسط، بينما لم تستطع السعودية، التي لم تعرف أيّ تطوير للنظام منذ توحيدها في العام 1932، الاستجابة للتغيّرات التي طرأت على العالم، وعلى أميركا نفسها، منذ التوصّل إلى ذلك الاتفاق بين عبد العزيز والرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت، في اجتماعهما الشهير على الطراد «كوينسي». أميركا التي ساهمت في إبقاء الحكم في السعودية كما هو على مدى كلّ تلك العقود، تتصرّف الآن على أساس أن الاتفاق بشروطه الحاليّة استنفد غاياته، ولم يعُد صالحاً للاستمرار من دون إدخال تعديلات جوهرية عليه، إن لم يكن التخلّي عنه نهائياً.
كيف تمّ عملياً إنفاذ هذا الاتفاق طوال كلّ تلك السنين من دون أن يتأثر بالتغيّرات، سوى في فتراتٍ قصيرة، كانت تشهد فيها العلاقات توتراً، ثمّ لا تلبث أن تعود إلى طبيعتها؟ شكّل النفط ولا يزال المكوّن الأساسي في وصفة العلاقات بين البلدين. وعلى مدار العقود الماضية، كانت المملكة تضخّ النفط في شرايين الاقتصاد العالمي وفق الرغبة الأميركية. وقد عملت أميركا على إدامة ذلك على ثلاثة خطوط: الأول هو السيطرة على خطوط الإمداد وتأمينها بالحدّ المستطاع، والثاني ضبط الأسعار من خلال التحكّم بقرارات «أوبك» حول كميات الإنتاج، والثالث عبر شركات استخراج النفط، وتسويقه. وهي شركات إمّا أميركية، وإمّا غربيّة تعمل وفق القواعد التي تضعها واشنطن، ولا تستطيع أن تحيد عنها، وإلا تعرّضت لعقوبات من «الأخ الأكبر». ربحت أميركا كثيراً، مالياً واستراتيجياً، من الاتفاق مع عبد العزيز، وخاصة خلال الحرب الباردة التي كان لأموال النفط العربي دوراً بارزاً فيها، من بوّابتي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، و«الجهاد الأفغاني». بعدها، أخذت الأرباح الأميركية في التراجع، وصولاً إلى منعطف 11 أيلول 2001، والغزو الأميركي لكلّ من أفغانستان والعراق، والذي آل إلى ورطة أدت إلى خسائر مادية وبشرية تفوق قدرة الولايات المتحدة على الاحتمال. في المقابل، ظلّ النظام السعودي مستفيداً منذ التوصّل إلى الاتفاق وحتى اليوم، عبر حمايةٍ مكّنته من عبور تحدّيات كثيرة داخلية وخارجية، بما فيها انتصار الثورة الإسلامية في إيران و«الربيع العربي». إلّا أن هذا النظام يشعر بالقلق اليوم من التغيّر المتدرّج في المشاريع الأميركية التي تتّخذ وجهة واحدة، هي تخفيف الوجود العسكري في الشرق الأوسط إلى مستويات متدنّية، مع تزايد احتمالات إخراج المزيد من الأصول العسكرية من هذه المنطقة.
خضع اتفاق «الحماية مقابل النفط» لعدّة اختبارات. لكن أقساها كان في 11 أيلول، وما زال إلى الآن يهتزّ تحت ارتدادات ذلك الزلزال. لم تعُد السعودية حليفاً، من وجهة نظر الرأي العام الأميركي، لكن الحاجة المستمرّة إلى النفط هي التي دفعت الإدارات الأميركية كلّها إلى التغطية على التورّط السعودي، بشكل أو بآخر، في الهجمات، وإلّا لكان وجود 15 سعودياً بين الانتحاريين الـ19 كافياً للإطاحة بالنظام السعودي المسؤول عن تهجين هذا النوع من الإرهابيين. مع تطوّر تقنيات الاستخراج، صار النفط يُنتَج في مناطق كثيرة من العالم وبكميات أكبر، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، التي أصبحت بفضل النفط الصخري، مصدّراً صافياً للخام، اعتباراً من عام 2020، وبالتالي صار وصول هذه السلعة إلى الأسواق أسهل، وتراجعت الحاجة إلى حماية كلّ مضيق وممرّ مائي وبحر ومحيط لتأمين وصولها، وهو ما أدى إلى خفض أهمية السعودية في مجال تأمين الإمدادات وتحديد الأسعار، من دون أن تفقد هذا الدور تماماً. إذ ما زالت الولايات المتحدة، حتى اليوم، تحتاج التدخل السعودي في «أوبك» لضخّ المزيد من النفط، متى اقتربت الأسعار من مستويات تؤثّر سلباً على الاقتصاد العالمي، القائمة بنيته كلّها على المصلحة الأميركية.

أصبح اتفاق «الحماية مقابل النفط» خاسراً بالنسبة إلى الولايات المتحدة


لم يعُد ممكناً إقناع الشعب الأميركي بجدوى العلاقات مع السعودية، التي كان من بين متطلّبات خضوعها للولايات المتحدة أن تكون على الشكل الذي هي عليه، بتركيبتها القائمة على اتفاق آل سعود ــ ورثة محمد بن عبد الوهاب. وهي التركيبة التي كان لها دور أساسي في جعل الشرق الأوسط، إحدى أهمّ المنصات لمحاربة التهديد الشيوعي لأميركا. 11 أيلول نفسه أدّى إلى تغيّر جوهري في السايكولوجيا الأميركية، بحيث باتت فكرة الانغلاق والاحتماء وراء المحيط، مطروحة، ولها منظّرون. حدث ذلك مع دونالد ترامب الذي كان دائماً يهدد بسحب القوات الأميركية من ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، والخروج من حلف «الناتو»، إذا لم تدفع هذه الدول ما تعتقد أميركا أنه يتوجب عليها دفعه، لقاء البقاء. وإذ يُعتبر الطرح المذكور مبالغة كبيرة، لأن أميركا موجودة في تلك الدول وفي «الناتو»، لحماية أمنها القومي وأسواقها، واحتواء أعدائها، لا لخدمة أحد، فإن الحدّ الأدنى المتفق عليه في الولايات المتحدة هو الخروج من الشرق الأوسط، نظراً للكلفة العالية للانتشار فيه، بما يتيح تحويل الموارد الموظّفة حالياً في هذه المنطقة إلى جهود احتواء الصين، التي تغلغلت في كلّ أسواق العالم، وصارت تهدّد جدّياً التفوّق الأميركي، بعد أن أصبح الاستهلاك الداخلي المتنامي بفضل تحسّن مداخيل الصينيين، كافياً لتحريك اقتصاد البلاد (ما زالت الصين تحتاج إلى تطور حاسم في المجال التكنولوجي حتى تضع أميركا خلفها. ولذا، ثمّة حساسية أميركية عالية تجاه شركات صينية من مثل هواوي، التي كانت أول من وفّر البنية التحتية للجيل الخامس من الاتصالات، حتى وصل الأمر إلى تهديد ترامب بسحب القوات الأميركية من ألمانيا، إذا منحت برلين عقود بنية تحتية في مجال الاتصالات للشركة للصينية).
قبل ذلك، مرّ اتفاق «الحماية مقابل النفط» باختبارات أخرى، إلا أنها كانت أسهل نسبياً، كاختبار الحظر النفطي الذي قاده الملك فيصل ضدّ الولايات المتحدة، وأدى إلى تراجع حادّ في المعروض العالمي، واستطاعت واشنطن التغلّب عليه بسبب امتلاكها ناصية القرار في العلاقات مع المملكة، وبدائية السياسة عند السعوديين. على أن حركة استيراد الأميركيين للنفط السعودي تفسّر كيف تراجعت أهمية المملكة بالنسبة إلى الأميركيين. إذ تشير إحصائيات «إدارة معلومات الطاقة الأميركية» التي تسجّل الواردات الأميركية اليومية من النفط السعودي منذ 1973 حتى 2021، إلى أن تلك الواردات ربّما تكون حالياً في أدنى مستوياتها التاريخية، باستثناء الحظر النفطي العربي على الولايات المتحدة بعد حرب تشرين الأول 1973، والذي لم يستمرّ إلا أشهراً قليلة، استؤنف بعدها الصادرات بزخمٍ أكبر مما كان قبلها. فعلى سبيل المثال، استوردت الولايات المتحدة في كانون الثاني 1973، قبل حرب تشرين، 351 ألف برميل من النفط السعودي يومياً، ليتراجع الرقم في الشهر نفسه من عام 1974، إلى 19 ألف برميل يومياً فقط، ثم ليقفز في الشهر نفسه من عام 1975 إلى 845 ألف برميل يومياً. أمّا ذروة الواردات فبلغت 1.803 مليون برميل يومياً في كاون الثاني 2003. وفي الشهر نفسه من 2021، استوردت أميركا 207 آلاف برميل فقط من النفط السعودي، نزولاً من 401 ألف برميل يومياً في الشهر نفسه من 2020، ممّا يشير إلى الاتجاه الانحداري الحادّ، خصوصاً أنه يتزامن مع عودة النشاط إلى الاقتصاد العالمي بعد كبوة «كورونا»، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بالاكتفاء الذاتي الأميركي من النفط أو المصادر البديلة للخام السعودي. يمكن من خلال قراءة هذه الأرقام فقط، الاستنتاج أن اتفاق «الحماية مقابل النفط» لا يمكن أن يستمرّ بشكله القديم، لأنه بات خاسراً بالنسبة للولايات المتحدة، التي يكلّفها تواجدها في الشرق الأوسط، الكثير. ولعلّ إحجام واشنطن عن الردّ على هجوم حركة «أنصار الله» على منشآت «أرامكو» في بقيق وهجرة خريص في أيلول 2019، يمثّل الترجمة العملية لتراجع ذلك الاتفاق، على رغم أن الولايات المتحدة ما زالت تكرّر حتى اليوم نغمة التزامها بالدفاع عن السعودية في حال تعرّضها لأيّ هجوم!
أمّا في شأن محمد بن سلمان، فثمّة مشاكل أخرى تخصّه، تضاف إلى مشاكل العلاقات بين البلدين. إذا إن المجتمع الأميركي ينظر إليه كمجرم، بعد تحميله رسمياً جريمة قتل جمال خاشقجي، فضلاً عن جرائمه في حرب اليمن. وقد احتاج الأمر، قبل أيام، دخولاً إسرائيلياً على الخط، سعياً لاستنقاذ حليف غير معلَن منذ زمن طويل، وربما يصبح معلناً إذا سمحت الظروف. وأفادت تقارير في الصحافة الإسرائيلية بأن مسؤولين إسرائيليين حذّروا نظراءهم الأميركيين من أن الضغط الزائد على ابن سلمان قد يرميه في أحضان روسيا والصين وإيران، وهي الدول الثلاث التي يحاول بالفعل التقارب معها.