معهد إسرائيلي: أزمة خاشقجي عابرة وبايدن يدرك أن بن سلمان موجود ليبقى

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 343
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

التزم الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بوعده الانتخابي وأصدر قرارا بالكشف عن تقرير استخبارتي يتضمن اتهاما لولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" بالتورط في عملية قتل الصحفي "جمال خاشقجي". ويعد نشر هذا التقرير جزءا من عملية "إعادة تقويم" لعلاقات الولايات المتحدة مع السعودية. وقد سبق نشره مكالمة هاتفية مع العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز" أكد فيها "بايدن" أنه يريد أن تكون العلاقات بين البلدين "قوية وشفافة".

ومنذ نشر التقرير، تسلط رسائل كبار المتحدثين باسم الإدارة الأمريكية الضوء على النوايا الأمريكية للتركيز على حقوق الإنسان، من بين أمور أخرى، مما سيؤثر على العلاقات بين واشنطن والرياض. 

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على المتورطين في قتل "خاشقجي"، فيما قالت إنها تحتفظ بحق اتخاذ إجراءات إضافية. وفي الواقع فإن المشرعين الديمقراطيين يمارسون ضغوطًا كبيرة على "بايدن" ويدعونه إلى تصعيد الإجراءات ضد السعودية، بما في ذلك فرض عقوبات على ولي العهد والوقف الكامل لصفقات الأسلحة مع المملكة.

من ناحية أخرى، تؤكد الرسائل الواردة من واشنطن أن السعودية شريك استراتيجي، وأن العلاقات الوثيقة معها مهمة لتعزيز المصالح الأمريكية. وبالتزامن مع العقوبات وإعادة النظر في صفقات السلاح التي أبرمها الرئيس السابق "دونالد ترامب" مع المملكة، كررت الإدارة الجديدة التأكيد على أنها لا تريد قطع العلاقات مع السعودية، وأنها ستستمر في توفير الحماية للمملكة ضد التهديدات الخارجية، بالرغم من قرار إدارة "بايدن" إنهاء الدعم للعمليات الهجومية في اليمن، وإزالة الحوثيين من قائمة التنظيمات الإرهابية.

من جهتها، رفضت الرياض تقرير "خاشقجي" واستنكرت نتائجه، لكنها لا تتجاهل الرياح الجديدة التي تهب في واشنطن، وقد بدأت بتعديل سياستها. وحتى قبل نشر التقرير، بدأت الرياض في إدخال تغييرات على سياستها الداخلية تحسباً للضغوط المتوقعة من الإدارة الجديدة. ومن بين هذه الإجراءات، الإعلان عن إصلاحات قانونية والإفراج عن عدد من السجناء على رأسهم الناشطة البارزة في مجال حقوق المرأة "لجين الهذلول" (وهي خطوة نالت إشادة الإدارة الأمريكية).

وبالرغم من عدم اليقين الحالي بشأن العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، يبدو أن إعلان إدارة "بايدن" أنها تعيد ضبط علاقاتها مع المملكة، تم صياغته بحيث لا يكون له تأثير سلبي على العلاقات، بل ليعكس رغبة في بناء العلاقات مع القيادة السعودية بشكل أكثر أريحية للولايات المتحدة مع تمكينها من مواصلة الشراكة الاستراتيجية. ومن وجهة نظر الإدارة الأمريكية، فإن النهج الذي يأخذ في الاعتبار المصالح المشتركة سيجعل من الممكن الحفاظ على العلاقة الثنائية.

وترى إدارة "بايدن" أن علاقاتها مع السعودية لها انعكاسات مباشرة أيضًا على قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط، بما في ذلك القدرة على التعامل مع سياسة إيران العدائية في المنطقة، والترويج لاتفاقات "أبراهام"، وإنهاء الحرب في اليمن. وبالنظر إلى أن العلاقات بين الرياض وواشنطن تقوم على المصالح المشتركة، فمن المفترض أنهما سيكونان قادرين على التغلب على الخلافات، كما حدث في الماضي.

علاوة على ذلك، فإن "بايدن" على دراية بالشرق الأوسط، ومن المتوقع أن يتبنى نهجًا عمليًا، وإن كان مقترنًا بالتركيز على حقوق الإنسان. وستسعى الإدارة الأمريكية جاهدة للوصول إلى توازن دقيق بين قيمها وفهمها لاحتياجات المملكة.

وقد قررت الإدارة الأمريكية استثناء "بن سلمان" من العقوبات المتعلقة بمقتل "خاشقجي" بحجة أن الولايات المتحدة لا تفرض عقوبات على قادة الدول التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، وتعكس هذه السياسة إدراكًا بأن "بن سلمان" موجود ليبقى، وربما على المدى الطويل. ومن المرجح أن تجد الإدارة الأمريكية لاحقًا طرقًا للحوار مع ولي العهد أيضًا حتى لو كان الأمير حاليًا شخصًا غير مرغوب فيه، وذلك لدوره المهم والمؤثر في القيادة السعودية.

وتعكس الجهود الأمريكية للسير على هذا الحبل المشدود أيضًا تقييمًا بأنه سيكون من الخطأ حصر السعودية في الزاوية؛ لأن الإجراءات القاسية للغاية ضد الرياض من شأنها أن تضر أكثر مما تفيد المصالح الأمريكية.

ومثل إسرائيل، يعتمد مفهوم الأمن لدى ​​السعودية على إدراك أعدائها أن الولايات المتحدة تزود المملكة بالدعم والمساندة بشكل مطلق؛ لذلك يعد الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة وتعزيزها مصلحة عليا للسعودية أيضًا،

علاوة على ذلك، فإن العلاقات مع الولايات المتحدة مهمة أيضًا لمكانة "بن سلمان" في الداخل. وفي سيناريو متطرف، قد يؤدي التطور السلبي في العلاقات مع الولايات المتحدة إلى تقويض الاستقرار الداخلي في المملكة (على سبيل المثال، قد يؤدي الضغط غير المبرر على ولي العهد وعزله ومقاطعته إلى تشجيع خصومه على حرمانه من مكانته كزعيم، وحتى القضاء عليه). ومن المرجح أن الولايات المتحدة تدرك أن إضعاف السعودية وتوتر العلاقات الثنائية معها سيضاعف من دافع إيران لمهاجمة المملكة مما يدفع الرياض للتقارب مع بكين وموسكو.

 

علاوة على ذلك، فإن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية تجاه السعودية حتى الآن قد ينظر إليها بشكل سلبي من قبل دول الخليج الأخرى. ومن المحتمل أن يروا ما يحدث الآن باعتباره تكرارا للإجراءات التي اتخذتها إدارة "باراك أوباما" في الشرق الأوسط، والتي أعطت انطباعا بأنه لا يمكن الوثوق بوقوف الولايات المتحدة إلى جانب الحلفاء خلال الأزمات.

ومن المرجح أن يحفزهم هذا الاحتمال على توطيد علاقاتهم الدفاعية مع إسرائيل، ولكنه قد يدفعهم أيضًا إلى اتخاذ خطوات محسوبة نحو التقارب مع إيران. في مثل هذه الحالة، يمكن توقع أن تصبح سياستهم في المنطقة أقل حزما وأن ويركزوا على الشؤون الداخلية وفتح حوار مع إيران.

ومن المتوقع أيضًا أن يؤثر تطور العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية على إسرائيل، من حيث درجة توسيع اتفاقيات التطبيع مع دول الخليج وانضمام دول أخرى إلى العملية، وعلى رأسها السعودية نفسها. كما يؤثر ذلك على التكتل الإقليمي ضد إيران، والذي تلعب فيه السعودية دورًا حاسمًا. وبالتالي، لدى إسرائيل مصلحة واضحة في إبقاء أي ضرر يلحق بالعلاقات بين واشنطن والرياض عند أدنى حد بل مع إمكانية عكس الأمور.

لهذا السبب، على إسرائيل أن تشرح للإدارة الأمريكية العواقب المحتملة للضغط على السعودية. ومع ذلك، يجب أن يكون دفاعها نيابة عن السعودية حذرا وسريا، لأن الانحياز الواضح للرياض، وخاصة "بن سلمان"، الذي يتعرض حاليًا لانتقادات شديدة داخل الحزب الديمقراطي، قد يلقي بظلاله على الحوار بين اسرائيل والولايات المتحدة.

خلاصة القول، بالرغم من استياء واشنطن من سلوك السعودية فيما يخص حقوق الإنسان والحرب الطويلة والدموية في اليمن، فإن المملكة لاعب إقليمي مهم يصعب تجاهله دون الإضرار بالمصالح الأمريكية في المنطقة.

ويعتبر الثقل الاقتصادي والديني والسياسي للمملكة رصيدًا مهمًا لأي إدارة أمريكية تسعى إلى إحباط إيران والحد من التدخل الصيني والروسي في الشرق الأوسط. وتحتاج السعودية أيضًا إلى الشراكة مع الولايات المتحدة، التي تعد حاليًا القوة العالمية الوحيدة القادرة على تزويدها بمجموعة متنوعة من القدرات الإستراتيجية والسياسية تتجاوز بكثير قدرات منافسيها.

بمرور الوقت، من المرجح أن يكون اجتماع المصالح بين واشنطن والرياض دافعا للتغلب على الخلافات بينهما، ومواصلة العلاقات الوثيقة بالشكل الذي ظهر خلال السنوات الأخيرة، حتى لو كانت سياسة الإدارة الحالية تختلف عما واجهته المملكة في ظل الإدارة السابقة.

 

المصدر | إلداد شافيت، يوئيل جوزانسكي/ مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد