لماذا يرفض العالم نتائج المحاكمة السعودية لقتلة خاشقجي؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 1016
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 انتهت محاكمة جنائية سعودية سرية في قضية اغتيال الكاتب الصحفي في واشنطن بوست "جمال خاشقجي"، حيث حُكم بالإعدام على 5 متهمين مجهولي الهوية، بينما حكم على 3 آخرين بالسجن. فيما جرت تبرئة المستشارين المقربين من ولي العهد، "سعود القحطاني" و"أحمد عسيري"، على الرغم من الأدلة التي قدمتها السلطات التركية والتي كشفت مسؤوليتهما عن الجريمة. كما تم إطلاق سراح "محمد العتيبي"، القنصل العام السعودي في إسطنبول وقت الجريمة، دون توجيه تهمة.

التستر على الجريمة
لا يمكن رؤية هذا الحكم إلا باعتباره تسترًا فاضحا على جريمة خطيرة ضد مواطن سعودي تعد كل جريرته أنه طلب العدالة والكرامة والحقوق لشعبه. ويعد الحكم أيضا مؤشرا على تجاهل غاشم لمبادئ الأخلاق والمساءلة التي بدونها لا يمكن لأي بلد أو نظام سياسي أن يأمل في العيش والتقدم والازدهار.
في الواقع، فشل الحكم في السماح للسعودية برفع الغيمة المحيطة بسمعتها الدولية في أعقاب اغتيال "خاشقجي" في أكتوبر/ تشرين الأول 2018. ويعد تجنب تحديد الجناة الحقيقيين في عملية الاغتيال دليلا على نظام العدالة المعيب في المملكة، وهو أمر أساسي لدولة متحضرة وحديثة.
وفقًا للعادات القبلية، يجب ألا يكون هناك أي مفاجأة إذا تم إطلاق سراح المحكوم عليهم بالإعدام بعد دفع أموال الدية بمباركة من القصر الملكي والسلطات الدينية، ومن ثم سيتم العفو عن المعتقلين. ومن المتوقع أن تقبل أسرة "خاشقجي" كل ما يُعرض لإكمال التستر،ليس لأنهم اختاروا هذا المسار ولكن لأن رفض القيام بذلك سيعرضهم لبطش الحكومة.

دلالات وتداعيات
من خلال هذا الحكم، تحاول السعودية إقناع مواطنيها والعالم بأنها تعاملت بشكل عادل مع جريمة قتل "خاشقجي"، ولكن في الواقع، فإن الحكم يعرض كذبًا مزعجًا وشنيعًا ويقدم تحذيرًا خطيرًا. ويعد تأكيد الرياض أنه تم تحقيق العدالة لـ"حاشقجي" محض كذب. ففي قضية "خاشقجي"، لم تكن العدالة نزيهة وانحرفت لصالح من هم في السلطة أو من يستطيعون ممارستها. واليوم، لا يمكن أن يتوقع العاملون في مهمات ولي عهد السعودية أي تداعيات على جرائمهم؛ حيث صار لديهم الآن ترخيص غير محدود للسجن والتعذيب والقتل، بغض النظر عن النتيجة.
وتبعًا لذلك، قد يشعر المستشارون في القصر الملكي بالجرأة للقيام بعمليات القتل والاغتيالات الأخرى باسم الملك السعودي المستقبلي. وسيؤدي هذا دون شك إلى المزيد من الانتقادات المحلية والدولية للمملكة وسيزيد من تهديد مكانتها وعلاقاتها مع الدول التي تحترم القانون في جميع أنحاء العالم.
ويمثل الحكم أيضا تحذيرا للمعارضين السعوديين مفاده أنه لا أحد يمتلك حصانة من الذراع الطويلة للدولة القمعية داخل أو خارج البلاد. ويعني ذلك أن أولئك الذين ينتقدون طريقة إدارة الحكومة أو الذين يحاولون فقط تقديم المشورة حول التغيير، كما فعل "خاشقجي"، سوف يتحملون مخاطر كبيرة دون حماية. وبعبارة أخرى، يرسل الحكم رسالة واضحة أن قوة القصر الملكي غير قابلة للتغيير أو الانتهاك، حتى لو كانت تقود البلاد إلى القمع والدمار.
وقد حرص "خاشقجي" في كتاباته ومشاركته العامة على تذكير جمهوره بأنه يمتلك أفضل النوايا لمملكة عربية سعودية محترمة وأنه غير مهتم بمعارضة ولي العهد أو سياساته. ونصح بالتدريج والحذر في الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الضرورية التي دافع عنها "محمد بن سلمان".

ليست النهاية
ربما تعتقد الحكومة السعودية أن هذا الحكم سوف يغلق الملف الخاص بقتل "خاشقجي"، وبالتالي يساعد المملكة على استعادة مصداقيتها. ولكن الواقع أن هذا الحكم سيزيد فقط من تدقيق المجتمع الدولي في السياسات والممارسات السعودية. ويوجد حاليًا ناشطون في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة يقبعون في السجون السعودية، وسوف يتسبب الحكم بكل تأكيد في زيادة القلق بشأن مصيرهم.
سيكون هناك مبرر لدى الناشطين والمنظمات الحقوقية للتساؤل: إذا كان من الممكن التستر على هذا الاغتيال بسهولة وبدون خجل، فما هي التأكيدات بأن السعوديين المسجونين سيحصلون على محاكمات عادلة وستصدر بشأنهم أحكام عادلة في المستقبل؟
أخيرًا، في حين قد تعتمد السعودية على إدارة "ترامب" والحكومات الصديقة الأخرى، في المنطقة وخارجها، لمساعدتها على تجنب تداعيات مقتل "خاشقجي"، إلا أنه من الجيد أن نفهم أن الإفلات من العقاب لا يمكن أن يكون رهانا دائمًا. ولا تزال سمعة المملكة على المحك بغض النظر عن التستر على جريمة قتل "خاشقجي".
وعلى الأقل في الوقت الحالي، يمكن اعتبار الطريقة التي تعاملت بها السعودية مع قضية "خاشقجي" بمثابة رفض تام وصريح لتحقيق العدالة في هذه الجريمة البشعة.

المصدر | عماد حرب - المركز العربي واشنطن دي سي