لا يستقيم تنظيم الرذيلة والفضيلة في آن.. الحجّ أصبح مجرد صنبورة مال لآل سعود

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 287
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

مرآة الجزيرة- ناصر البقشي

 قرن وأكثر مضى على إمساك آل سعود بأقدس بقعة للمسلمين على وجه الأرض، استغلت خلالها الأماكن المقدسة لعشرات الملايين من الناس الذين أُجبروا على اتباع قوانينها ومزاجياتها وأهوائها في تنظيم المراسم، ووصلت حد حُرمانهم من أداء الفرائض تبعاً لذلك. مدير مركز الجزيرة للإعلام محمد العمري يتطرق في حوار خاص مع “مرآة الجزيرة” إلى تفاوت مشهد الحج بين فترتي ما قبل سيطرة آل سعود على الجزيرة العربية وبعدها، كما إلى الازدواجية القائمة في أن تقوم الجهة نفسها التي تنظّم أضخم مراسم دينية في العالم بتنظيم حفلات المجون والرقص.. وكيف بات الحج مجرد مورد مالي لتمويل مشاريع البلاد. يُرجع الناشط الحقوقي محمد العمري الأسباب الحقيقية الكامنة خلف أعداد الوفيات الكبير بين الحجاج، تخطى الـ 1200 وفاة، إلى ما هو أعمق من الأسباب الظاهرية التي يتم تداولها اليوم من قبيل ارتفاع درجاة الحرارة أو بدعة “الحج بدون تصريح” وما تلاه من حرمان الحجاج من أبسط الخدمات. يعود العمري بالتاريخ إلى ما قبل سيطرة آل سعود على مكة، فتأتي أعداد الوفيات وشياع الفوضى في الحج بالدرجة الأولى؛ وفقا لتحليله، إلى ما حصل من إبعاد وعزل لأهل مكة عن معادلة تنظيم مناسك الحج وبالتالي عن أداء دور حيوي في المشاركة في سقاية وخدمة الحجاج. عزل أهل الأرض تم عبر سلبهم أراضيهم وممتلكاتهم بحجة التوسعة ومن ثم تشييد الفنادق الضخمة على جزء من هذه الأراضي وتخصيصها للأمراء وشركائهم من التجار وكبار الأثرياء. هذا الاستبعاد للدور المدني من خدمة حجاج بيت الله الحرام كان لصالح تشغيل شركات مساهمة تتبع النخبة النجدية من طبقة التجار، الأمر الذي نتج عنه احتكار تنظيم الحج بيد فئة واحدة بعد أن كان المدنيون من أبناء مكة يتطوعون لخدمة الحجاج. فقد كانوا يستضيفون الكثير من الحجاج في منازلهم الخاصة ويخففون عنهم عبء التكاليف، إلى جانب تأمين وسائل النقل الخاصة للحجاج أيضا بمقابل زهيد على نقيض مع ما يتكلفه الحاج اليوم. هذه المهام انتقلت اليوم إلى شركات مساهمة لأعمال الطوافة فدخل فيها العامل المادي وما يستتبع هذا العامل من آثار سلبية من جشع واحتكار، وإلى تمايز في نوع الخدمات المُقدّمة إلى الحجاج مع ارتفاع احتمال تعرض حجاج للضرر دون غيرهم وارتفاع فرص ارتقاء أرواحهم تبعا لذلك. أي أن أعداد الحجاج في السابق ورغم أنها كانت أضعاف أعدادهم اليوم، لكن التنظيم المتوازن والمتكافئ كان كفيلا بضمان أمن الحجاج حقيقة وليس بالشعارات. وأما أحد الأسباب الجذرية الأخرى التي تشكّل محرّضا لتردّي أمن الحج، يلفت مدير مركز الجزيرة للإعلام إلى أنه يكمن في تحوّل فريضة الحج إلى عملية تجارية بالنسبة للحكومة السعودية ومكسب رزق يدرّ لها مليارات الدولارات كل عام، وهو الأمر الذي ينزع عن هذه المسؤولية روحانيتها وبعدها الأخروي. حول عسكرة الحج وحشد الشرطة والعساكر بأسلحتهم في الحرم المكي كما سائر الأماكن، فقد تم تخصيص ما نسبته تقريبا الـ20% من المشاعر المقدسة تحولت إلى ثكنات للقوى الأمنية حتى تحول الحج إلى مظهر حرب بدلا من أن يكون مظهر أمن وسلام. يستطرد العمري في حديثه مع “مرآة الجزيرة” كلامه عن مظاهر عسكرة الحج، وأحد آثارها السلبية تكون بشكل مباشر على الحجاج لا سيما الكبار في السن والصغار منهم من خلال ترتيبهم. ويكمل بالقول أن هذه المظاهر العسكرية المتشددة تترافق مع شح في الخدمات المقدمة لحجيج أغلبهم من الفقراء والبسطاء من غرب آسيا كحجاج أندونيسيا حيث يُحرمون في خيمهم من ما يتنعّم به غيرهم كالماء البارد أو توفر الكهرباء بشكل دائم وهو ما يدفعهم في بعض الأحيان للتعبير عن استيائهم من إدارة الحج. كما ينوّه إلى أن أعداد هؤلاء المدرّعين الذين من المفترض أنهم يحرسون الحجاج، أعلى بكثير من أعداد المسعفين المتواجدين للخدمة الصحية الذين لم يتجاوز عددهم الـ 2000 مسعف لخدمة قرابة المليوني حاج. هذا يظهر أن السلطات السعودية تفرّغت للمظاهر الأمنية لبسط سيادتها وإعطاء طابع عسكري لهذه الفرائض الروحية التي يجب تخلو من هذه المظاهر. إنكار المسؤولية حول الوفيات: نهج سعودي قديم في الإدارات السعودية السابقة كانت الركائز التي يتّكل عليها النظام السعودي لتثبيت وشرعنة حكمه قائمة على سياسة “النفي”، فيكذّب أي انتقادات تطاله. أما خلال العهد الأخير ومع استحالة تكذيب الأخبار كما في السابق؛ نجدها اليوم، وفقا للعمري، قائمة على حشد التطبيل المكثّف للملك والعهد لتشكيل رادع استباقي لكل ما يسوء صورتها. والأسلوب الآخر قائم على نشر روايات مضادة لأي انتقادات يتعرض لها مهما كانت موثّقة سواء بالصور فيزعم أنها مركبة للخلاص من التهم، أو أن يقوم بتعليق فشله على تقصير غيره كمثلما جرى بعد أعداد الوفيات الكبير بين الحجاج الذي كُشف عنه تباعاً. ‏مسؤول سعودي أبلغ وكالة الصحافة الفرنسية بأن بلاده “لم تفشل في تنظيم الحج” مضيفًا ان الوفيات تعود “لسوء تقدير الاشخاص انفسهم للمخاطر” وان اعداد الوفيات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة ليست نهائية بعد الدليل على ما سبق، هو إعلان الحكومة نجاح موسم الحج حتى قبل أن ينتهي، وهو ما يدلّ وفقا للعمري على انعدام المسؤولية ورداءة الإدارة، التي لا تتحمل الاعتراف بأخطاء ارتكبتها لكي يتسنّى لها تجنّبها أو حلّها قبل موسم الحج القادم وهو عين الفشل. ربطاً بالنقطة الأخيرة التي تتحدث عن تجنّب الحكومة السعودية مراجعة أدائها في إدارة الحج لتطويره، يؤكد العمري أن هذا الأمر نسف واحدة من البديهيات التي  تقول بأن الخبرة تُراكم المعرفة وهو ما يُنتظر منه تطوير الأداء. إلا أن “الحكومة النجدية” اليوم تبيّن أنها لا تفقه شيئا في شعائر الحج عندما نقارن بين الاعداد التي كانت تتوافد إلى الحج بعشرات الملايين منذ عشرات السنين مع أعدادهم اليوم التي لا تتجاوز المليوني حاجّ. في السياق نفسه، يعيد الناشط السياسي وينوّه إلى التنظيم الذاتي للحج الذي كان حاضرا سابقا؛ حيث كان الدور المدني في تنظيم الشعائر حاضراً ويتم بأريحية وأخوية، أما اليوم وحتى مع تراكم الخبرة لدى عائلة آل سعود في احتكارها التنظيم إلا أن الفشل هو السمة الأبرز لإدارتها. يعود هذا الفشل وفقا له إلى العنجهية التي يتّصف بها أبناء سعود مع عدم احترامهم ولا تقديرهم للخبراء وأصحاب الخبرة في مختلف نواحي التنظيم. إلى جانب الفساد الإداري المتجذر في الحكومة السعودية الذي يحيل كل القرارات وأهمها إلى شخص واحد يكون له سلطة ونفوذ أعلا من أكبر خبير هندسي أو غيره. حول ظاهرة تسييس الحج من قِبل السلطات مقابل منع ما تعتبره شعارات سياسية يمكن للحجاج ترديدها خلال أدائهم المناسك، يشير العمري إلى سلسلة المواقف التي يقوم بها النظام السعودي من تجهيز الخطاب من الديوان الملكي وتُسلّم إلى خطيب عرفة ملقّن بالكثير من المديح والتطبيل للديوان الملكي. يضيف العمري عامل توظيف الحكومة السعودية خلافاتها السياسية في توزيع تراخيص الحج على المسلمين حول العالم، كحين منعت التصاريح عن المتقدمين من دولة قطر فترة الأزمة السياسية بين البلدين. لكنها تسمح لنفسها في الوقت نفسه من اعتقال والتنكيل بمن يخالف رؤاها السياسية والفكرية. الحج في عهد ابن سلمان ورؤية 2030 يصف الناشط الحقوقي شكل الحج اليوم بأنه متناسب مع رؤية 2030، حيث استغلال كل الأبواب لدرّ المال، وهو الأمر الذي جعل مظاهر الحج اليوم تبدو كحج درجة أولى تبعا للتكاليف التي يتطلبها الحصول على فرصة لأداء مناسك الحج مع حرمان آلاف الفقراء منها تحت مسمى تصريح الحج الذي بات متوفرا ومُسهّلا للمتمكّنين ماديا. السعودية اليوم واقعة بين نارين في الفترة التي تلت خلعها ملابس التشدد والوهابية وارتدائها ملابس “الانفتاح”، فهي من ناحية تريد الاستفادة من مراسم الحج بما يدرّ عليها من أموال هائلة تساعدها في تمويل مشاريعها ورؤيتها كما وتمكّنها في الوقت عينه من أن تتربع على عرش الاماكن الدينية المقدسة. ومن ناحية أخرى تريد أن تمثل وجهة سياحية وترفيهية عالمية وفقا لمخططها الجديد، كما أن فرصة الحج والعمرة واجتماع ملايين المسلمين، خاصة خلال العمرة، وما ينتج من ذلك من إعادة اللحمة فيما بينهم وفرصة تشكيل نواة للقيادة إلى التغيير وتحسين واقع المسلمين وهو ما تخشاه وتحاول السعودية تجنبه. لفت العمري في حديثه لـ”مرآة الجزيرة” إلى أن العديد من المسلمين أخذوا التأشيرات السياحية التي تقدمها السعودية لتعزيز الاستقطاب السياحي الترفيهي في البلاد، لكنهم استغلوها للتمكن من دخول أرض بلاد الحرمين وأداء مناسك الحج التي باتت تكلفتها باهظة جدا مقارنة مع التأشيرا السياحية المُيسرة أمام السياح طالبي الحفلات في الرياض والمعقّدة أمام طالبي الحج إلى مكة. يذكر محمد العمري مثال على ذلك أن الإحصاءات بيّنت أن 70% ممن قدموا إلى السعودية عام 2023 في فترة موسم الترفيه ذهبوا لأداء مناسك العمرة بعد انتهاء الموسم، أي أنهم اتخذوا موسم الترفيه حجة للبقاء في البلاد حتى موسم الحج العمري أضاء على أن السعودية بإدارتها السيئة لمناسك الحج هي تظهر أمام العالمين الإسلامي والعربي بحلتها الحقيقية، والحجيج الذين يعلمون بالرقابة الحكومية الشديدة على كل ما يُنشر وعلى استعدادها لاعتقال الحجاج على خلفية منشورات لهم، إنما ينتظرون العودة إلى ديارهم لكي يبثوا بأمان مقاطع الفيديو التي التقطوها والتي تظهر نواحي التقصير العديدة في تنظيم الحج. في الختام، أكد المعارض السعودي محمد العمري أنه لا يستقيم تنظيم الرذيلة والفضيلة في آن، معتبراً أن هذا هو سبب إسقاط “النخبة الدينية” أو علماء السلطة بعد عقود من عمليات إعلاء مكانة هؤلاء؛ قبل أن تعود الحقيقة وتُكشف مع تبدّل سياسة الحكم نحو تسخيف المجتمع ومحاربة الدين بشكل فاضح عبر استضافة كل معالم المجتمع الغربي بما في ذلك نشر الرذيلة.

/