لماذا خرج الغضب السعودي على لبنان إلى العلن؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 411
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ايليا ج. مغناير

لا تعلم الحكومة اللبنانية ما هي الطريقة المُثلّى للتعامل مع المملكة العربية السعودية بعد أن قررت قطع العلاقات معها علنا وجرَّت معها دول خليجية أخرى مثل الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة (رفضت قطر وسلطنة عُمان). فقطع العلاقة لا يمت لما قاله وزير الإعلام جورج قرداحي بصلة. بل لأن السعودية فشلت في إحداث خرق في المفاوضات مع إيران لتغيير او إيقاف معركة مآرب و إحداث منطقة نفوذ لها في لبنان تمكنها من التفاوض عليها خلال المفاوضات مع إيران او امام العالم. ولليمن دور كبير في الموقف المتشدد السعودي بعد ان سيطر أنصار الله على أكثر من 10 محافظات كاملة ليبقى جزء من الوادي ومدينة مأرب ليقترب سقوط المنطقة برمتها وكسر ظهر التدخل السعودي في شمال اليمن. لقد توصلت السعودية إلى خلاصة أن إيران لن تعطيها السلم للنزول عن الشجرة اليمنية للخروج من الحرب العبِثية بما تبقى من ماء وجهها.

إلا أن هناك أمور أخرى – بالإضافة إلى اليمن – دفعت للإسراع بخروج الغضب السعودي عن طوره إلى العلن. وهو سبب لبناني داخلي تجسد بضرب الحليف الوحيد الذي بقي للمملكة العربية السعودية في لبنان: الزعيم المسيحي الذي كان حليفاً لإسرائيل أمام الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 والذي أصبح يعتقد (جهلا) بانه حصان طرواده أمريكي – سعودي في لبنان: سمير جعجع.

إذ قالت أميركا بانها إستثمرت عشرة مليارات دولار في لبنان لتقويض “حزب الله”، حليف إيران الأقوى في غرب آسيا ولكنها فشلت. وقالت المملكة العربية السعودية انها إستثمرت المليارات لدعم حلفاءها في لبنان وإيجاد نفوذ قوي لها. إلا أن جميع سياساتها وحلفائها أصابهم الفشل لتقويض نفوذ وقوة “حزب الله” الذي عاظم قوه ونفوذه في المنطقة. وتالياً فقد إستسلمت أميركا لتغير خطتها وتأقلمت مع خسارتها وتتقبلها لتبدأ بسياسة العقوبات الي لا تكلفها شيء. وهي سياسة بدأت بإتباعها منذ عدة عقود ولكنها أصبحت المفضلة لديها ضد دول معددة وبالتالي لم يعد هناك ضرورة لارسال آلاف الجنود الأمريكيين بسبب فشل الاحتلال في أفغانستان والعراق وسورية.

إلا أن سياسة العقوبات فشلت مع إيران و كوبا وفنزويلا. ولكن أميركا فرضتها على سورية وتلوح بها في وجه العراق وتمارسها دون الإعلان عنها على لبنان. ولكن إيران وحلفائها وجدوا طريقة لتحويل التهديد الصارم المتمثل بالعقوبات القاسية الأحادية و الغير قانونية إلى فرصة. وقد تمثل ذلك بإرسال إيران ناقلات النفط إلى سورية ولبنان ليحصد “حزب الله” ثمار العقوبات الأميركية بدعم جماهيري لا مثيل له، لم يتنعم به منذ الحرب السورية عام 2011.

وهذا ما اربك واغضب أعداء إيران اللذين وجدوا انفسهم عاجزين عن كسر حزب الله. وقد قد يأست المملكة العربية السعودية من حلفائها السنة في لبنان لانها لا تمتلك خيارات مثل امريكا ولم تتتعود على رسم سياسات استراتيجية اقليمية او دولية. بل كان للمملكة السعودية دور كبير في تتمويل الحروب التي قادتها او رغبت بها امريكا في الشرق الاوسط وامريكا الاتينية وغيرها. وبالتالي فان السعودية قد قررت التخلي عن حلفائها السنة في لبنان وإقتنعت بأن هؤلاء، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق سعد الحريري الذي يملك أكبر شعبية بين سنة لبنان حتى ولو إنخفضت هذه الشعبية كثيراً في الأعوام الأخيرة. لذلك، إتجهت إلى حليف آخر، سمير جعجع، الذي كان لا يتردد بإنتقاد “حزب الله” علناً – كما فعل الكثيرون في لبنان – ويقول في جلساته الخاصة أنه يملك الآلاف من المقاتلين ولن يتردد بالدخول في معركة مع “حزب الله” إذا لزم الأمر.

وحصل ما لم تتوقعه السعودية عندما فتحت النيران على تظاهرة لمدنيين من حزب الله و حليفه من حركة “أمل” في منطقة الطيونة سقط خلالها 7 قتلى وعشرات الجرحى. وخرج جعجع ليتبنى ما حصل وكأنه إنتصار له. ولم يتنبه لردة فعل الطرف الآخر الذي سارع إلى القضاء. وطلب مدعي عام المحكمة العسكرية إستدعاء جعجع بعد القاء القبض على عدد كبير من عناصره الذين تواجدوا مسلحين في منطقة عين الرمانة قبل 24 ساعة من المظاهرة، وهي المنطقة التي انطلقت منها الرصاصات الأولى. وأثبت التحقيق أن خطة إنتشار عسكرية كانت معدة قبل التظاهرة، وتالياً فقد ثبت ان لدى جعجع تنظيم عسكري مسلح بهدف الاسخدام الأهلي. وهذا ما يسعى القضاء له ليؤكده. وبالتالي فإنه سيقضي على أي أمل له بالنجاح في الإنتخابات النيابية القادمة التي أمل منها الأميركي والسعودي أن تكون بيضة القبان لخسارة الأكثرية المسيحية الحالية برآسة “التيار الوطني الحر” وإنتصار جعجع.

وهذا ما أخرج السعودي عن روعه بعد ان إعتقد أن “حزب الله” يريد القضاء على الحليف الوحيد المتبقي والذي، بحسب ما تعتقده السعودية، تجرأ لمنازلة “حزب الله” في “أرض المعركة”. وكانت ردة فعل السعودية ضد لبنان وحكومته بأن أخرج من الأرشيف تغريدة للوزير جورج قرداحي يصف فيها الحرب اليمنية بالعبثية كما وصفها سياسيون كثر في لبنان بين حلفاء السعودية نفسها ولم تحصل أي ردة فعل.

لقد إعتبر “حزب الله” ان حزب “القوات اللبنانية” التي يترأسه سمير جعجع هو معادي يجب القضاء على تنظيمه العسكري مهما كلف الامر لرفع تهديد الحرب الأهلية عن لبنان. وهذا قرار من المفروض ان يترجم عمليا في المستقبل و من المفروض ان يقضي على أحلام أميركا والسعودية بشرذمة مسيحيي لبنان وإفتعال حرباً أهلية. وتالياً فان ردة الفعل السعودية طبيعية لأنها تدافع عن آخر معقل لديها في لبنان كان من الممكن ان تعول عليه لتعادل النفوذ الايرانني، باعتقادها (الخاطئ).

ولم تأت ردة فعل المملكة السعودية فقط لأن “أنصار الله” أصبحوا يمتلكون الصواريخ الليزرية الموجهة التي قلبت المعادلة على أرض مأرب، ولم تأت أيضاً لأن المفاوض الإيراني لن يعطي الرياض أي تنازلات في ملف اليمن وقد طلب منه الذهاب إلى الأمين العام لـ”حزب الله” للطلب منه الوساطة في اليمن. ولم تغضب السعودية فقط لأنها هي التي رعت إتفاق الطائف بعد الحرب الأهلية المفتعلة في لبنان عام 1975، وإعتبرت بلاد الأرز منطقة نفوذ قوية لها. بل لأن جميع هذه التراكمات هي المسبب الرئيسي بالإضافة إلى تعاظم قوة الحزب العسكرية إلى ان أتت القشة التي قصمت ظهر البعير وأتت الضربة شبه القاضية على آخر حليف لها في لبنان، سمير جعجع.

 وهذا ما دفع السعودية للقول إلى فرنسا عندما دخلت في مفاوضات لإعادة اللحمة مع لبنان أنه “لا نستطيع ان نعطيك ما لم نعط أميركا. لم يعد يوجد أي شيء لنا في لبنان”. نعم، فبعد محاصرة جعجع، سقط آخر حصان طروادة للسعودية في لبنان ولم يعد هناك أحد يعتمد عليه.

رفض وزير الخارجية السعودي لقاء نظيره اللبناني في بلغراد قبل الازمة المفعلة ضد الوزير قرداحي. ورفض السفير السعودي في لبنان لقاء وزير الخارجية ولم يتصل برئيس الوزراء اللبناني مهنئا عند اعلان تشكيل الحكومة اللبنانية منذ عدة اشهر. وأعلنت السعودية عن قطعها العلاقات التجارية مع لبنان في عهد حكومة الرئيس حسان دياب الذي رفضت السعودية استقباله والتخاطب معه. وكذلك كانت السعودية قد قاطعت رئيس الوزراء السابق السيد سعد الحريري لرفضه مجابهة وكسر حزب الله كما تمنت الرياض.

لقد تتالت الضربات الموجعة للنفوذ السعودي في سورية واليمن ولبنان. وفي العراق، استطاع الرئيس رجب طيب اردوغان جمع اقوى حزبين من السنة تحت مظلته ليسحب البساط من تحت جميع الدول الشرق أوسطية التي كانت تحاول بناء نفوذ لهم في بلاد ما بين النهرين.

 وتعتبر الرياض أن طهران هي السبب الرئيسي في خسارة ننفوذها في الشرق الاوسط لان إيران قد نجحت بإيجاد حلفاء أقوياء مخلصين لها حيث فشلت السعودية.  ولذا فان الغضب الساطع العلني السعودي قد حَّل على لبنان بعد أن كان غضباً غير معلن. إذ إن المفاوض السعودي كان قد صرح لنظيره الإيراني في بغداد ان “لبنان لا يهمنا”، وان “الحريري لا يمثلنا” و”أننا أغلقنا الأبواب على لبنان”. وتالياً فبين المعلن وغير المعلن هناك فقط ضجيج إعلامي لا أكثر ولا أقل.

اما الضربات الموجعة القادمة لن تتجسد فقط بسقوط مآرب المحتم بل ما سيحدث ما بعد سقوط مآرب واتجاه انصار الله الى المطالبة وتحرير أراضي محتلة منذ عشرات السنين والتي لن يحميها اتفاق الطائف عام 1934.