أويل برايس: تقليص طموحات “نيوم” بعد انفجار التكاليف يدفع “السعودية” نحو مراكز البيانات بدلاً من مدينة المستقبل

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 109
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

يشير تقرير حديث نشره موقع “أويل برايس” إلى أن مشروع “نيوم”، الذي رُوّج له منذ عام 2017 بوصفه حجر الزاوية في رؤية محمد بن سلمان لتحويل اقتصاد “السعودية”، يواجه اليوم واقعاً مختلفاً تماماً عن الوعود التي أطلقت عند الإعلان عنه. فبعد سنوات من الدعاية الواسعة التي قدمت المشروع باعتباره نموذجاً لمدينة المستقبل، تتجه “السلطات السعودية” إلى تقليص طموحات المشروع بشكل كبير، في ظل الارتفاع الهائل في تكاليفه وتزايد التحديات الهندسية والاقتصادية المرتبطة بتنفيذه. وبحسب ما أورده الموقع، فقد قوبلت خطط بناء “نيوم” منذ البداية بانتقادات حادة من مهندسين معماريين وخبراء طاقة واقتصاد، اعتبروا أن كثيراً من الأفكار المطروحة للمشروع غير قابلة للتطبيق عملياً. ورغم هذه التحذيرات، مضت الحكومة في إطلاق أعمال البناء في عدد من مكونات المشروع العملاق، الذي كان يُفترض أن يضم عدة مناطق رئيسية، من بينها مشروع “ذا لاين”، وهو مدينة خطية تمتد لمسافة 170 كيلومتراً على ساحل البحر الأحمر، إضافة إلى “أوكساغون” كمركز صناعي عائم، ومنتجع “تروجينا” الجبلي للتزلج، وجزيرة “سندالة” السياحية الفاخرة. غير أن السنوات الماضية شهدت تصاعداً مستمراً في التكاليف المتوقعة للمشروع، إلى جانب ظهور عقبات هندسية ومالية كبيرة، ما دفع السلطات في “السعودية” إلى إعادة النظر في حجم المشروع وخططه الأساسية. فبعد أن كان المشروع يُقدَّم باعتباره مدينة مستقبلية عملاقة تعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة وتستوعب ملايين السكان، بدأت التقارير تتحدث عن توجه لتقليص أجزاء واسعة منه والتركيز على مشاريع أكثر قابلية للتنفيذ وربما أكثر ربحية. وكانت الخطط الأصلية لـ”نيوم” طموحة إلى حد غير مسبوق، إذ كان من المفترض أن تمتد المدينة على مساحة جغرافية تقارب مساحة دولة بلجيكا، وأن يصل عدد سكانها إلى نحو تسعة ملايين نسمة بحلول عام 2045. كما كان من المخطط أن تكون المدينة نموذجاً لمدن المستقبل المعتمدة بالكامل على مصادر الطاقة النظيفة، وأن تضم شبكة نقل فائقة السرعة تحت الأرض، إضافة إلى سيارات أجرة طائرة وأنظمة بنية تحتية رقمية متقدمة. كما كان من المفترض أن يتم افتتاح أجزاء من المشروع تزامناً مع دورة الألعاب الشتوية الآسيوية التي كان مخططاً إقامتها في “تروجينا” عام 2029. لكن التقرير يلفت إلى أن الوضع الاقتصادي الراهن في “السعودية” لعب دوراً مهماً في إعادة تقييم المشروع. فالتقلبات المستمرة في أسعار النفط، التي ما زالت تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة، وضعت ضغوطاً إضافية على قدرة الحكومة على تمويل المشاريع العملاقة. وكان يُفترض أن يتحول مشروع “نيوم” إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والابتكار يجذب استثمارات أجنبية ضخمة، إلا أن التكاليف المتصاعدة جعلت تحقيق هذه الرؤية أكثر صعوبة. وفي هذا السياق، يذكر “أويل برايس” أن التقديرات الأولية لتكلفة المشروع كانت تقارب 500 مليار دولار، وهو رقم اعتبره كثير من خبراء الصناعة غير واقعي منذ البداية. ومع مرور الوقت، ارتفعت التقديرات بشكل هائل، حيث تشير بعض التقييمات إلى أن التكلفة الإجمالية قد تصل إلى نحو تسعة تريليونات دولار، وهو رقم يعكس حجم الفجوة بين الطموحات الأصلية والقدرات المالية الفعلية. ومن أبرز المشاريع التي تأثرت بهذه المراجعات مشروع “ذا لاين”، الذي كان يُفترض أن يتألف من مبنيين عملاقين بارتفاع يصل إلى نحو 500 متر يمتدان على طول 170 كيلومتراً. وكان المخطط أن تكون هذه المدينة خالية تماماً من السيارات وتعتمد على شبكة نقل فائقة السرعة تحت الأرض، إضافة إلى الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة. غير أن التقارير الأخيرة تشير إلى أن الخطط الخاصة بهذا المشروع جرى تقليصها بشكل كبير، مع احتمال تقليص الجزء التشغيلي الأول من شبكة النقل إلى بضعة كيلومترات فقط بدلاً من أكثر من مئة كيلومتر كما كان مخططاً. ويشير الموقع إلى أن الحكومة في “السعودية” بدأت تبحث عن بدائل أكثر واقعية للمشروع، من بينها التركيز على إنشاء مراكز بيانات ضخمة داخل منطقة “نيوم”. ويأتي هذا التوجه في إطار سعي السلطات إلى تعزيز دور البلاد في قطاع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، في محاولة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. وفي هذا السياق، أعلن المسؤولون عن عدة شراكات تهدف إلى تطوير البنية التحتية الرقمية في المنطقة. ومن بين هذه المشاريع صفقة وقعتها شركة “نيوم” عام 2025 مع شركة “داتا فولت” بقيمة خمسة مليارات دولار لإنشاء مركز بيانات ضخم في منطقة “أوكساغون” الصناعية، على أن يبدأ تشغيله المتوقع بحلول عام 2028، بحسب ما ذكره الموقع. ويرى التقرير أن الموقع الجغرافي لمنطقة “نيوم” قد يمنحها بعض المزايا في مجال مراكز البيانات، إذ يمكن استخدام مياه البحر الأحمر لتبريد الخوادم، وهو عامل مهم في تشغيل هذه المرافق الضخمة التي تتطلب أنظمة تبريد متطورة. كما تتمتع المنطقة بإمكانات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما قد يسمح للشركات بتشغيل مراكز البيانات باستخدام مصادر طاقة متجددة. إضافة إلى ذلك، يلفت الموقع إلى أن موقع “نيوم” بين أوروبا وآسيا وأفريقيا قد يجعلها نقطة استراتيجية لربط البيانات والخدمات الرقمية بين هذه المناطق، وهو ما قد يساعد في جذب بعض الاستثمارات التقنية الخاصة. ومع ذلك، فإن هذا التوجه الجديد يعكس في الوقت ذاته تراجعاً واضحاً عن التصورات الأولى للمشروع، التي رُوّج لها كمدينة مستقبلية ضخمة ستغير شكل العمران والاقتصاد في المنطقة. وفي المحصلة، يشير التقرير إلى أن ما يجري اليوم في مشروع “نيوم” يعكس تحولاً كبيراً في طموحات المشروع، بعد أن اصطدمت الخطط الضخمة بواقع التكاليف الباهظة والتحديات التقنية والاقتصادية. وبدلاً من المدينة العملاقة التي كان يُفترض أن تعيد رسم خريطة المدن الحديثة، يبدو أن “السعودية” تتجه نحو تطوير نسخة أصغر من المشروع على مراحل، مع التركيز على مشاريع صناعية وتقنية محددة، في محاولة لتقليل المخاطر المالية المرتبطة بالمشروع الذي طالما قُدِّم كأحد أكثر المشاريع طموحاً في العالم.