تصاعد القمع المنهجي في البحرين: تقرير حقوقي يوثق استهداف حرية التعبير والتجمع عبر أربع موجات متتالية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 66
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

قبيل انعقاد الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في فبراير 2026، صدر تقرير موسّع عن منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” يوثّق ما وصفته المنظمة بالموجات الأربع الأخيرة من قمع حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي في البلاد. ويكشف التقرير عن نمط متصاعد ومنهجي من الانتهاكات لم يعد يقتصر على المعارضين السياسيين التقليديين، بل امتد ليشمل مواطنين يمارسون حقوقًا أساسية ذات طابع اجتماعي أو إنساني أو معيشي. وترى المنظمة أن السلطات البحرينية كثّفت خلال الأشهر الأخيرة استخدام أدوات قانونية وأمنية لتجريم التعبير السلمي، معتمدةً على تهم فضفاضة مثل “نشر أخبار كاذبة”، “التحريض على كراهية النظام”، “التجمهر غير القانوني”، و”إثارة الرأي العام”. هذه التهم، كما يوضح التقرير، تُستخدم بصورة متكررة لتبرير الاعتقالات والاستدعاءات والتحقيقات، وغالبًا ما يُجبر المستدعون على توقيع تعهدات بعدم المشاركة في أنشطة احتجاجية مستقبلًا. ولا يتوقف الأمر عند حدود الملاحقة القضائية، إذ رصد التقرير لجوء السلطات إلى إغلاق الطرق المؤدية إلى أماكن التجمعات بشكل استباقي، ومنع المواطنين من الوصول إلى مواقع الاعتصام أو حتى منازل شخصيات معارضة. وتعتبر منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” أن هذا الأسلوب يعكس تحولًا نحو منع الاحتجاج قبل وقوعه، في مسعى لإفراغ الحق في التجمع من مضمونه العملي. التقرير يشير أيضًا إلى أن عام 2025 شهد أكثر من 700 تظاهرة في البلاد على خلفيات متعددة، من بينها قضايا سياسية وحقوقية واقتصادية، ما قابله ارتفاع ملحوظ في وتيرة الاستدعاءات والاعتقالات. وتلفت المنظمة إلى أن السلطات لم تعد تميّز بين النشاط السياسي الصريح والتحركات المطلبية أو الإنسانية، بل باتت تتعامل مع جميعها باعتبارها تهديدًا للأمن والنظام العام. أربع موجات قمع: من التضامن مع فلسطين إلى المطالب المعيشية يفصّل التقرير أربع موجات رئيسية شكّلت، وفق توصيفه، أبرز ملامح المرحلة الأخيرة من القمع: الموجة الأولى ارتبطت بالتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني ورفض التطبيع مع “إسرائيل”، خاصة في ظل الحرب على غزة. وقد وثّقت المنظمة حالات اعتقال واستدعاء لناشطين عبّروا عن مواقفهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو شاركوا في فعاليات تضامنية سلمية. وتبرز قضية الناشط السياسي إبراهيم شريف كأحد الأمثلة البارزة، إذ اعتُقل بعد تصريحات علنية دعا فيها إلى الضغط الشعبي لوقف التطبيع، قبل أن يُحاكم ويُحكم عليه بالسجن ستة أشهر وغرامة مالية. وترى المنظمة أن هذه القضية تعكس اتساع نطاق تجريم الخطاب السياسي السلمي وربطه بتهم تمس الأمن أو العلاقات الخارجية. كما رصد التقرير استمرار منع إقامة صلاة الجمعة في جامع الإمام الصادق في الدراز، على خلفية خطب تضامنية مع غزة ولبنان. ويجري، بحسب المعطيات، إغلاق الطرق المؤدية إلى المسجد أسبوعيًا، في إجراء تعتبره المنظمة تضييقًا مزدوجًا على حرية التعبير والحرية الدينية. الموجة الثانية تمحورت حول التضامن مع القيادي المعارض حسن مشيمع، الذي يعاني من تدهور صحي داخل السجن. ومع بدء توافد مواطنين إلى منزل عائلته للدعاء له في أمسيات سلمية خالية من الشعارات السياسية، بادرت الأجهزة الأمنية إلى تطويق المنزل وإغلاق الطرق المؤدية إليه، واستدعاء أفراد من عائلته للتحقيق وتهديدهم بفض التجمعات بالقوة. كما تم اعتقال عدد من المشاركين، بينهم قاصرون، وإجبار بعضهم على توقيع تعهدات بعدم المشاركة مستقبلًا. وتعتبر منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” أن منع تجمعات ذات طابع إنساني وديني، حتى داخل منزل خاص، يعكس مستوى متقدمًا من التضييق، حيث لم يعد يُسمح حتى بالتعبير الرمزي عن التضامن مع سجين مريض. أما الموجة الثالثة، فتتعلق بحراك العاطلين عن العمل. فقد لجأ عدد من الشباب إلى الاعتصام أمام وزارة العمل للمطالبة بوظائف تحفظ كرامتهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. ويورد التقرير أن السلطات ردّت بنشر دوريات أمنية، واستدعاء ناشطين وإعلاميين تضامنوا مع المعتصمين، واعتقال أكثر من عشرين مواطنًا في إحدى الفعاليات، مع توجيه تهم التجمهر غير القانوني لهم. كما قامت السلطات بوضع حواجز أمام الوزارة لمنع التجمع، وعندما حاول المعتصمون الانتقال إلى أماكن أخرى، بما في ذلك الشاطئ، تمت ملاحقتهم وفض اعتصامهم بالقوة. وترى المنظمة أن تبرير هذه الإجراءات بوجود منصات إلكترونية للتوظيف لا يبرر قمع حق المواطنين في الاحتجاج السلمي على أوضاعهم المعيشية. وفي السياق ذاته، يبرز ملف الناشط الستيني محمد عبدالله السنكيس، الذي اعتصم منفردًا مطالبًا بإعادته إلى عمله بعد فصله عام 2011. ورغم الطابع الفردي والسلمي لتحركه، تعرض مرارًا للاستدعاء والاعتقال القصير والتهديد، ما يعكس، بحسب التقرير، عدم تسامح السلطات حتى مع أشكال الاحتجاج الفردي. الموجة الرابعة ارتبطت بحادثة مقتل الصياد عبدالله حسن يوسف بعد اصطدام قاربه بدورية لخفر السواحل. وقد أثارت الحادثة موجة غضب شعبي ومطالبات بتحقيق مستقل. إلا أن السلطات، وفق ما وثقته المنظمة، لجأت إلى استدعاء واعتقال عشرات المواطنين الذين شككوا في الرواية الرسمية أو شاركوا في التشييع، حيث تجاوز عدد المستدعين 115 شخصًا، وتم توقيف أكثر من 40. وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى أن الفحص الفني أثبت لاحقًا مسؤولية الدورية عن الحادثة، لكن القضية أُغلقت دون إعلان رسمي واضح أو محاسبة علنية للمسؤولين، ما يعزز مخاوف استمرار سياسة الإفلات من العقاب. حملات تشويه موازية ودعوات عاجلة للمساءلة إلى جانب الإجراءات الأمنية والقضائية، يبرز في التقرير توثيق لأسلوب موازٍ يتمثل في الحملات الإعلامية والإلكترونية ضد النشطاء والمحتجين. فقد لاحظت منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” نشاطًا مكثفًا لحسابات موالية للسلطة تستهدف شخصيات بارزة أو مجموعات مطلبية، متهمة إياهم بالخيانة أو العمالة لقوى خارجية أو السعي لزعزعة الاستقرار. وتعرض إبراهيم شريف، بعد توقيفه، لحملة إلكترونية اتهمته بدعم “الفتنة” والإساءة لدول عربية. كما واجه العاطلون عن العمل حملات مشابهة صوّرت احتجاجاتهم كجزء من أجندات سياسية خارجية، مع استخدام خطاب تخويني وطائفي في بعض الأحيان. وترى المنظمة أن هذه الحملات تهدف إلى تبرير القمع رسميًا، وخلق بيئة اجتماعية معادية للمحتجين، ودفع المواطنين إلى ممارسة رقابة ذاتية على آرائهم. في ختام تقريرها، شددت منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” على ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين على خلفية ممارستهم لحقوقهم في التعبير والتجمع السلمي، وإسقاط التهم المرتبطة بهذه الممارسات. كما دعت إلى وقف استخدام التهم الفضفاضة لتجريم النشاط السلمي، وإنهاء سياسة الإغلاق المسبق للأماكن العامة المتوقع أن تشهد تجمعات. وطالبت المنظمة بإنشاء آلية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات المرتبطة بقمع حرية الرأي والتجمع، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، وتعويض الضحايا. كما دعت إلى تمكين الهيئات الأممية من مراقبة أوضاع الحريات في البلاد بحرية.