تحليل: الضغوط الإقتصادية في “السعودية” تعيد تشكيل الأولويات الداخلية والخارجية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 178
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

سبق أن أقرّ وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح بوجود حاجة لإعادة تقييم بعض أولويات مشاريع “رؤية 2030″، مشيرًا إلى ضغوط مالية متزايدة ناجمة عن ارتفاع مستويات الإنفاق الحكومي، واستمرار أسعار النفط عند مستويات غير كافية لتمويل المشاريع الضخمة، إضافة إلى تدفقات أقل من المتوقع للاستثمار الأجنبي المباشر. وبحسب تحليل صادر عن “المركز العربي واشنطن دي سي” فإن هذه العوامل مجتمعة دفعت “السعودية” إلى مراجعة بعض عناصر استراتيجيتها للتنويع الاقتصادي، وإعادة ضبط وتيرة تنفيذ مشاريعها الكبرى. ووفقًا للمركز، فإن هذه المراجعة لا تقتصر على البُعد الاقتصادي، بل تُمثّل عاملًا مؤثرًا في توجهات السياسة الخارجية “للسعودية”. إذ إن نجاح جهود التنويع الاقتصادي بعيدًا عن النفط يُعد أولوية مركزية للقيادة السعودية، الأمر الذي يجعل السياسة الخارجية مرتبطة بشكل متزايد بمتطلبات الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتقديم صورة عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ على المدى الطويل. وتسعى “السعودية”، بحسب التحليل، إلى تشكيل بيئة إقليمية تشجع تدفقات رؤوس الأموال وتدعم طموحها في التحول إلى مركز مالي واستثماري في الشرق الأوسط، غير أن الاضطرابات الإقليمية المستمرة تفرض قيودًا على هذه الأهداف. وأشار تحليل “المركز العربي واشنطن دي سي” إلى أن “السعودية” تواجه توازنًا معقدًا بين السعي إلى الاستقرار الإقليمي والانخراط في منافسة استراتيجية مع الإمارات، سواء على مستوى النفوذ الإقليمي أو المكانة الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تستفيد “السعودية” من تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، لكنها لا تسعى إلى تصعيد عسكري واسع قد يعرض أراضيها لمخاطر أمنية أو يهدد استقرارها الاقتصادي. كما ترى فرصًا محتملة في مسار التطبيع مع كيان الاحتلال، إلا أن هذا المسار لا يزال مقيدًا باعتبارات داخلية وإقليمية، خاصة في ظل تداعيات الحرب في غزة. وأكد المركز أن التعديلات في السياسة الخارجية “للسعودية” تظل تكتيكية أكثر منها تحولًا استراتيجيًا شاملًا. فعلى الرغم من التباينات مع الإمارات، لا توجد مؤشرات على تغيير جذري في موقف “السعودية” من الحركات الإسلامية، إذ لا تزال تحتفظ بموقف سلبي من جماعة الإخوان المسلمين، ورحبت بتصنيف الولايات المتحدة لبعض فروعها كمنظمات إرهابية. وفي الوقت ذاته، أشار التحليل إلى أن “السعودية” قد تبدي مرونة تكتيكية في بعض الساحات مثل اليمن، حيث تفرض الظروف الميدانية مقاربات أكثر براغماتية. وفي سياق العلاقات مع كيان الاحتلال، نقل تحليل المركز أن وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، خلال زيارة إلى واشنطن في فبراير، أوضح في لقاءات مع أعضاء في الكونغرس وممثلين عن منظمات يهودية أن بعض الحملات الإعلامية السعودية ضد الإمارات لا تعكس تحولًا استراتيجيًا في موقف “السعودية”. كما أشار إلى استمرار التعاون الأمني والاستخباراتي، مع وجود نقاط خلاف في بعض الملفات. وبحسب التحليل، فإن التطبيع لا يزال خيارًا استراتيجيًا مطروحًا، لكن تنفيذه يتطلب ظروفًا سياسية وإقليمية مناسبة، وقد يستغرق بين عامين وخمسة أعوام وفق تقديرات نقلها المركز. كما تناول التحليل العلاقة بين “السعودية” وإيران، موضحًا أن السياسة السعودية تقوم على مزيج من احتواء النفوذ الإيراني وتجنب التصعيد العسكري المباشر. وذكر أن “السعودية” تسعى إلى الاستفادة من تراجع النفوذ الإيراني في بعض المناطق، مثل سوريا، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في اندلاع حرب إقليمية قد تعرض بنيتها التحتية ومشاريعها الاقتصادية لمخاطر كبيرة. ولهذا السبب، حافظت “السعودية” على اتفاق التقارب مع إيران الذي تم بوساطة صينية عام 2023، وامتنعت عن اتخاذ مواقف تصعيدية حتى خلال فترات التوتر داخل إيران. وسلط المركز العربي الضوء أيضًا على التنافس مع الإمارات، مشيرًا إلى أنه يشمل مجالات متعددة مثل الاستثمارات، والإنتاج النفطي، والمكانة الاقتصادية، إضافة إلى النفوذ في مناطق مثل اليمن والسودان والصومال. ووفقًا للتحليل، فإن مواجهة النفوذ الإماراتي في هذه الساحات تتطلب موارد مالية كبيرة، في وقت تواجه فيه “السعودية” التزامات داخلية واسعة مرتبطة بمشاريع “رؤية 2030”. كما أشار إلى أن “السعودية” قد تضطر إلى تخصيص موارد إضافية لدعم حلفائها في بعض الدول، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على ميزانيتها. وفي الملف اليمني، أشار التحليل إلى أن “السعودية” تسعى إلى الحفاظ على التهدئة القائمة، نظرًا لأن أي تصعيد جديد قد يفرض أعباء مالية وأمنية إضافية. كما أن تحقيق تسوية سياسية شاملة يمثل هدفًا مهمًا لتأمين الحدود الجنوبية وضمان استقرار الممرات البحرية في البحر الأحمر. وخلص تحليل “المركز العربي واشنطن دي سي” إلى أن السياسة الإقليمية “للسعودية” تتسم بقدر كبير من البراغماتية، حيث تحاول تحقيق توازن بين التزاماتها الاقتصادية الداخلية وطموحاتها الإقليمية. وتواجه “السعودية”، وفق التحليل، قيودًا مالية تجعلها حذرة في الانخراط في صراعات مكلفة، في الوقت الذي تسعى فيه إلى الحفاظ على مكانتها الإقليمية وجذب الاستثمارات الأجنبية. وأشار المركز إلى أن قدرة “السعودية” على تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية ستعتمد على نجاحها في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتجنب التصعيد الإقليمي، والاستمرار في تنفيذ برامجها الاقتصادية. وفي ظل هذه الظروف، تسعى “السعودية” إلى إدارة علاقاتها الإقليمية بطريقة تقلل المخاطر وتحافظ على خياراتها مفتوحة، في انتظار تطورات قد تعيد تشكيل البيئة الإقليمية وتحدد مسارها في السنوات المقبلة.