إنعكاسات تراجع مشاريع 2030 على مئات الموظفين الخارجيين
يشير تقرير نشره موقع “أركبتيكتس جورنال” إلى أن تباطؤ وإلغاء عدد من المشاريع الضخمة في “السعودية” لم يعد مجرد مسألة داخلية مرتبطة بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بل تحوّل إلى أزمة عابرة للحدود تُلقي بظلالها على شركات عالمية كبرى وعلى مئات الموظفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام مستقبل مهني غير مستقر. ويكشف التقرير أن هذه التطورات تعكس تحولات عميقة في النهج الاقتصادي المرتبط بالمشاريع العملاقة التي طالما جرى الترويج لها باعتبارها حجر الزاوية في رؤية التحول الاقتصادي التي تسعى “السعودية” إلى تحقيقها. أحد أبرز الأمثلة التي أوردها الموقع الإلكتروني البريطاني يتمثل في مكتب الهندسة المعمارية العالمي Bjarke Ingels Group (BIG)، الذي تلقى إخطارًا في نوفمبر بإلغاء مشروع منتجع ضخم في منطقة البحر الأحمر. هذا المشروع، الذي كان يشغّل نحو نصف فريق المكتب في لندن، شكّل فجأة نقطة تحول حادة، إذ اضطرت الشركة إلى إطلاق خطة لتسريح 72 موظفًا من أصل 203 يعملون لديها في العاصمة البريطانية. هذا القرار فجّر احتجاجًا غير مسبوق أمام مقر الشركة في منطقة “برودغيت”، في مشهد يعكس حجم الصدمة التي أحدثها توقف المشروع، ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل أيضًا على المستوى الإنساني والمهني للموظفين. ويشير التقرير إلى أن هذا الإلغاء لم يكن حدثًا معزولًا بل جاء ضمن موجة أوسع من مراجعات الإنفاق التي أجرتها “السعودية” على عدد من المشاريع العملاقة التي جرى الترويج لها عالميًا باعتبارها نماذج مبتكرة لمستقبل المدن والبنية التحتية. ومن بين أبرز هذه المشاريع، مشروع مدينة “ذا لاين”، التي تولى تصميمها مكتب Gensler، حيث جرى تقليص نطاق المشروع بشكل ملحوظ مقارنة بالخطط الأولية التي أُعلن عنها. كما شملت المراجعات مشروع منتجع “تروجينا” الجبلي، الذي شاركت في تصميمه شركتا Aedas وZaha Hadid Architects، في خطوة تعكس إعادة ضبط الطموحات المرتبطة بهذه المشاريع. ولم يتوقف الأمر عند هذه المشاريع، بل امتد ليشمل أيضًا مشروع “المكعب” في الرياض، وهو أحد أكثر المشاريع إثارة للجدل من حيث الحجم والتكلفة والطموح الرمزي. ووفقًا لما أورده “أركبتيكتس جورنال”، فقد جرى تعليق العمل في المشروع، الذي شاركت فيه شركات كبرى مثل AtkinsRéalis وAECOM، بانتظار مراجعة قد تؤدي إلى إعادة صياغته بشكل أكثر تواضعًا. ويشير هذا التطور إلى أن المشاريع التي كانت تُقدَّم باعتبارها رموزًا لعصر اقتصادي جديد أصبحت الآن خاضعة لمراجعات جدية تعكس تغيرًا في الحسابات المالية والسياسية. الانعكاسات لم تقتصر على المشاريع نفسها، بل ظهرت بوضوح في الحسابات المالية للشركات المرتبطة بها. فقد أفاد التقرير بأن شركة AECOM سجلت انخفاضًا كبيرًا في دخلها من الشرق الأوسط، في مؤشر مباشر على تراجع حجم العمل المرتبط بالمشاريع في “السعودية”. كما شهدت شركة Gensler انخفاضًا في الإيرادات المرتبطة بمشروع نيوم، رغم إعلانها عن حصولها على عقد جديد في المنطقة، وهو ما يعكس حالة من عدم الاستقرار والتقلب في تدفق المشاريع. هذه التطورات كشفت أيضًا عن تداعيات اجتماعية ومهنية واسعة، حيث أشار “أركبتيكتس جورنال” إلى أن الاحتجاجات التي نظمها موظفو BIG حظيت بدعم اتحاد Unite the Union، الذي اتهم إدارة الشركة بعدم الشفافية في تعاملها مع الأزمة. وفي المقابل، نفت الشركة هذه الاتهامات، مؤكدة أنها تتبع الإجراءات القانونية اللازمة للتشاور مع الموظفين. لكن هذا الجدل يعكس حالة من القلق المتزايد بين العاملين في قطاع الهندسة المعمارية، خاصة أولئك الذين ترتبط إقامتهم القانونية بوظائفهم، ما يجعل فقدان العمل تهديدًا مضاعفًا لمستقبلهم المهني والشخصي. ويرى مراقبون، وفقًا للتقرير، أن فقدان مشروع ضخم يمكن أن يخلق فجوة مفاجئة في حجم العمل، ما يجبر الشركات على إعادة موازنة عملياتها بسرعة، حتى لو كان ذلك على حساب الموظفين. هذا الواقع دفع بعض العاملين إلى التحذير مما وصفوه بـ”ثقافة التوظيف والفصل” التي أصبحت سمة متزايدة في المهنة، مطالبين المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين (RIBA) بوضع معايير أوضح لحماية العاملين من التقلبات الحادة المرتبطة بالمشاريع العملاقة. ويبرز تقرير “أركبتيكتس جورنال” أن ما يحدث لا يمثل مجرد إعادة تنظيم داخلية لمشاريع في “السعودية”، بل يعكس نموذجًا اقتصاديًا يعتمد بشكل كبير على إطلاق مشاريع ضخمة ذات طابع استعراضي، دون ضمانات كافية لاستمراريتها أو استدامتها. وعندما تتغير الأولويات أو تتعرض هذه المشاريع لمراجعات مالية، فإن التداعيات لا تبقى محصورة داخل “السعودية”، بل تمتد إلى مراكز اقتصادية عالمية مثل لندن، حيث تعتمد شركات بأكملها على هذه المشاريع كمصدر رئيسي للعمل. ويشير “أركبتيكتس جورنال” إلى أن حادثة BIG أصبحت مثالًا واضحًا على كيفية انتقال آثار إعادة ضبط المشاريع في “السعودية” إلى خارج حدودها، لتطرح تساؤلات أوسع حول جدوى واستدامة المشاريع العملاقة التي جرى الترويج لها باعتبارها ركيزة للتحول الاقتصادي. هذه التطورات لا تعكس فقط أزمة في التخطيط أو التنفيذ، بل تثير أيضًا شكوكًا متزايدة حول مدى واقعية الوعود المرتبطة بهذه المشاريع، وحول الثمن الحقيقي الذي يدفعه العاملون والشركات عندما تتحول الطموحات الضخمة إلى خطط قابلة للتقليص أو الإلغاء.

