تراجع أسعار النفط وضغوط “نيوم” يهددان التعهدات المالية السعودية للولايات المتحدة.

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 279
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

يثير المسار الاقتصادي المتعثر الذي تمر به “السعودية” تساؤلات متزايدة في الأوساط السياسية والبحثية الغربية حول مدى قدرتها الفعلية على الوفاء بالتعهدات المالية الضخمة التي قطعتها تجاه الولايات المتحدة، ولا سيما بعد الوعود التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان خلال زيارته إلى البيت الأبيض في نوفمبر الماضي. فبحسب ما أورده موقع “Jewish Insider”، تعهّد بن سلمان آنذاك برفع حجم الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى ما يقارب تريليون دولار، تشمل قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة والدفاع والبنية التحتية، في خطوة بدت أقرب إلى عرض سياسي كبير منها إلى خطة مالية قابلة للتنفيذ في ظل الظروف الراهنة. ويشير الموقع إلى أن هذه التعهدات تأتي في وقت تواجه فيه “السعودية” ضغوطاً اقتصادية متصاعدة، مدفوعة بانخفاض أسعار النفط واستنزاف الموارد في تمويل مشاريع داخلية ضخمة مرتبطة ببرنامج “رؤية 2030”. هذا البرنامج الذي أُطلق قبل نحو عقد بوصفه مشروعاً لتحويل الاقتصاد والمجتمع، بدأ يشهد تقليصاً وتعديلاً في حجمه نتيجة الكلفة الباهظة وصعوبة التمويل. ووفق “Jewish Insider”، فإن متطلبات الإنفاق المحلي باتت تتنافس مباشرة مع أي نية حقيقية لضخ استثمارات خارجية بهذا الحجم في الولايات المتحدة. التقرير يلفت إلى أن تراجع العائدات النفطية يضع المالية العامة في “السعودية” أمام اختبار صعب، حيث يتزامن ذلك مع التزامات هائلة لتمويل مشاريع عملاقة مثل نيوم ومبادرات البنية التحتية والترفيه والسياحة. وقد ظهرت في الأشهر الأخيرة مؤشرات واضحة على تقليص بعض هذه المشاريع أو إعادة تصميمها، ما يعكس حجم الضغط على الميزانية. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن استثمار يقارب تريليون دولار في الخارج موضع شك واسع في الأوساط الأمريكية. جوناثان روه، الزميل في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، قال لموقع “جويش إنسايدر” التعهد السعودي “محل شك”، واصفاً الوعد بأنه “أداء بقدر ما هو جوهر”. وأوضح أن جزءاً كبيراً من الأموال التي كان يفترض توجيهها للاستثمارات الأمريكية يُعاد ضخّه في الداخل السعودي لدعم مشاريع “رؤية 2030”، خاصة بعد تقليص مشروع نيوم وغيره من المشاريع العملاقة. وأضاف أن استمرار انخفاض أسعار النفط يفاقم العجز في الميزانية، ومع هذه الظروف يصبح اللجوء إلى الاقتراض لتمويل استثمارات خارجية ضخمة أمراً أقل احتمالاً. ويربط التقرير هذا السلوك بما يسميه روه “دبلوماسية دفتر الشيكات”، أي استخدام الوعود المالية الضخمة للحصول على مكاسب سياسية وإعلامية خلال القمم والزيارات الرسمية، وإرضاء رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الظهور بمظهر صانع الصفقات الكبرى. ووفق الموقع عينه فإن هذا الأسلوب لا يقتصر على “السعودية”، بل استخدمته دول أخرى في المنطقة مثل قطر وتركيا، حيث تم الإعلان عن اتفاقيات هائلة يصعب التحقق لاحقاً من تنفيذها الكامل. ويضرب الموقع مثالاً على ذلك بما جرى في مايو/أيار 2025 حين وقّع ترامب اتفاقية تبادل اقتصادي مع قطر بقيمة لا تقل عن 1.2 تريليون دولار، وكذلك صفقة الخطوط الجوية التركية لشراء 225 طائرة بوينغ بعد لقاء أردوغان بترامب في البيت الأبيض. ورغم ضخامة الأرقام، يبقى التنفيذ الفعلي لهذه الصفقات دائماً موضع شك، كما يؤكد روه في حديثه للموقع. ويذكّر بأن “السعودية” أعلنت خلال الولاية الأولى لترامب عن صفقات واستثمارات في الولايات المتحدة تقارب نصف تريليون دولار، إلا أن ما تحقق منها على أرض الواقع كان جزءاً محدوداً فقط. واليوم، ومع وضع اقتصادي أقل ملاءمة مما كان عليه في تلك الفترة، تبدو قدرة الرياض على الوفاء بتعهد يقارب تريليون دولار أكثر هشاشة. ورغم هذه الشكوك، يشير التقرير إلى أن فشل الاستثمار السعودي المحتمل لن يغيّر كثيراً في جوهر العلاقة السياسية بين واشنطن والرياض، ولن يكون له تأثير حاسم على الاقتصاد الأمريكي. إلا أن روه يرى أن أي استثمار حقيقي في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وسلاسل إمداد المعادن الحيوية سيكون مكسباً للولايات المتحدة، لكنه شدد في المقابل على أهمية ألا تُختزل العلاقة في المال فقط، بل في تطوير الشراكة الاستراتيجية، خصوصاً في ملفات الدفاع الإقليمي ضد إيران ومنع “السعودية” من الانجراف أكثر نحو بكين وموسكو. في المحصلة، كما يعرضها موقع “Jewish Insider”، تبدو تعهدات “السعودية” الاستثمارية الضخمة أقرب إلى أداة سياسية ضمن إدارة العلاقة مع واشنطن، أكثر من كونها خطة مالية واقعية تستند إلى قدرة اقتصادية مستقرة. وبين ضغط الداخل وكلفة المشاريع العملاقة وتراجع أسعار النفط، تظل وعود التريليون دولار محاطة بعلامات استفهام كبيرة، تعكس الفجوة بين الخطاب الطموح والواقع المالي الذي تعيشه السلطة في “السعودية”.