مركز تقني عالمي.. هكذا وازنت السعودية استقلالها الاستراتيجي لتحقيق رؤية 2030

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 556
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

سلط ديفيانشو جيندال، الباحث المشارك بمركز "ناتسترات" في الهند، الضوء على جهود المملكة العربية السعودية للتموضع كمركز للتقنيات العالمية المنافسة، مع التركيز على التحول الرقمي والأمن السيبراني.

وذكر جيندال، في تقرير نشره بموقع "ناشونال إنترست" وترجمه "الخليج الجديد"، أن الدولة السعودية وضعت خطة رؤية 2030 لتنويع اقتصادها من خلال زيادة التركيز على الابتكار، ووضعت أطرًا للسياسات والاستراتيجيات لدعم هذا الهدف.

وفي هذا الإطار، تستضيف السعودية العديد من المنتديات والمنصات الرئيسية في مجال التكنولوجيا، بما في ذلك المنتدى العالمي للأمن السيبراني ومؤتمر "ليب" التقني. كما أقامت المملكة شراكات مع كبرى الشركات العالمية مثل شركة هواوي الصينية، وكذلك مع الولايات المتحدة والهند.

وبينما تواجه الرياض تحديات مثل الهجمات الإلكترونية على القطاعات الصناعية الحيوية، فإنها تعمل على تعزيز تماسكها الاستراتيجي الداخلي لتصبح مركزًا للاهتمام التكنولوجي العالمي.

وذكر جيندال أن السعودية ركزت على تطوير قطاع الأمن السيبراني من خلال إنشاء هيئة وطنية للأمن السيبراني في عام 2017، وهيئة للبيانات والذكاء الاصطناعي في عام 2019، إضافة إلى إطلاق برنامج "CyberIC" في عام 2022.

وأشار إلى أن الابتكارات التكنولوجية أحدثت تحولات في الديناميكيات الجيوسياسية العالمية خلال العقد الماضي، وهو ما انعكس على المنافسة التكنولوجية بين القوتين الرئيسيتين، الصين والولايات المتحدة، والتي لا تزال جارية حتى الآن.

وبالنظر إلى الحقائق الجيوسياسية الراهنة، فإن الرياض تتبني الاستقلالية الاستراتيجية وفق منظور لعالم متعدد الأقطاب، بحسب جيندال.

من هنا جاء تنظيم المملكة العديد من أكبر المنتديات والمنصات التكنولوجية في العالم، حيث يناقش المنتدى العالمي للأمن السيبراني السنوي الفرص والتحديات العالمية التي يطرحها النظام السيبراني المتطور، ويعمل مؤتمر "ليب" كمنصة عالمية لعرض التقنيات المستقبلية.

وأعطى برنامج نسخة المؤتمر لعام 2023، الذي تم اختتامه مؤخرًا، لمحة عن التقدم في مجال التكنولوجيا بالسعودية والاهتمام الصيني به، حيث عرضت هواوي أحدث حلولها الابتكارية تحت شعار "إطلاق العنان الرقمي"، التي تخدم بعض قطاعات التركيز الرئيسية في الرياض، مثل النفط والغاز والحوكمة.

 كما أعلنت "هواوي كلاود" عن خططها لاستثمار أكثر من 400 مليون دولار في السنوات الخمس المقبلة لتأسيس بنيتها التحتية في السعودية.

وتعتبر السعودية، بالنسبة للشركة الصينية العملاقة، منصة لعرض التطورات التي حققتها في التقنية السحابية والذكاء الاصطناعي، ويتجلى ذلك في كشف النقاب عن ثاني متجر للشركة الصينية بالمملكة في أوائل فبراير/شباط الماضي، بعد أن افتتحت أكبر متجر رئيسي لها خارج الصين بالرياض في فبراير/شباط 2022.

ولتعزيز تلك الشراكة، تم إطلاق الجمعية (SCEA)، وتضم أكثر من 100 شركة سعودية وصينية، وهيئات حكومية، ومؤسسات أكاديمية، ومنظمات غير حكومية.

وبينما تؤكد وسائل الإعلام الصينية على أهمية SCEA باعتبارها محورية لدفع التقدم المستمر في التحول الرقمي لكل من السعودية والصين، في السعودية، يُنظر إليها على أنها خطوة حاسمة نحو الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وبكين من حيث التكنولوجيا والابتكار.

عودة أمريكية؟

وعن تأثير تلك التطورات على السياسات الأمريكية، ذكر جيندال أن الولايات المتحدة حولت اهتمامها إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ في العقد الماضي بسبب انخفاض اعتمادها على منطقة الشرق الأوسط باحتياجات الطاقة.

ومع ذلك، تعمل واشنطن على تجديد شراكاتها الاستراتيجية الإقليمية، في ضوء تنامي النفوذ الصيني، وهو ما يبدو جليا في العديد من التجمعات الحديثة، مثل I2U2 (مجموعة من الهند وإسرائيل والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة)، وتوسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل التعاون السيبراني.

وفي مايو/آذار 2022، التقى وزير الاتصالات وتكنولوجيا الإنترنت السعودي مع نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي للتكنولوجيا الإلكترونية لمراجعة الجهود المبذولة لتعزيز الشراكة وتطوير التعاون الثنائي في مجال الأمن السيبراني والتقنيات الناشئة.

وفي يوليو/تموز، وقعت السعودية والولايات المتحدة "بيان جدة"، الذي يحدد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على مدى العقود المقبلة، بهدف تعزيز المصالح المشتركة وتقديم رؤية مشتركة لمزيد من السلام والأمن والازدهار والاستقرار. الشرق الأوسط.

وأشار الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلى أن السعودية ستستثمر في التقنيات الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة لتطوير شبكات اتصالية آمنة وموثوقة من الجيلين الخامس والسادس في السعودية وكذلك في البلدان النامية.

ويُنظر لذلك على أنه دفعة لجهود الاحتواء التي تبذلها الولايات المتحدة ضد الانتشار المتسارع للتكنولوجيا الصينية في المنطقة.

قطب تقني ثالث؟

غير أن جيندال يشير، في سياق متصل، إلى تكثيف العلاقات الهندية السعودية على الصعيد السياسي والدبلوماسي والتكنولوجي في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى احتمال تشكل قطب تقني ثالث في العالم.

 ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أشار منسق الأمن السيبراني الوطني في الهند، راجيش بانت، إلى أن السعودية والهند ستوقعان قريبًا مذكرة تفاهم (MoU) لتعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني وأن المحادثات الثنائية تتقدم بثبات.

ويشير جيندال إلى أن العديد من الشركات الهندية الكبرى، مثل تاتا ووايبور وتي سي إس، تتمتع بحضور قوي في السعودية، مع وجود العديد من الشركات الأخرى في الوقت الحالي للحصول على جزء من عروض الاستثمار في الرياض.

كان هذا واضحًا أيضًا في "ليب 2023"، الذي شهد مشاركة أكثر من 45 شركة هندية ووفدًا من اتحاد الصناعة الهندية، وهو اتحاد تجاري غير حكومي ومجموعة مناصرة تمثل مصالح الصناعة الهندية.

وعلى هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، في وقت سابق من العام الجاري، التقى وزير الاتصالات السعودي بنظيره الهندي لمناقشة تعزيز الشراكة الاستراتيجية الهندية السعودية في التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال الرقمية.

وفي مؤتمر "ليب"، أكدت "ماهيندرا تيك"، وهي إحدى أكبر شركات البرمجيات في الهند، على النتائج المنبثقة عن اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي، بتوقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السعودية لإنشاء "مركز التميز السحابي للبيانات والذكاء الاصطناعي" في الرياض.

كما أعلنت "زوهو"، وهي شركة برمجيات هندية متعددة الجنسيات، عن خطط لزيادة الاستثمار في السعودية.

اتجاهات 2023

وهنا يشير جيندال إلى أن السعودية واجهت في السنوات الأخيرة عددًا كبيرًا من الهجمات الإلكترونية على قطاعاتها الصناعية الحيوية، وشهدت 54% من المؤسسات السعودية حوادث أمنية مؤثرة على الأعمال التجارية، بينما واجهت أكثر من 56% من المؤسسات في البلاد هجمات برمجيات الفدية في عام 2021.

ولما كان أكثر من 50% من القوى العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات السعودي من غير السعوديين، ركزت الرياض على تشجيع الجامعات على الاستثمار بكثافة في المناهج لتنمية المهارات السيبرانية المطلوبة بين الطلاب.

وفي العقد الماضي، قامت كبرى الشركات العالمية بتوظيف وتدريب السعوديين، كما تشجع السياسات الحكومية الآن الشركات على توظيف المواهب المحلية بقوة.

وبالإضافة لذلك، وقعت الحكومة السعودية اتفاقية مع المنتدى الاقتصادي العالمي لاستكشاف التعاون في مجال الأمن السيبراني واتفاق مع الأمم المتحدة لتمكين الأطفال في الفضاء الإلكتروني.

ويرى جيندال أن السعودية تتحول، وبفضل التماسك الاستراتيجي الداخلي، إلى مركز للتقنيات العالمية المنافسة، مشيرا إلى أن وزير المالية السعودي شدد، في المنتدى الاقتصادي العالمي، على أن بلاده يمكن أن تكون قناة اتصال بين الصين والولايات المتحدة خلال التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

وبينما كانت الولايات المتحدة شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، وقعت الصين والسعودية اتفاقية شراكة استراتيجية في ديسمبر/كانون الأول 2022، وصفتها وزارة الخارجية الصينية بأنها "علامة فارقة في تاريخ العلاقات الصينية العربية".

وفي حين أن هواوي لديها تغلغل واسع في المنطقة، ما يشكل صعوبات للوافدين الجدد، فإن الشراكة الجديدة مع الولايات المتحدة، والقائمة على أطر التكنولوجيا المفتوحة، يمكن أن تساعد في تعويض تقدم الصين.

ويخلص جيندال في نهاية تحليله إلى أن إمكانية ظهور إطار شراكة استراتيجية ثلاثية بين الهند والولايات المتحدة والسعودية مستقبلا، مشيرا إلى أن "جميع الطرق التقنية باتت تتجه إلى الرياض".

 

المصدر | نانشونال إنترست - ترجمة وتحرير: الخليج الجديد