الكلفة الإنسانية لمشاريع التطوير في “السعودية”
في ظل مشاريع إعادة تطوير المدن في “السعودية”، أصبحت عمليات التهجير القسري والهدم الجماعي مشهد يومي متكرر. تعتبره السلطات جزء من مسيرة “التحديث” ضمن رؤية 2030، لكنها أدت إلى تهجير مئات الآلاف من السكان من أحياء شعبية وُصفت بأنها “غير متطورة”. خلف هذا الخطاب عن التقدم، تكمن سياسة إقصاء قسرية تُنفَّذ دون إجراءات قانونية عادلة، تقوم على التمييز والتهميش، مع تداعيات إنسانية عميقة تطال الفئات ذات الدخل المحدود والجاليات المهاجرة على المدى الطويل. وفي تقرير لمنظمة أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، أكدت فيه أن حملات الهدم والإخلاء المستمرة في “السعودية” أدت إلى تضرر أكثر من نصف مليون شخص في ما يزيد على 60 حيًا، ولا سيما في المدن الكبرى مثل جدّة. حيث جرى محو أحياء سكنية كاملة لإفساح المجال أمام مشاريع عقارية فاخرة، ومناطق تجارية، ومشاريع عملاقة. رغم تبرير السلطات لهذه الإجراءات على أنها تهدف إلى الحد من الجريمة وتحسين العمران، فإن الواقع يكشف عن آثار مدمرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان رافقت هذه العمليات. وأشارت المنظمة إلى ما أفاد به “سكان المناطق المستهدفة مرارًا بأن السلطات السعودية لم تُجرِ أي مشاورات حقيقية معهم قبل تنفيذ عمليات الهدم، ولم تقدّم إشعارات مسبقة كافية، كما مضت في الإجراءات دون الإعلان الواضح عن آليات التعويض مسبقًا، وفي كثير من الحالات، تأخر التعويض أو مُنع كليًا. أما حرمان الأجانب من برامج التعويض، ترك العمال المهاجرين بلا مأوى ولا تعويض ولا أي مسار قانوني للإنصاف، ما يعكس تمييزًا ممنهجًا. نتيجة لذلك، تحوّل التهجير إلى حالة من الهشاشة الفورية، والتشرّد، وفي بعض الحالات إلى مغادرة قسرية للبلاد. فالعائلات لا تفقد منازلها فحسب، بل تخسر أيضًا مصادر رزقها، وفرص التعليم، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية. وأكدت المنظمة أنه “بدل الاعتراف بالأضرار الإنسانية لهذه السياسات، روّجت وسائل الإعلام الموالية للنظام السعودي لروايات وصمية تصوّر الأحياء المتضررة على أنها “عشوائيات خارجة عن القانون” يقطنها مهاجرون غير نظاميين، وترتبط بالجريمة والأوبئة. استُخدم هذا الخطاب لتبرير عمليات الهدم، بينما أخفى في الوقت نفسه أوجه الظلم البنيوي التي أدّت إلى تدهور أوضاع السكن. من خلال تصوير السكان المُهجّرين بوصفهم تهديدًا أمنيًا، تتنصّل السلطات السعودية من مسؤوليتها، فتُحصّن سياسات إعادة التطوير من المساءلة وتتهرب من أي محاسبة حقيقية.” وأشار التقرير إلى أنه “لطالما شكّل الاستيلاء على الأراضي والتهجير القسري أدوات راسخة في سياسات التنمية السعودية، خصوصًا في المناطق المخصّصة للاستثمارات عالية القيمة. المثال الأبرز هو التهجير القسري لآلاف من أبناء قبيلة “الحويطات” لإخلاء الأراضي لصالح مشروع مدينة “نيوم” العملاقة. وقد وثّقت تقارير متعددة استخدام الترهيب والاعتقالات التعسفية والقوة لقمع المقاومة الشعبية، في نموذج تنموي قسري تُلاحَق فيه “الحداثة” من خلال القمع. والنتيجة واحدة: منازل مهدمة، وكرامة منتهكة، وأمن اجتماعي مفقود. في هذا السياق، يتحول التهجير إلى أداة بنيوية من أدوات الحكم، تُقدّم الاستثمار على حساب الحق في السكن والحماية الاجتماعية”. تُنفَّذ مشاريع إعادة التطوير العمراني في “السعودية” بلا ضمانات فعّالة أو آليات حقيقية للمساءلة. فعمليات الإخلاء القسري التي تُنفَّذ من دون تشاور مسبق، أو إشعار كافٍ، أو تعويض عادل، تمثل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في السكن اللائق، والحماية من الإخلاء التعسفي، ومبدأ عدم التمييز المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أدى تراكم هذه السياسات إلى تطبيع التهجير بوصفه أداة من أدوات الحكم وإدارة المدن. ورأت المنظمة أنه على النظام السعودي “وقف جميع عمليات الإخلاء القسري التي تُنفَّذ دون إجراءات قانونية عادلة، وضمان الحق في الإشعار المسبق، والمشاورة الحقيقية، والتعويض المنصف، وتوفير سكن بديل ملائم لجميع السكان، بغض النظر عن جنسيتهم. وأكدت وجوب السماح “بالمراقبة المستقلة لمشاريع إعادة التطوير، وتمكين ضحايا الإخلاء غير القانوني من الوصول إلى سبل انتصاف فعّالة. يقع على عاتق الشركاء الدوليين والمستثمرين مسؤولية الضغط على السعودية لمواءمة أجندتها التنموية مع معايير حقوق الإنسان، بما يضمن ألا يستمر التحول الاقتصادي على حساب المجتمعات المهمشة والفئات الأكثر ضعفًا”. يذكر أنه في أبريل/نيسان 2022، بعثت منظمة العفو الدولية برسالة إلى هيئة حقوق الإنسان السعودية أثارت فيها أسئلة وبواعث قلق حول عملية الهدم وشروط مراعاة الأصول القانونية في سياق عمليات الإخلاء، لكنها لم تتلق رداً.

