مداخلة المنظمة الأوروبية السعودية إلى الفريق العامل: الاختفاء القسري كامتداد للقمع العابر للحدود

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 40
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

سجّلت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان مداخلة حقوقية موسّعة إلى كلٍّ من الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي ولجنة الاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة، وذلك في إطار إعداد تقرير دولي حول جريمة الاختفاء القسري في سياق ما يُعرف بـ”القمع العابر للحدود”. وقالت المنظمة في مذكرتها إن ما تمارسه “السعودية” لم يعد يقتصر على الداخل، بل تحوّل إلى سياسة منهجية تستهدف المعارضين والناشطين خارج الحدود، عبر أدوات قانونية وأمنية ودبلوماسية تُفضي في نهايتها إلى حرمان الأشخاص من حريتهم، ثم إنكار مصيرهم أو عزلهم الكامل عن العالم الخارجي، بما يرقى إلى جريمة الاختفاء القسري وفق القانون الدولي. وأوضحت المنظمة أنها وثّقت أنماطاً متكررة تستخدمها السلطات في “السعودية” لتصفية الفضاء الآمن للمعارضين في الخارج، سواء عبر تسليمهم من دول ثالثة، أو استدراجهم عبر التعاون الأمني، أو استخدام البعثات الدبلوماسية كأدوات للقمع، ثم إخضاعهم للاحتجاز السري فور وصولهم أو بعده بفترة قصيرة، مع منع التواصل مع العائلة والمحامين وإخفاء أماكن الاحتجاز. وتشير المداخلة إلى أن الاختفاء القسري في سياق القمع العابر للحدود يحدث عندما تستخدم الدول أدواتها القانونية والأمنية خارج إقليمها لاستهداف أفراد يُنظر إليهم باعتبارهم معارضين أو “غير مرغوب فيهم سياسياً”. وفي حالة “السعودية”، يتم ذلك غالباً عبر الترحيل أو التسليم من دول أخرى، أو عبر تعاون أمني إقليمي، لينتهي الأمر باعتقال الشخص فور وصوله واحتجازه بمعزل عن العالم الخارجي، دون ضمانات قانونية فعلية، وبعيداً عن أي رقابة قضائية مستقلة. وتؤكد المنظمة أن هذه الممارسات لا تستهدف جرائم حقيقية، بل تطال أشخاصاً بسبب نشاطهم السلمي، أو آرائهم السياسية والدينية، أو حتى بسبب صلاتهم العائلية بمطلوبين. وهو ما يجعلها جزءاً من سياسة قمع أوسع تقوم على العقاب الجماعي وتوسيع دائرة الاستهداف خارج الحدود الجغرافية للدولة. وفي تحليلها للأدوات التي تسهّل هذا النمط من القمع، تلفت المنظمة إلى الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها “السعودية” مع عدد من الدول تحت عنوان التعاون الأمني وتسليم المطلوبين. فعلى الرغم من تقديم هذه الاتفاقيات بوصفها أدوات لمكافحة الجريمة أو الإرهاب، إلا أنها، بحسب المنظمة، صيغت بعبارات فضفاضة وتفتقر إلى ضمانات ملزمة تمنع التسليم في حال وجود خطر حقيقي بالتعذيب أو الاختفاء القسري. كما أنها لا تشترط إجراء تقييم فردي مستقل لمخاطر حقوق الإنسان قبل تنفيذ التسليم. ويفاقم من خطورة ذلك غياب الرقابة القضائية الفعلية، إذ تُتخذ قرارات التسليم غالباً ضمن أطر إدارية أو أمنية، دون تمكين الضحايا من الطعن الحقيقي أو الوصول إلى محاكم مستقلة. وترى المنظمة أن هذا النهج يتناقض صراحة مع التزامات الدول بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، إلا أن الاتفاقيات الثنائية تُطبَّق عملياً بمعزل عن تلك الالتزامات الدولية. كما تعتمد “السعودية”، وفق المداخلة، على أطر التعاون الإقليمي، مثل مجلس التعاون الخليجي ومجلس وزراء الداخلية العرب، التي تتيح تبادل البيانات والنشرات الأمنية وتنفيذ الاعتقالات العابرة للحدود. ورغم أن اتفاقية الرياض للتعاون القضائي العربي تحظر تسليم الأشخاص في القضايا السياسية، إلا أن هذا الحظر يتم تجاهله عملياً، ولا تتضمن هذه الأطر أي إحالة جدية إلى مبدأ عدم الإعادة القسرية، ما يخلق فراغاً قانونياً يُستغل للالتفاف على قواعد حقوق الإنسان الدولية. وتُبرز المنظمة أن الاختفاء القسري الناتج عن القمع العابر للحدود ليس حادثاً استثنائياً، بل نتيجة نمط متكرر يبدأ بالاعتقال في دولة ثالثة بطلب سعودي، ثم الترحيل أو التسليم دون تقييم مخاطر فردي، ثم الاحتجاز فور الوصول مع إنكار المكان أو تأخير الإعلان عنه، يلي ذلك منع التواصل مع الأسرة والمحامين، واستخدام الحبس السري أو الانفرادي كمرحلة أولى قبل المحاكمة. وفي هذا السياق، تستعرض المنظمة عدداً من القضايا الموثقة التي تكشف هذا النمط. من بينها قضية حسن الربيعة الذي سُلِّم من المغرب عام 2023 بعد جلسة واحدة فقط، وبعد توقيع اتفاق أمني بين الرباط و”السعودية”، ليختفي قسرياً لأشهر مع منع الزيارات وإخفاء مكان احتجازه. وكذلك قضية أسامة المحروقي الذي سُلِّم من المغرب رغم صدور تدابير مؤقتة من لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة تمنع ترحيله، إلا أنه نُقل في اليوم ذاته إلى “السعودية” وبقي مختفياً قسرياً لفترة طويلة. كما تشير المداخلة إلى حالة أمجد الفرج الذي أُعيد قسراً من عُمان عام 2019 بعد فراره بسبب حملة أمنية في العوامية، لتنقطع المعلومات عن مصيره لفترات طويلة. وتبرز أيضاً جريمة اغتيال جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، والتي اعتبرتها المقررة الأممية مثالاً متطرفاً للقمع العابر للحدود، مؤكدة أن مصير رفاته ما زال مجهولاً، ما يجعل الجريمة مستمرة بوصفها اختفاءً قسرياً. وتتناول المنظمة كذلك قضية الشاعر نواف الرشيد الذي سُلِّم من الكويت عام 2018 واختفى عشرة أشهر قبل الإفراج عنه دون توجيه تهم، وقضية المدافع الحقوقي محمد العتيبي الذي رُحِّل من قطر عام 2017 ليُحتجز سرياً ثم يُحكم عليه لاحقاً بالسجن الطويل. إضافة إلى قضية دينا علي اليامي التي أُعيدت قسراً من الفلبين عام 2017 ومنذ ذلك الحين لا يُعرف مصيرها، وسط تقارير عن احتجازها في مراكز مغلقة للنساء. وترى المنظمة أن الفئات الأكثر عرضة لهذه الجريمة تشمل المعارضين السياسيين في الخارج، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحافيين والكتّاب، ونشطاء التواصل الاجتماعي، وأبناء المناطق المهمشة، إضافة إلى أقارب المطلوبين أمنياً الذين يُستخدمون كورقة ضغط جماعي. أما على مستوى المساءلة، فتؤكد المداخلة أن آليات المحاسبة ما تزال ضعيفة إلى حد كبير. فالتـحقيقات نادرة، والملاحقات القضائية شبه معدومة، ولم يُستخدم مبدأ الولاية القضائية العالمية بصورة جدية، ما يسمح باستمرار الإفلات من العقاب. وتشدّد المنظمة على أن كل الدول ملزمة بعدم تسليم أي شخص إلى “السعودية” إذا وُجدت أسباب حقيقية للاعتقاد بأنه سيواجه خطر التعذيب أو الاختفاء القسري، وفق اتفاقية مناهضة التعذيب، والاتفاقية الدولية للاختفاء القسري، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وتخلص المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان إلى أن الحالة السعودية تكشف عن نمط منظم من الاختفاء القسري في سياق القمع العابر للحدود، تُيسّره الاتفاقيات الثنائية، وأطر التعاون الإقليمي، والأدوات الدبلوماسية والأمنية، في ظل غياب الضمانات الحقوقية والرقابة القضائية المستقلة. وتؤكد أن مواجهة هذا الواقع تتطلب تدخلاً أكثر صرامة من آليات الأمم المتحدة، والتزاماً حقيقياً من الدول بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان الحق في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر للضحايا وعائلاتهم، قبل أن يتحول القمع العابر للحدود إلى قاعدة طبيعية في العلاقات الدولية مع “السعودية”.