حراك القوى العظمى.. هل يشهد العالم حقبة جديدة من العلاقات الدولية؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 228
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

كان تراجع الأهمية السياسية والاقتصادية لأوروبا أحد أكثر التطورات إثارة للاهتمام في السنوات الأخيرة. ويمكن إرجاع هذا الاتجاه إلى الستينيات، عندما أُُجبِرت القوى الأوروبية على التخلي عن ممتلكاتها الاستعمارية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وكان هذا ملحوظًا أكثر في حالة بريطانيا وفرنسا اللتان كانتا تحتلان عدد كبير من الدول حازت استقلالها فيما بعد، ولم يكن هذا دائمًا انتقالًا سلسا حيث قاتلت القوى الاستعمارية السابقة للحفاظ على نفوذها.

 

الصعود الأمريكي المرير

تزامن التراجع النسبي لفرنسا والمملكة المتحدة مع صعود الولايات المتحدة الذي فتح سلسلة من الحروب المريرة، حيث كانت الدول المستعمرة سابقًا تقاتل من أجل الاستقلال في نفس الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى توسيع نفوذها في العالم.

تجلى هذا بشكل خاص في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية وآسيا التي شهدت حروبًا شرسة خاصة في دول الهند الصينية في كمبوديا ولاوس وفيتنام.

وقُتل أكثر من مليون شخص في هذه المناطق على أيدي الأمريكيين الذين سعوا إلى استبدال النفوذ الفرنسي والبريطاني السابق.

وينطبق الشيء نفسه على منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية التي سعى الأمريكيون لجعلها في مجال نفوذهم بناء على توجيهات الرئيس الأمريكي السابق "جيمس مونرو" الذي أطلق اسمه على "عقيدة مونرو" سيئة السمعة التي كانت في الأساس ترخيصًا منحه الأمريكيون لأنفسهم لبسط النفوذ على جميع دول منطقة أمريكا اللاتينية.

وكانت كوبا من أكثر الأماكن التي تجلى فيه ذلك، فبعد الإطاحة بالديكتاتور "فولجنسيو باتيستا" على يد حكومة "فيدل أليخاندرو كاسترو"، شنت الولايات المتحدة حربًا شوسة ضد تلك الدولة الصغيرة.

لا يقتصر عدم اكتراث الولايات المتحدة برغبات السكان المحليين على كوبا، ففي وقت سابق من هذا القرن، غزت الولايات المتحدة العراق بناءً على مزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل، وسرعان ما تبين زيف هذا الادعاء، ولكن لا تزال القوات الأمريكية تحتل البلاد حتى الآن وترفض المغادرة رغم مرور 20 عامًا.

وشهدت سوريا أيضًا غزوًا أمريكيًا في عام 2015، ورفض الأمريكيون بالمثل مغادرة ذلك البلد، كما يواصلون السرقة العلنية للنفط السوري. وتتعرض سوريا لغارات إسرائيلية متتالية دون أن تطلق واشنطن انتقادا واحدا لهذه الغارات.

 

نظام علاقات دولية جديد

ومع ذلك، تظهر علامات واضحة على أن هيمنة الأمريكيين غير المقيدة تقترب من نهايتها. ويتضح هذا أكثر في ظهور منظمات دولية متعددة تلعب فيها الصين وروسيا دورًا رئيسيًا مثل مجموعة "البريكس" التي تشمل البرازيل والصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا والتي تلقت في الأشهر الأخيرة طلبات للعضوية من عدد من الدول بما في ذلك السعودية وتركيا.

وبعد أن سيطر النفوذ الأوروبي والأمريكي على العلاقات الدولية لفترة طويلة، فإنه هناك علامات انحسار واضحة.

وفي حالة أوروبا، تم تسريع هذا الانحسار من خلال عدد من التحركات التي تتعارض بشكل واضح مع مصلحتها الوطنية، بما في ذلك الانخراط في حملة العقوبات ضد موسكو بالرغم من اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية.

هذا مثال كلاسيكي على العمى السياسي الذي يدفع إلى تحركات تتعارض بوضوح مع المصالح الوطنية.

إن الموقف الشخصي المناوئ لروسيا والذي تتبناه رئيسة المفوضة الأوروبية "أورسولا فون دير لاين" هو مثال كلاسيكي على السماح للتحيزات بالتأثير على عملية اتخاذ قرار عقلاني.

ولحسن حظ مواطنيها، تظهر بعض الدول قدراً من المقاومة لهذه السياسات الانتحارية الصارخة، وتعد المجر مثالا بارزا على ذلك.

((#))

ومما يزيد الإحباط الأوروبي، أن الروس يبدون غير مبالين إلى حد كبير. على سبيل المثال، استبدل الروس بسهولة إمداداتهم من الطاقة إلى أوروبا بزيادة المبيعات إلى الصين والهند من بين دول أخرى، وجزء من المفارقة في هذا الموقف هو أن الصينيين بدورهم يبيعون بعضًا من نفطهم الروسي إلى الأوروبيين.

وبالرغم من سنوات الاستمالة الأمريكية للهند في محاولة لكسر علاقاتها الراسخة والوثيقة مع الروس، يبدو أن العلاقة بين الهند وروسيا تزداد قوة مع مرور الوقت.

وينطبق الشيء نفسه على العلاقات الروسية الصينية التي صمدت أيضًا أمام جهود الولايات المتحدة لإحداث شقاق بين البلدين.

بدلاً من ذلك، تزداد العلاقة قوة يومًا بعد يوم، كما يتضح من عمل كلا البلدين معًا لتكوين روابط أوثق مع الدول النامية التي تعاني من عقود من التنمر الأمريكي وتقوم بصياغة مجموعة جديدة من العلاقات.

وبالرغم من محاولات الولايات المتحدة المتزايدة لتصوير علاقة الصين مع الدول النامية على أنها استغلالية، فإن حقيقة الأمر هي أن طريقة عمل الصينيين تختلف عن الحقبة الاستعمارية الاستغلالية التي قادتها الولايات المتحدة.

ما نشهده اليوم هو ظهور نظام حوكمة مختلف تمامًا، لا علاقة له بأساليب الاستغلال القديمة للعصر الاستعماري، وهذا ما يجعله موضع ترحيب من قبل عدد متزايد من الدول.

 

المصدر | جيمس أونيل/ نيو إيسترن أوتلوك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد