استراتيجية ماكرون تجاه الخليج في ظل تنافس القوى العظمى

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 234
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في النصف الثاني من يوليو/تموز الماضي وبعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" إلى الشرق الأوسط، سافر الرئيس الإماراتي "محمد بن زايد" وولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" على التوالي إلى باريس والتقيا الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون". وتعد هذه الاجتماعات هي الأحدث في سلسلة طويلة من المحادثات رفيعة المستوى بين فرنسا وكلا الشريكين الخليجيين.

وقبل زيارته الأخيرة، التقى "بن زايد" مع "ماكرون" 3 مرات خلال الـ12 شهرًا الماضية (في سبتمبر/أيلول 2021، وديسمبر/كانون الأول 2021، ومايو/أيار 2022)، بينما التقى الرئيس الفرنسي مع "بن سلمان" خلال رحلة إلى السعودية في ديسمبر/كانون الأول 2021.

وتؤكد هذه اللقاءات المتكررة على الطموحات المتجددة لفرنسا في شبه الجزيرة العربية خلال عهد "ماكرون". تقدم فرنسا نفسها كشريك غربي، بالرغم أنه قد لا يكون بديلاً لواشنطن، وخيارًا "ملائمًا وموثوقًا" لهؤلاء القادة الخليجيين المتحمسين لتنويع شراكاتهم.

وتقدم فرنسا تحت حكم "ماكرون" نفسها على أنها قوة غربية متوسطة تعمل على تعزيز بيئة متعددة الأطراف، وبالتالي من غير المرجح أن تجعل الشركاء المحليين محاصرين في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. وتعد هذه سياسة فرنسية قديمة يعود تاريخها إلى موقف "شارل ديجول" خلال الحرب الباردة، لكن تم إحياؤها الآن في ضوء العلاقات المتوترة بين الرياض وأبوظبي وواشنطن.

وحتى الآن، كانت هذه السياسة الفرنسية أكثر نجاحًا في الإمارات منها في السعودية. ومنذ افتتاح قاعدة بحرية فرنسية في أبوظبي عام 2009، نشرت باريس حوالي 650 جنديًا فرنسيًا داخل البلاد. وفي حين أن هذه الأرقام قليلة مقارنة بـ 3500 جندي أمريكي في الإمارات، فإن التقارب الاستراتيجي بين باريس وأبوظبي واضح أيضًا من خلال وجهات نظرهم المشتركة حول القضايا الإقليمية.

ويتشارك المسؤولون الفرنسيون والإماراتيون مخاوف مماثلة بشأن الإسلام السياسي، لاسيما الجماعات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين. وبالرغم أن باريس ليست متطرفة في إدانتها للإخوان المسلمين مثل أبوظبي، فقد دعمت الإمارات وفرنسا رجالًا أقوياء في المنطقة مثل الرئيس "عبدالفتاح السيسي" في مصر والمشير "خليفة حفتر" في ليبيا.

ويتجاوز الحوار الاستراتيجي الفرنسي الإماراتي الشرق الأوسط. وفي السنوات الأخيرة، لعبت الإمارات دورًا مهمًا في ترسيخ الطموحات الفرنسية في المحيطين الهندي والهادئ. وتعمل القيادة البحرية الفرنسية للمحيط الهندي من أبوظبي. وفي أواخر عام 2020، دعمت الإمارات عضوية فرنسا في رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي (فرنسا هي العضو الوحيد الذي لا يطل على المحيط الهندي).

أخيرًا، تحرص باريس على تطوير التبادلات الثلاثية مع أبوظبي ونيودلهي كوسيلة لتعزيز مبادراتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتجلى هذا التقارب في التعاون العسكري حيث أقيمت أول مناورات بحرية فرنسية هندية إماراتية عام 2021.

أما السعودية، فكانت علاقات فرنسا معها أكثر تعقيدًا. وورد أن علاقة "ماكرون" الشخصية بـ"بن سلمان" كانت أكثر برودة من تلك التي أقامها مع "بن زايد" في أبوظبي.

وقبل انتخاب "ماكرون" في عام 2017، تدهورت علاقات باريس مع "آل سعود" بشكل مطرد. في الواقع، بدت زيارة "ماكرون" الأولى للسعودية في خريف عام 2017 وكأنها محاولة لعلاج أخطاء أسلافه، "نيكولا ساركوزي" و"فرانسوا هولاند". ولم يساعد السياق الإقليمي الهش في إنجاح هذه الرحلة، فقبل بضعة أشهر من الزيارة، شن "بن سلمان" حصارًا على قطر، وبحلول ذلك الوقت كان يحتجز رئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري" في الرياض.

ووفقًا لدبلوماسيين فرنسيين، كان أول لقاء بين "ماكرون" و"بن سلمان" متوتراً. وبحسب ما ورد، شعر الزعيم الفرنسي بالحيرة من مطالبة الأمير السعودي فرنسا بتعليق علاقاتها مع قطر - وهو طلب سرعان ما رفضه. وبدلاً من ذلك، أصر "ماكرون" على إقناع الأمير السعودي بالسماح لـ"الحريري" بالمغادرة والذهاب إلى باريس. وبالرغم من تلك المواجهة الأولى المقلقة، رفض "ماكرون"، بعد عام، اتخاذ إجراءات صارمة ضد السعودية بعد اغتيال الصحفي "جمال خاشقجي".

وعلى عكس الحلفاء الأوروبيين مثل ألمانيا وهولندا، امتنعت فرنسا عن تعليق عمليات نقل الأسلحة إلى المملكة. ومع ذلك، تكلم "ماكرون" بلهجة حادة مع "بن سلمان" على هامش قمة مجموعة العشرين، بعد شهر من اغتيال "خاشقجي"، وتم التقاط ذلك أمام الكاميرا.

وبعد ذلك، تحسنت العلاقات الفرنسية السعودية واعتُبرت زيارة "ماكرون" إلى جدة في ديسمبر/كانون الأول 2021 أول اجتماع كبير لـ"بن سلمان" مع زعيم غربي منذ مقتل "خاشقجي". وخلال تلك الزيارة، حوّل "ماكرون" الملف اللبناني إلى مجال تعاون رئيسي مع الرياض بإعلان مبادرة إنسانية مشتركة لإعادة السعودية إلى لبنان بعد سنوات من فك الارتباط.

يبقى أن نرى ما إذا كان هذا البرنامج الإنساني الذي يتضمن حزمة مساعدات بقيمة 30 مليون دولار يمكن أن يتم تنفيذه على أرض الواقع. يشار إلى أن لبنان كان مرة أخرى على رأس جدول أعمال زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا في أواخر يوليو/تموز الماضي.

وأثار التقارب الفرنسي مع الإمارات والسعودية قضايا مهمة في باريس والمنطقة. محليًا، دفع بعض المراقبين للتعبير عن مخاوفهم بشأن التأييد الفرنسي للسياسات الخارجية الإماراتية والسعودية خاصة في اليمن وليبيا.

على المستوى الإقليمي، وضعت هذه السياسة الفرنسية أيضًا باريس على خلاف مع شريك خليجي آخر وهو قطر. وبحسب مصادر دبلوماسية فرنسية، أعرب مسؤولون قطريون عن قلقهم العميق من التقارب الفرنسي الإماراتي الذي حدث في خضم الحصار الذي فرضته الرياض وأبوظبي على الدوحة.

وربما حرصت الحكومة الفرنسية على حيادها الرسمي تجاه الأزمة الخليجيية، لكن مصالحها الاقتصادية والأمنية تميل في الواقع نحو الإمارات. ويقال إن هناك رغبة بين موظفي وزارة الخارجية الفرنسية لإعادة التوازن إلى هذه السياسة تجاه الخليج، لكن حفل استقبال "بن زايد" في يوليو/تموز الماضي في قصر الإليزيه أظهر وجهة نظر مختلفة عن قصر "ماكرون" الرئاسي.

أخيرًا، ستواجه فرنسا حتمًا معضلة فيما يتعلق بموقفها من نفوذ الصين المتنامي في الخليج. حتى الآن، ظلت فرنسا متشككة بشأن مخاوف الولايات المتحدة، حتى بعد الكشف عن مشروع قاعدة صينية في ميناء إماراتي عام 2021.

ومن وجهة نظر باريس، فإن التوترات الأمريكية الإماراتية في العام الماضي، والتي أدت إلى تعليق صفقة "إف-35"، كانت لها نتائج إيجابية، حيث استطاعت فرنسا بيع 80 طائرة مقاتلة فرنسية من طراز "رافال" إلى أبوظبي في ديسمبر/كانون الأول 2021.

وكلما زادت ضغوط الولايات المتحدة على دول الخليج لاتخاذ موقف تجاه الصين، زادت قدرة فرنسا على الترويج لخطاب عدم الانحياز الذي يرضي القادة الإماراتيين والسعوديين. لكن هذا الخطاب يعمل ما دامت فرنسا، مثل شركائها في الخليج، قادرة على الهروب من منطق المنافسة بين القوى العظمى.

على الأرض، ثبت بالفعل أن هذه مقامرة دقيقة. ومثل زملائهم الأمريكيين، أعرب الضباط الفرنسيون في قاعدة أبوظبي البحرية عن شكوكهم بشأن الأنشطة الصينية في المنطقة. وفي نهاية المطاف مع استمرار الصين (وكذلك روسيا) في تعميق انخراطها في الشرق الأوسط، قد تجد فرنسا أنه من المستحيل الترويج لبديلها غير المنحاز.

 

المصدر | جان لوب سمعان | أتلانتك كاونسل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد