أزمة قرداحي.. الحلقة الثالثة في سلسلة "الصدمة والرعب" السعودية تجاه لبنان

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 234
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في 29 أكتوبر/تشرين الأول، قطعت الرياض العلاقات الدبلوماسية مع بيروت وعلقت الورادات اللبنانية إلى السعودية. وكانت هذه الإجراءات تهدف إلى الضغط من أجل استقالة وزير الإعلام اللبناني "جورج قرداحي" الذي انتقد الحرب التي تقودها السعودية في اليمن. وبالطبع، سيكون للتصعيد السعودي تأثير على السياسة الداخلية اللبنانية قبل الانتخابات المقرر عقدها في الربيع المقبل. والأهم من ذلك، أن هذا التصعيد يعكس استعداد الرياض المتزايد لاستعراض عضلاتها الدبلوماسية وتذكير المعنيين في واشنطن وطهران بأنها قادرة على ممارسة الضغوط.

وربما كانت السعودية تتوقع أن يستقيل "قرداحي" طواعية أو يُجبر على الرحيل. وكان هذا هو الحال مع وزير الخارجية اللبناني السابق "شربل وهبة"، الذي استقال في مايو/أيار بعد أن قال خلال مقابلة إن دول الخليج كانت وراء صعود تنظيم "الدولة الإسلامية".

وقال رئيس الوزراء اللبناني "نجيب ميقاتي"، في 27 أكتوبر/تشرين الأول، إن تصريحات "قرداحي" لا تعبر عن موقف الحكومة ولا موقف الرئيس "ميشال عون"، لكن هذا الموقف الرسمي من القيادة العليا في لبنان لم يمنع المزيد من التصعيد.

وحذت البحرين والكويت حذو السعودية بسحب تمثيلهما الدبلوماسي من بيروت وطالبت الدبلوماسيين اللبنانيين بمغادرة أراضيها كما طلبت من مواطنيها مغادرة لبنان. لكن الإمارات لم تطلب من السفير اللبناني مغادرة أبوظبي، فيما أبقت دول الخليج الـ4 على قنصلياتها في لبنان مفتوحة.

ولم تتخذ عُمان وقطر أي إجراءات عقابية ضد لبنان، رغم أن حكومتيهما أصدرتا بيانات تدعو إلى وقف التصعيد.

 

سياق التحرك السعودي

وتعكس خطوة الرياض تطور السياسة السعودية تجاه لبنان والتي تتأرجح منذ عام 2016 بين دور سلبي وآخر تخريبي. وبدأ التحول الأهم في فبراير/شباط 2016 عندما أعلنت الرياض الجولة الأولى من الإجراءات العقابية ضد لبنان. وشمل ذلك الإعلان عن نيتها سحب ودائعها النقدية من مصرف لبنان وإلغاء منحة بقيمة 4 مليارات دولار لقوات الأمن اللبنانية.

وجاءت هذه التحركات بعد أن اختارت الحكومة اللبنانية الامتناع عن التصويت على قرار لجامعة الدول العربية يدين إيران لعدم منع اقتحام السفارة السعودية في طهران في 3 يناير/كانون الثاني 2016 ردا على إعدام رجل الدين الشيعي السعودي "نمر النمر".

وفي مارس/آذار 2016، أخذت الرياض زمام المبادرة لتصنيف "حزب الله" كمنظمة إرهابية من قبل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية. وتعقدت علاقة "حزب الله" بالسعودية منذ اغتيال "رفيق الحريري" عام 2005 وشكوك قيادة "حزب الله" حول تحريض السعودية لإسرائيل على مهاجمة لبنان خلال حرب يوليو/تموز 2006. وساهم الخلاف حول الدور الإقليمي المتنامي لـ"حزب الله" في تشكيل العلاقات السعودية اللبنانية منذ عام 2016.

واستهدف التصعيد السعودي الثاني رجل الرياض في بيروت رئيس الوزراء السابق "سعد الحريري". وقد تم احتجازه قسرا في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بعد استدعائه فجأة إلى السعودية، وجرى إجباره على إعلان استقالته في خطاب متلفز. وجاء ذلك بالتزامن مع الحملة التي شنها ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" ضد رجال الأعمال والأمراء الذين لم يكونوا من بين مؤيديه.

وبدا احتجاز "الحريري" أيضا كرد على اتفاق رئاسي في لبنان لم تقره المملكة، وهو اتفاق جرى في في أكتوبر/تشرين الأول 2016 بين "الحريري" و"حزب الله" يُنتخب بموجبه "ميشال عون" رئيسا ويعود "الحريري" إلى رئاسة الوزراء.

ومع ذلك، تمكنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" لاحقا من كبح هذه الهجمة السعودية ضد لبنان، وقررت الرياض إعادة إشراك "الحريري" في مارس/آذار 2018، فيما اعتُبر حينها عودة سعودية إلى السياسة التقليدية تجاه لبنان. ومع ذلك، ساهمت الانتفاضة اللبنانية عام 2019 والانهيار الاقتصادي في البلاد الآن في تغيير الحسابات السعودية.

 

حسابات السعودية

دخلت السعودية الآن الجولة الثالثة من الإجراءات العقابية ضد لبنان. ومع ذلك، يبدو أن الإجراءات السعودية هذه المرة مدفوعة بمحاولة لفت انتباه البيت الأبيض. وقد تزامنت هذه الإجراءات مع تنامي جرأة "حزب الله" وسط توترات متزايدة في السياسة اللبنانية.

وتعد العلاقة الصعبة بين الرياض وإدارة "جو بايدن" عاملا رئيسيا في الحسابات السعودية. وقد سعت الولايات المتحدة وفرنسا إلى دمج السعودية في جهودهما الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق في لبنان، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل. وظلت القيادة السعودية صامتة منذ إتمام اتفاق تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة في سبتمبر/أيلول الماضي لكنها أوضحت وجهات نظرها الآن.

وخلال الأعوام الأخيرة، برزت وجهة نظر رسمية سعودية تقول إنه لم تعد هناك حاجة لاستثمار الوقت والموارد في لبنان. وردد وزير الخارجية السعودي الأمير "فيصل بن فرحان آل سعود" هذا الشعور في مقابلة في 31 أكتوبر/تشرين الأول، قائلا: "لا جدوى من التعامل مع لبنان في ظل هيمنة وكلاء إيران على المشهد".

وتتوقع القيادة السعودية المزيد من التعامل الأمريكي مع الرياض وتوجه أمريكي أكثر صرامة ضد "حزب الله" في لبنان بعد أن خففت إدارة "بايدن" الضغط وسمحت بنقل الغاز المصري إلى لبنان. وأرادت الرياض الاستمرار في الضغط الدولي على لبنان لتشكيل حكومة تكنوقراط تبتعد عن هيمنة "حزب الله".

وتضغط السعودية أيضا على السياسة في لبنان من خلال تأييدها لقائد القوات اللبنانية "سمير جعجع" في مواجهته مع "حزب الله" حول التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/آب 2020. وكدليل واضح على الدعم، قام السفير السعودي في لبنان "وليد بخاري" بزيارة "جعجع" قبل مغادرته منصبه في بيروت.

يشار إلى أن القضاء العسكري استدعى "جعجع" للاستجواب حول اتهامات تورط حزبه في أعمال العنف التي أسفرت عن مقتل 7 أشخاص خلال مسيرة 14 أكتوبر/تشرين الأول التي نظمها "حزب الله" و"حركة أمل" للمطالبة بعزل قاضي التحقيق "طارق البيطار".

 

تداعيات إجراءات الرياض

وكان أهم تأثير للإجراءات السعودية اقتصاديا وسياسيا وليس دبلوماسيا أو أمنيا. ومنذ أوائل 2016، توقفت الرياض عن دعمها المتمثل في التبرع بمليارات الدولارات لتحقيق الاستقرار في العملة اللبنانية. وبينما يمنع قانون السرية المصرفية نشر المبلغ الدقيق للودائع السعودية من العملات الأجنبية في البنك المركزي اللبناني، تشير جميع المؤشرات إلى أنها انخفضت بشكل كبير منذ عام 2016، الأمر الذي لعب دورا في تسريع الانهيار الاقتصادي في لبنان.

علاوة على ذلك، أعلنت الغرفة التجارية السعودية في 7 نوفمبر/تشرين الثاني أن جميع الشركات السعودية ستوقف تعاملاتها مع الشركات اللبنانية. وسوف يكلف قرار وقف جميع الواردات من لبنان اقتصاد البلاد نحو 220 مليون دولار في العام، ما يؤثر بشكل خطير على القطاع الزراعي. وسيتعين على المزارعين الآن البحث عن أسواق تصدير جديدة.

وكانت السعودية قد حظرت بالفعل استيراد الفواكه والخضروات اللبنانية في أبريل/نيسان بعد إحباط محاولة في ميناء جدة لتهريب 5.3 ملايين حبة "كبتاجون أمفيتامين" في صناديق رمان. وبحسب جمعية المزارعين اللبنانيين، بلغت الصادرات الزراعية اللبنانية إلى منطقة الخليج في عام 2020 نحو 145 مليون دولار، ذهب 16% منها إلى السعودية أي ما يقرب من 23 مليون دولار.

ولا يمكن إغفال تأثير منع السياح السعوديين من زيارة لبنان. وكانت الحكومة اللبنانية تأمل في أن يؤدي خفض قيمة العملة اللبنانية إلى تشجيع السياح على زيارة البلاد، لكن فيروس "كورونا" وعدم الاستقرار السياسي في العامين الماضيين ساهم في تقويض السياحة من السياحة، ثم جاءت الإجراءات العقابية السعودية لتزيد الأمر تعقيدا.

وقد يكون التصعيد السعودي الأكثر مأساوية هو مطالبة نحو 350 ألف لبناني يعملون في السعودية بالمغادرة، حيث يعتمد لبنان إلى حد كبير على التحويلات المالية من اللبنانيين في الخليج. وأشارت الرياض إلى أن إجراءاتها لن تشمل إبعاد اللبنانيين. وسوف يكون لهذا القرار، إذا تم اتخاذه، تأثير سلبي أيضا على إنتاجية وسمعة سوق العمل السعودي.

 

التصعيد الدبلوماسي في لبنان ما بعد السعودية

وتتطلب هذه التحديات الاقتصادية حكومة ترقى إلى مستوى الحدث وتخطط لتنويع صادراتها للتخفيف من تأثير الأحداث المختلفة على الاقتصاد اللبناني. لكن حكومة "ميقاتي" اجتمعت 3 مرات فقط منذ تشكيلها. ولم تعقد الحكومة اللبنانية أي اجتماع منذ 13 أكتوبر/تشرين الأول، عندما بدأ "حزب الله" و"حركة أمل" مقاطعة اجتماعات مجلس الوزراء للمطالبة بإقالة "البيطار". والآن، وجهت الإجراءات السعودية ضربة أخرى لهذه الحكومة.

ولكن بالرغم من الخلاف مع السعودية، لا توجد مؤشرات على أن الضغوط الخارجية والداخلية ستؤدي إلى إسقاط حكومة "ميقاتي" حيث لا ترى الولايات المتحدة وفرنسا بديلا له. فقد ظل لبنان في مأزق بدون حكومة لأكثر من عام، كما أن الحكومة الجديدة مؤقتة ولها مجموعة محددة من الأهداف.

ومن المثير للاهتمام أن نائب رئيس البعثة في السفارة الأمريكية في لبنان "ريتشارد مايكلز" حضر أحد الاجتماعات في وزارة الخارجية اللبنانية للتعامل مع الأزمة الدبلوماسية مع السعودية. ولا تزال الولايات المتحدة تعتقد أن المشاركة في لبنان أفضل من الانسحاب والسماح للآخرين (مثل إيران وروسيا) بزيادة نفوذهم.

ويعني النهج السعودي عمليا أن على كل لبنان أن يدفع ثمن هيمنة "حزب الله" على النظام السياسي اللبناني. ومع ذلك، فمن الصعب توقع التحركات السعودية لأن الرياض لم تطالب صراحة باستقالة حكومة "ميقاتي" وليس لديها قائمة مطالب عملية بخلاف إنهاء هيمنة "حزب الله" على لبنان.

وقد أصبح لبنان عالقا الآن بين إقالة "البيطار" بسبب استدعائه لأشخاص متهمين بالمسؤولية عن انفجار ميناء بيروت، واستقالة "قرداحي" بسبب تصريحاته بشأن حرب اليمن. وقد يكون السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو عزلهما، الأمر الذي من شأنه أن يقوض محاسبة المسؤولين عن تفجير بيروت كما سيسمح للسعودية أن تشق طريقها مرة أخرى في لبنان.

ويبدو أن المسؤولين اللبنانيين مستعدين لدعم استقالة "قرداحي" لكنهم يريدون ضمانات بأن الإجراءات العقابية سيتم إلغاؤها. وقد خفف "حزب الله" من حدة انتقاداته للسعودية لتسهيل الوساطة لكن الجانب السعودي غير مستجيب أو غير مستعد للحديث حتى الآن.

لكن هناك مؤشرات متزايدة على أن هذه الإجراءات الأخيرة قد تكون تكرارا لخطوة "الصدمة والرعب" التي حدثت حين تم اعتقال "الحريري" في السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017. وقد يكون الضغط الأمريكي والفرنسي في النهاية سببا في جعل الرياض تتراجع مقابل بعض الضمانات أو المنافع المحتملة.

ويبدو أن القيادة السعودية ترى فرصة في الانهيار الاقتصادي في لبنان قد تؤدي في النهاية إلى إبعاد "حزب الله" عن سلطته وقوته. ومع ذلك، ليس من الواضح أن السعودية لديها نفوذ كاف للمتابعة، وربما تكون قد أضعفت بالفعل حلفاءها السنة قبل الانتخابات اللبنانية في الربيع المقبل. وقد انفصلت المملكة الآن أكثر عن لبنان وربما فقدت أي فرصة لإحداث تأثير ذي مغزى على السياسة اللبنانية.

 

المصدر | جو ماكرون - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد