الدولة السعودية الرابعة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 313
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

غيّر ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" بشكل جذري نظام الحكم السعودي الذي أنشأه جده منذ عقود. في سعيه لخلافة والده المريض، الملك "سلمان"، قام "محمد بن سلمان"، بإلغاء موقع المؤسسة الدينية الوهابية كقوة مؤثرة في السياسة والمجتمع السعودي. كما ألغى نظام الضوابط والتوازنات بين أفراد العائلة المالكة السعودية وطردهم من مراكز القوة السعودية. من خلال هذه التغييرات وغيرها، فرض نظامًا سياسيًا مختلفًا جوهريًا لا يمكن تمييزه عن الملكيات العربية المطلقة الأخرى والجمهوريات الراديكالية.

 

أسس المملكة العربية السعودية

تأسست المملكة العربية السعودية الحديثة، التي يشار إليها أيضًا باسم الدولة السعودية الثالثة، عام 1932 على يد "ابن سعود"، والد الملك الحالي. وبنى "ابن سعود" المملكة على أساس التوازن بين أفراد العائلة المالكة السعوديين ورواد الوهابية، وهي طائفة من الإسلام هيمنت على السعودية.

لقد جلب السلام والاستقرار حتى في المناطق النائية من البلاد، وفوض مسؤوليات مختلفة لأطفاله وعامل رجال الأعمال باحترام وتقدير.

وبعد وفاته عام 1953، التزم أبناؤه بالحفاظ على نظام الحكم الذي أرساه والدهم الراحل، حتى خلال فترة مضطربة في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات. لقد حافظوا على نظام من الضوابط والتوازنات حيث لا يستطيع أي من كبار الأمراء المحيطين بالملك إملاء السياسات السعودية.

وحرص ملوك السعودية على اتخاذ قرارات مجلس الوزراء بالإجماع لحماية وحدة العائلة المالكة.

بصفته الزعيم الفعلي للمملكة العربية السعودية، لا يهتم "محمد بن سلمان" بمواصلة هذا التقليد. لقد ثبت أنه غير راغب في تقاسم السلطة مع أفراد العائلة المالكة السعوديين الآخرين ولا يتسامح مع النقد. كما اشتهر بسجن المثقفين والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان.

تم تعيين "محمد بن سلمان" وليًا للعهد في عام 2017 من قبل والده ، الذي أقال ابن عمه "محمد بن نايف"، من المنصب. اعتبر الكثيرون في الولايات المتحدة أن "محمد بن سلمان" هو الرجل الذي سيقود بلاده إلى الحداثة. وقد التقى بشخصيات إعلامية مؤثرة وصناع السياسة الأمريكيين، بما في ذلك الرئيس "دونالد ترامب" خلال زيارة إلى البيت الأبيض في مارس/آذار 2018 غطتها وسائل الإعلام الأمريكية عن كثب. لكن تصرفاته غير المنتظمة أثارت مخاوف في واشنطن.

في عام 2017، أمر "محمد بن سلمان" باحتجاز رئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري" خلال زيارته للسعودية. وقبل 4 أشهر من رحلة "محمد بن سلمان" إلى البيت الأبيض، قام بابتزاز مليارات الدولارات من كبار أعضاء العائلة المالكة ونخبة رجال الأعمال. بعد عام، قُتل المنشق السعودي "جمال خاشقجي"، الذي كان ينتقد مشروع رؤية 2030 "لمحمد بن سلمان" وأسلوب قيادته، بوحشية في القنصلية السعودية في إسطنبول.

كان "محمد بن سلمان" يعلم أن أعضاء بارزين في العائلة المالكة السعودية عارضوا صعوده إلى العرش واعتبروه مندفعًا وغير متعاطف. لم يكن يريد أن يواجه نفس المصير الذي واجهه عمه الملك "سعود"، الذي أطيح به في عام 1964 من قبل تحالف من كبار الأمراء ورجال الدين. وهكذا، أنشأ "محمد بن سلمان" جهازًا أمنيًا شخصيًا خارج نطاق القانون وخارج نطاق القضاء لتعقب المعارضين السعوديين في الخارج. ولأنه مهووس بفكرة أن العائلة المالكة السعودية ستعتبره غير لائق للحكم، فهو مصمم على منع ظهور حركة أمراء أحرار أخرى، على غرار تلك التي أنشأها الأمير "طلال بن عبدالعزيز" في عام 1958.

وقد ظهرت وسط صراع على السلطة بين الملك "سعود" وولي العهد الأمير "فيصل"، وطالبت الحركة بتحويل السعودية إلى ملكية برلمانية دستورية. وقد انتهت بعد أن تولى "فيصل" الملك عام 1964 ونال ولاء العائلة المالكة والمؤسسة الدينية.

دولة سعودية جديدة

لضمان عدم الطعن في حكمه بطريقة مماثلة، فرض "محمد بن سلمان" عدة تغييرات بدعم من والده. لقد حطم الركائز الثلاث التي قامت عليها المملكة منذ عام 1932: التمسك بالعقيدة الوهابية، والإجماع القبلي، ووحدة العائلة المالكة السعودية. لقد كسر "محمد بن سلمان" العمود الفقري للمؤسسة الوهابية من خلال إنهاء قدرتها على فرض التقوى، والسيطرة على محتوى الخطب الدينية وسجن رجال الدين الصريحين.

 بعد 5 أشهر من تعيين "محمد بن سلمان" ولياً للعهد، عينه الملك "سلمان" رئيساً للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

بعد ذلك مباشرة، قام بعملية ابتزاز في فندق "ريتز كارلتون" بالرياض، حيث قام بتطهير 11 من الأمراء، بمن فيهم وزير الحرس الوطني القوي، ونحو 400 من كبار المسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال البارزين، الذين اتهمهم بالفساد المالي وغسيل الأموال.

كان لهذه الخطوة هدفان: معاقبة الأمراء الذين صوتوا ضد تعيينه وليًا للعهد والسيطرة على قدر كبير من الثروة الوطنية. لقد بعث برسالة قوية إلى أفراد العائلة المالكة السعودية تحمل مواجهة الاعتقال والإفقار والإذلال. واعترف "محمد بن سلمان" بالاستيلاء على 107 مليارات دولار من المعتقلين.

لا يهم إذا احتفظ بالأموال لنفسه أو أودعها في الخزينة الوطنية. منذ تأسيس المملكة، لم يكن هناك فرق بين الخزانة والملك، الذي يمكنه سحب الأموال متى شاء من وزارة المالية. لكن الأهم من ذلك هو أن أفراد العائلة المالكة الآخرين منعوا من الوصول إلى الأصول العامة. (بالرغم من أن أفراد العائلة المالكة السعوديين لا يكشفون عن مواردهم المالية، إلا أن "محمد بن سلمان" هو ملياردير بكل المقاييس. فقد اشترى لوحة "ليوناردو دافنشي"، "سالفاتور موندي"، مقابل 450 مليون دولار ويختًا فاخرًا مقابل 550 مليون دولار.

من المفهوم أن سياساته الاجتماعية، بما في ذلك إلغاء الرقابة الوهابية الصارمة، جعلت "محمد بن سلمان" يتمتع بشعبية بين الشباب والنساء السعوديين. ومع ذلك، فإن دعمهم يتوقف على نجاح خطط التحديث الاقتصادي الخاصة به.

يكمن فخ التنمية الاقتصادية في أنها تؤدي حتماً إلى تزايد المطالب بالمشاركة السياسية، بالرغم من أنه من غير المرجح أن يتسامح "محمد بن سلمان" مع مثل هذه الدعوات. يشكك الكثيرون أيضًا في مستقبل مشروع "نيوم" العملاق، وهو خطة بقيمة 500 مليار دولار لتحويل السعودية إلى دولة حديثة. بعد 5 سنوات من إعلانه عن رؤية 2030، وهو برنامج آخر لجعل السعودية قوة اقتصادية عالمية، لا تزال الإيرادات غير النفطية تمثل جزءًا صغيرًا فقط من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ما جعل جميع وظائف الدولة الأساسية في يديه ضمن رؤية مركزية للهيمنة على صنع القرار السياسي والاقتصادي والأمني ​​والعسكري في السعودية.

وعد "محمد بن سلمان" بمزيد من الحريات الاجتماعية حيث قام بتخفيف قواعد اللباس بالنسبة للنساء، ولم يعد يطلب منهن تغطية وجوههن، ودعا الفرق والمغنين الأجانب إلى القدوم للسعودية. وحظر أنشطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كما أنشأ الهيئة العامة للترفيه لإثبات استعداده للتخلي عن الماضي التقليدي للبلاد. لكن التحول المفاجئ أثار الدهشة. لقد أدى إلى تآكل نظام القيم التقليدي للناس دون تزويدهم بأدوات التغيير السلوكي.

فقدت السعودية السيطرة على مجلس التعاون الخليجي، حيث أصبحت الإمارات الآن منافستها الرئيسية في السياسة الإقليمية حيث يمارس ولي عهد أبوظبي، "محمد بن زايد"، الحليف الموثوق للولايات المتحدة، الآن نفوذه على السياسة الخارجية السعودية ، حيث جر الرياض إلى الحرب في اليمن وأقنع "محمد بن سلمان" في عام 2017 بفرض حصار على قطر بدعوى دعمها للإرهاب والتدخل في شؤون المنطقة.

وقد رفع السعوديون الحصار بعد فوز "جو بايدن" في السباق الرئاسي الأمريكي لعام 2020 لكنهم لم يحققوا شيئًا من الحصار، الأمر الذي عزز فقط علاقات قطر مع طهران ودفعها إلى السماح لتركيا ببناء قاعدة عسكرية على أراضيها.

قرر "محمد بن سلمان" الانضمام إلى الحرب اليمنية في عام 2015 ضد نصيحة حلفائه المصريين والباكستانيين. كان يعلم أن المتمردين الحوثيين قد وجهوا ضربة قوية للجيش السعودي في عام 2009 عندما غامر الجنود السعوديون بدخول أراضي الحوثيين، حيث احتلوا عدة قرى وقمم جبال في جيزان.

لكن "محمد بن سلمان" خاض حربًا مع الحوثيين على أمل تحقيق نصر سريع. وبعد ما يقرب من 7 سنوات، يخسر السعوديون الحرب وليس لديهم خطة للانسحاب.

 

ما يحمله المستقبل

يستخدم "محمد بن سلمان" إجراءات صارمة لبناء الدولة السعودية الرابعة. لكن يبدو أنه من المرجح أن يصبح ملكها الأول والأخير.

بسبب ضغوطها المالية، قلصت الحكومة نظام الرعاية الاجتماعية السخي بعد أكثر من نصف قرن من تدليل الشعب السعودي. وصدمت السرعة التي تم بها إدخال التغييرات العديد من السعوديين، وأصبح عدد متزايد من المواطنين يشعر بخيبة أمل من قراراته المتقلبة في كثير من الأحيان.

إن المملكة العربية السعودية دولة قبلية غير متجانسة. وتشمل منطقة نجد، معقل الوهابيين التي تضم أقل من ثلث السكان السعوديين. والمنطقة الشرقية ذات الكثافة الشيعية. والحجاز، التي تضم أقدس مسجدين في الإسلام، مكة والمدينة؛ ومنطقة عسير جنوب الحجاز. بالإضافة لنجران وجيزان بجوار جبال صعدة اليمنية؛ ومحافظة الحدود الشمالية التي لها روابط تقليدية بجنوب العراق والأردن.

لقد ساهمت الوفرة المادية والاستقرار السياسي والقدرات القسرية للحكومة المركزية في تماسك السكان المتنوعين في السعودية ولكن الشقوق في النظام في ظل القيادة السياسية المتقلبة لديها القدرة على تفكيكها.

المصدر | خليل خشان - جيوبوليتكال فيوتشرز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد