تنافس ومصالح متباينة.. علاقة القاهرة المعقدة بالرياض وأبوظبي

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 321
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

بصفتها رمزا تاريخيا رئيسيا للقومية العربية، تتمتع مصر بعلاقة معقدة مع البلدين الآخرين المتنافسين على قيادة العالم العربي وهما السعودية والإمارات. وبالرغم من ادعاء حسن النية والتضامن، فإن العلاقات بين الدول الثلاث غالبًا ما تتميز بالتنافس والعداء.
وكانت الفترات الاستثنائية القصيرة للتعاون بين القاهرة والرياض على مدى العقود القليلة الماضية نتاجًا لهدوء المنافسة أكثر من كونها نتاجا للصداقة. عندما التقى مبعوث سعودي بالرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" الشهر الماضي، أشاد بالعلاقات الوثيقة بين البلدين. لكن في الآونة الأخيرة، اتهم سفير سعودي سابق في القاهرة رئيس وزراء مصري سابق بإهدار 3 مليارات دولار من المساعدات المالية السعودية التي كان يحتفظ بها البنك المركزي المصري في عام 2013. ويعطي البيانان انطباعات مختلفة تمامًا عن العلاقة بين البلدين.
أما علاقات مصر مع الإمارات فلها تاريخ أقصر، فعمر دولة الإمارات بعد كل شيء 50 عامًا فقط لكن البلدين لديهما ماض معقد أيضا. بخلاف السعودية، تمارس الإمارات سياسة خارجية عدوانية، وهو ما يفسر على الأقل جزئيًا سبب كون علاقاتها مع مصر مشحونة بالتوتر في كثير من الأحيان. لكن محاولات مصر الخاصة لرسم مسار مستقل لم تنجح في تحويل البلاد إلى قوة إقليمية. بدلاً من ذلك، تتولى السعودية، وبشكل متزايد الإمارات، مقاليد الأموركقيادة للمنطقة العربية.
قاد "إبراهيم باشا" في عام 1818، جيشًا مصريًا لتدمير الدولة السعودية الأولى، التي أنشأها "محمد بن سعود" و"محمد بن عبدالوهاب" عام 1744. وفي عام 1837، عاد جيش مصري آخر، بقيادة "خورشيد باشا"، إلى نجد (ثاني معقل رئيسي للدولة السعودية) واحتل محافظة الأحساء وأجبر البحرين والكويت وعمان على الاستسلام للحاكم المصري "محمد علي". لكن اتفاقية لندن عام 1840 وضعت حداً لحلم "محمد علي" في إقامة مملكة عربية، وأجبرته على التخلي عن الأراضي التي احتلها خارج مصر.
في الخمسينيات من القرن الماضي، اشتبك الرئيس المصري "جمال عبدالناصر"، وهو من كبار مؤيدي القومية العربية، مع الملك "سعود"، الذي كان قلقًا من جاذبية "ناصر" الكاريزمية بين العرب، بما في ذلك السعوديين. وتدهورت العلاقات بينهما بعد الانقلاب الجمهوري في اليمن عام 1962 حيث وصلت القوات المصرية إلى اليمن للدفاع عن الجمهورية الوليدة ضد الملكيين اليمنيين المدعومين من السعودية. ومع ذلك، خفت حدة التنافس بينهما بعد حرب الأيام الستة عام 1967 عندما هزم الإسرائيليون المصريين واحتلوا سيناء، بالإضافة إلى غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان. ثم تخلى "ناصر" عن سياسته الإقليمية. وأزالت وفاته عام 1970 أكبر تحد إقليمي أمام العائلة المالكة السعودية.
وأدت اتفاقية "كامب ديفيد" عام 1978 إلى تحييد مصر في العالم العربي ليبدأ تحول تدريجي في مركز الثقل في العالم العربي من القاهرة وبغداد ودمشق إلى مدن الخليج الجديدة. وقد ظهر ضعف سوريا وعدم قدرتها على أن تصبح قوة إقليمية مع هزيمتها خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وعجز الرئيس السوري "حافظ الأسد" عن إقناع السوفييت بإقامة توازن عسكري استراتيجي أمام إسرائيل. وبالرغم من البراعة العسكرية التي اكتسبتها بغداد بعد الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت 8 أعوام حتي 1988، فقد تبدد ذلك بعد أن غزو الكويت والهزيمة التي لحقت بالقوات العراقية على يد تحالف تقوده الولايات المتحدة.
وأدت الحروب والاضطرابات والزيادات السكانية السريعة إلى زيادة مستويات الفقر بين الجمهوريات العربية. في غضون ذلك، أدى الازدهار النفطي في الخليج إلى ظهور مدن حديثة للغاية مليئة بالسيولة النقدية، وانخرطت السعودية والإمارات بشكل متزايد في الشؤون الإقليمية فيما أعادت الحرب الأهلية في العراق وسوريا إحياء الاحتكاك بين مصر وخصومها في الخليج العربي.
رأت السعودية والإمارات أن انتخاب "محمد مرسي" المرتبط بجماعة "الإخوان المسلمون" في مصر عام 2012 يمثل إشكالية. وكان ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" يؤمن إيمانا راسخا بأن نجاح "الإخوان المسلمون" في بلد واحد سيكون له تأثير "الدومينو" في جميع أنحاء المنطقة. كما كان لدى العاهل السعودي الملك "عبد الله" مخاوف بشأن تحالف مصر الناشئ مع تركيا وقطر، بالرغم من نفي "مرسي" لذلك .وقد وفرت الإطاحة بـ"مرسي" في انقلاب 2013 بقيادة "عبدالفتاح السيسي" مهلة مؤقتة لدفء العلاقات بين المتنافسين، لكنها لم تدم طويلاً.
بعد اندلاع الحرب في سوريا، دفعت الرياض للإطاحة بـ"بشار الأسد"، بينما كانت مصر والإمارات مصممتين على إنقاذه من تمرد مسلح تهيمن عليه الحركات الإسلامية. بالنسبة لـ"السيسي" و"بن زايد"، كان صعود الإسلام السياسي تهديدًا وجوديًا. لكن بالنسبة للعائلة المالكة السعودية، كان التهديد الأكبر الذي يتطلب العمل العربي الجماعي هو إيران. وفضلا عن ذلك، أحدث رفض مصر إرسال قوات لدعم المجهود الحربي السعودي في اليمن شرخًا عميقًا بين البلدين.
بعد شهرين من خلافة الملك "سلمان" في يناير/كانون الثاني 2015، أطلقت السعودية عملية عاصفة الحزم لوقف تقدم الحوثيين في اليمن، قبيل القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ. وعندما اجتمع رؤساء الدول العربية، اقترح "السيسي" تشكيل قوة عسكرية عربية تحت قيادة مصرية للدفاع عن وحدة أراضي الدول العربية. ورفض الملك "سلمان"، الذي توقع فوزا سعوديا سريعا في اليمن، خطة "السيسي" خوفا من أن تنعش الخطة، القيادة المصرية في الشؤون العربية.
انضمت القاهرة في وقت لاحق من ذلك العام إلى "التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب" بقيادة السعودية، لكنها رفضت إرسال ممثلين إلى المقر الرئيسي في الرياض، معتقدة أن الهدف الحقيقي للتحالف هو مواجهة النظام السوري وإيران. (في الواقع، رفض أكثر من نصف الدول الأعضاء بما في ذلك تركيا وباكستان أيضًا إرسال ممثلين إلى الرياض) كما رحبت مصر بالاتفاق النووي الإيراني في عام 2015، بالرغم من معارضة السعوديين، وقالت إنها ستسعى إلى فتح الباب للتواصل السياسي مع طهران مع التفكير في شراء النفط الإيراني.
في عام 2016، زار الملك "سلمان" القاهرة وطالب بإعادة جزيرتين استراتيجيتين في البحر اأحمر هما تيران وصنافير، كانت السعودية تنازلت عنهما لمصر في عام 1950. ووافق "السيسي"، الذي كان في أمس الحاجة إلى المساعدة المالية. في أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، صُدم السعوديون بتصويت مصر في مجلس الأمن لصالح اقتراح روسي لإنهاء الأعمال العدائية في شمال سوريا حيث اقتربت قوات النظام من شرق حلب الذي يسيطر عليه المتمردون. وعندما وصف سفير السعودية لدى الأمم المتحدة الموقف المصري بالمؤلم، رد "السيسي" بقوله: "لن نركع إلا لله". بعد شهر، قطعت الرياض إمدادات النفط عن مصر، بالرغم من وعد "سلمان" بمواصلة تدفق الإمدادات خلال زيارته للقاهرة للمطالبة بعودة تيران وصنافير.
ترى القيادة في مصر أن السعوديين لا يقدرون مدى صعوبة إعادة "السيسي" للجزيرتين، فقد كانت استعادتهم من إسرائيل كجزء من اتفاقيات كامب ديفيد مسألة فخر وطني، وكان التنازل عنهما للسعودية أمرا مقوضا للسيادة حيث يعتقد المصريون أن السعوديين يعاملونهم كأتباع وليس شركاء.
كما فشل الإماراتيون أيضا في التشاور مع مصر بشأن سياساتهم الإقليمية. ولم تعرض أبوظبي ولا الرياض استخدام نفوذها، كمستثمر رئيسي في إثيوبيا، للتأثير على المحادثات بشأن سد النهضة الإثيوبي، وهو مشروع له تداعيات كبيرة على مصر كدولة مصب.
وترى الإمارات تراجع دور مصر القيادي بمثابة فرصة لتوسيع دورها. وقد أصيبت أبوظبي بالإحباط من القرار الأمريكي بالتخلي عن نظام الرئيس المصري "حسني مبارك"، وهو القرار الذي ساعد في إقناع "بن زايد" بضرورة تولي المزيد من المسؤولية عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. (من جانبهم، يرى المصريون أن "بن زايد" مفرط في الطموح، فقد وضع خططًا لغزو قطر بعد وقت قصير من بدء الحصار الذي تقوده السعودية عام 2017، وهو ما عارضه "السيسي" بالرغم من العلاقات المتوترة بين القاهرة والدوحة).
لا تزال مصر أهم شريك عربي لإسرائيل، لكن علاقات أبوظبي القوية مع الولايات المتحدة وإسرائيل تثير قلق "السيسي". كما أنه قلق من فقدان القاهرة دورها كحلقة وصل بين إسرائيل والدول العربية بعد صفقة التطبيع الإماراتية مع إسرائيل العام الماضي. وتقدم أبوظبي نفسها على أنها الوسيط الجديد بين إسرائيل والفلسطينيين، خاصة الآن حيث يبدو الرئيس الأمريكي "جو بايدن" حريصًا على استئناف محادثات السلام. وقد يجد الإسرائيليون والأمريكيون أنه من الأسهل التواصل مع الإماراتيين بشأن هذه المسألة لأن لديهم مقاربة أكثر موضوعية.
ولم تشعر مصر بالراحة تجاه تحركات أبوظبي لإقناع السودان والمغرب بالاعتراف بإسرائيل، رغم أنها اختارت الصمت. وتشعر مصر بالقلق من أن موجة التطبيع قد تفتح الباب أمام المخابرات الإسرائيلية للعمل بحرية في السودان. ونظرًا لأن الحكومة السودانية مهتمة بالتعاون الزراعي مع إسرائيل، تخشى القاهرة أن يطور المهندسون الزراعيون الإسرائيليون محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه (مثل الأرز وفول الصويا والقطن والذرة) في السودان مما يقلل إمدادات المياه من نهر النيل.
وإجمالا، لا يستطيع "السيسي" منافسة الإمارات أو حتى السعودية لأنه ليس لديه أيديولوجية سياسية يروج لها في المنطقة. لقد نجح "ناصر" في كسب الرأي العام العربي من خلال الدفاع عن القومية العربية، وتشجيع سياسات عدم الانحياز ودعم حركات التحرر في آسيا وإفريقيا. وقد يكون الإماراتيون عدوانيين، لكنهم أيضًا براجماتيون وقادرون على حشد الموارد المادية التي يحتاجونها لتحقيق أهدافهم والتواصل مع القوى العالمية. من ناحية أخرى، لا يزال "السيسي" ضابطًا في الجيش ولم يتحول بعد إلى سياسي.

المصدر | هلال خشان - جيبوليتكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد