مصر والسعودية.. تنافس ومصالح متباينة رغم الشراكة الاستراتيجية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 499
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

تحرص مصر والسعودية على بقاء علاقتيهما في مستوى الشراكة الاستراتيجية بسبب المصالح المشتركة والتصورات المشتركة للتهديدات.

وتقدر السعودية القوة العسكرية الكبيرة لمصر، التي تساعد على حماية جزء من مياه البحر الأحمر الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك.

ومن جانبها، تعتبر مصر السعودية أهم ممول اقتصادي لها ووجهة عمل رئيسية للعمالة المصرية.

ويشترك البلدان أيضا في مقاومة التحرر السياسي، وهو ما يخشيان أن تدعمه إدارة "بايدن" كجزء من جهد أمريكي متجدد لتعزيز حقوق الإنسان، وقد كان هذا الجهد معلقا خلال رئاسة "دونالد ترامب".

ومع ذلك، تحت سطح هذه الشراكة يوجد تنافس ومصالح سياسية متباينة أحيانا، ويستاء المصريون من كونهم الشريك الأفقر للسعودية، وغالبا ما تتطلب علاقتهما الامتناع عن توجيه انتقادات.

وتنظر الرياض إلى القاهرة على أنها لا تزال لديها طموح بالزعامة العربية بالرغم من انتقال القوة في المنطقة في العقود الأخيرة إلى دول الخليج.

وعلى الصعيد السياسي، بينما انضمت السعودية إلى مصر والإمارات في معارضة جماعة "الإخوان المسلمون"، فإن عداء الرياض تجاه هذا التنظيم ليس قويا مثل عداء شركائها، لا سيما في السياق الإقليمي.

 

 

المصالح الإقليمية المشتركة بعد الربيع العربي

وفي أعقاب الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، الذي أطاح بحكومة الرئيس المنتخب "محمد مرسي"، أغرقت السعودية والإمارات والكويت مصر بنحو 12 مليار دولار من المساعدات الاقتصادية، مع تقديرات إجمالية تبلغ 30 مليار دولار حتى عام 2016.

ولم يكن القصد من هذه الهبة فقط دعم هذه الدول من أجل العودة إلى الوضع السابق، أو بعبارة أخرى استعادة النظام الاستبدادي المدعوم عسكريا الذي من شأنه أن يعارض العدوى الديمقراطية الناشئة عن الربيع العربي، ولكن أيضا تكوين جبهة أيديولوجية مشتركة ضد "الإخوان المسلمون".

وبالرغم أن السعودية منحت اللجوء والملاذ لعقود عديدة لناشطي وأعضاء جماعة "الإخوان المسلمون"، خاصة أولئك الذين فروا من مصر في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لكنها غيرت موقفها تجاه التنظيم بحلول عام 2012.

ومثل الحكومة المصرية بعد انقلاب عام 2013، صنفت الرياض جماعة "الإخوان المسلمون" "منظمة إرهابية" عام 2014، وأصبحت تعتبرها تهديدا لاستقرار المملكة.

وفي السياق الإقليمي، أصبحت هذه المعارضة لجماعة الإخوان والجماعات التابعة لها خط صدع رئيسي في المنطقة التي تم تقسيمها إلى معسكرين متعارضين، فمن جهة، دعمت مصر والإمارات والسعودية الفصائل المناهضة لـ"الإخوان"، بينما فعلت قطر وتركيا العكس من جهة أخرى.

وتجلى هذا الانقسام بشكل واضح في ليبيا، حيث دعمت المجموعة المصرية والإماراتية والسعودية "الجيش الوطني الليبي" تحت قيادة الجنرال "خليفة حفتر"، بينما دعم القطريون والأتراك حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها وتدعمها الأمم المتحدة برئاسة رئيس الوزراء "فايز السراج"، الذي كان في تحالف مع الفرع الليبي من "الإخوان المسلمون".

وقدمت مصر والإمارات دعما عسكريا لـ"حفتر" في حملته ضد حكومة الوفاق الوطني، بينما قدمت له السعودية مساعدات مالية، ومع ذلك، ساعد التدخل العسكري التركي إلى جانب الدعم المالي من قطر في وقف هجوم "حفتر" على طرابلس ثم دحره عام 2020.

وبالرغم أن الأطراف الليبية المتحاربة دخلت الآن في ترتيب لوقف إطلاق النار، وتفاوضت على حكومة مؤقتة مع انتخابات مقررة في أواخر عام 2021، يبقى أن نرى ما إذا كانت الأطراف الخارجية ستتوقف الآن عن تقديم المساعدة.

وتتعهد الفصائل المتحاربة وداعموها الخارجيون باحترام هذا الاتفاق الجديد، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن أيا من الفصيلين الليبيين لا يتمتع بالقوة الكافية للسيطرة على البلاد بأكملها، ومع ذلك، لا تزال الانقسامات الأيديولوجية قائمة.

ويمكن القول إن من بين أسباب حرب الوكالة في ليبيا قرار حصار قطر عام 2017 من قبل السعودية والإمارات وبدعم من البحرين ومصر، وكان جزء من حنقهم على قطر بسبب دعم الدوحة لـ"الإخوان المسلمون"، واستضافتها لناشطي "الإخوان" البارزين والشخصيات الإعلامية من الجماعة.

وانضمت مصر إلى هذه المقاطعة، بالرغم أن نحو 300 ألف من مواطنيها كانوا يعملون في قطر، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى معارضتها لجماعة "الإخوان المسلمون"، وبسبب رغبتها في استرضاء داعميها الماليين الرئيسيين، السعودية والإمارات.

ومع ذلك، كانت القاهرة في أحسن الأحوال فاترة تجاه اتهامات دول الحصار لقطر بالحفاظ على علاقات ودية مع طهران.

ولم تنظر مصر إلى إيران بمثل هذه العين القلقة مثل السعودية لأن إيران ليست في جوارها المباشر.

بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد في مصر جمهور شيعي مثل بعض دول الخليج، وبالتالي، ففي خط الصدع الآخر في المنطقة، أي الانقسام السني الشيعي، لم تكن مصر والسعودية على نفس الصفحة.

 

بعض الخلاف حول الصراع اليمني

وأصبح هذا الاختلاف واضحا بشأن حرب اليمن، وهو صراع لم ينته بعد، بخلاف حصار قطر. وبالرغم من انضمام مصر في مارس/آذار 2015 إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، كانت القاهرة مترددة جدا في الانخراط في هذا الصراع عسكريا.

وجاء جزء كبير من هذا التحفظ من الذكريات المؤسفة لتدخل مصر عسكريا في اليمن في الستينات، والذي أعاق الجيش المصري لمدة 5 أعوام وأدى إلى سقوط العديد من الضحايا المصريين.

كما تخوفت القاهرة من التورط فيما كان يُنظر إليه على أنه حرب طائفية، وكان أقصى ما فعلته مصر عسكريا هو نشر سفن بحرية قبالة الساحل اليمني وقصف بعض مواقع الحوثيين لفترة قصيرة في المراحل الأولى من الصراع.

وسياسيا، دعمت القاهرة حكومة "عبدربه منصور هادي" التي تدعمها السعودية من أجل استرضاء المملكة، ومع ذلك، فإن شاغلها الحقيقي الوحيد هو التأكد من عدم تهديد الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر.

ومن شأن تباطؤ الحركة البحرية التأثير سلبا على رسوم عبور قناة السويس، التي تصل إلى نحو 5.8 مليار دولار سنويا وتمثل أحد مصادر مصر الرئيسية من النقد الأجنبي.

وكرد فعل على هذا التهديد، وكذلك على هجمات الحوثيين على السفن السعودية، عززت مصر وجودها البحري في البحر الأحمر، واستضافت تدريبات بحرية وبرية مع شركائها.

وفي يوليو/تموز 2019، على سبيل المثال، نفذت مصر مناورات بحرية مشتركة مع الولايات المتحدة والسعودية والإمارات.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، استضافت مصر تدريبات عسكرية كبيرة مع السعودية والإمارات والأردن والبحرين والسودان في قاعدة "محمد نجيب" العسكرية في شمال غرب مصر.

وصرح الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء "سمير فرج"، بأن التدريبات بمثابة "رسالة رادعة" لأولئك الذين يسعون للإضرار بالأمن القومي المصري والعربي الأوسع.

فهل تنشر مصر بالفعل قوات إلى السعودية في حال وقوع هجوم إيراني في الخليج؟

بغض النظر عن الإجابة، فإن هذه التدريبات بمثابة بيان سياسي للدعم المصري للأمن السعودي.

 

تركيز القاهرة على شرق المتوسط ​​بدلا من إيران

لكن من وجهة نظر القاهرة، فإن التهديد الأكثر إلحاحا اليوم هو تركيا، وليس إيران، وتحت رئاسة "رجب طيب أردوغان"،منحت تركيا الملاذ للعديد من ناشطي "الإخوان المسلمون" المصريين وسمحت لوسائل الإعلام الخاصة بهم ببث رسائل مناهضة للنظام في مصر.

والأهم من ذلك من وجهة نظر القاهرة هو ما تعتبره تهديدا تركيا للحدود المصرية في البحر الأبيض المتوسط ​​حيث توجد احتياطيات كبيرة من الغاز، وهذا هو السبب وراء تكثيف مصر للمناورات البحرية مع شركائها في شرق البحر المتوسط.

وبالرغم أن السعودية انضمت إلى مصر في معارضة تركيا في الأعوام الأخيرة، بل وشجعت قطاعها الخاص على مقاطعة البضائع التركية، يبدو أن هناك مرونة من جانب الرياض تجاه أنقرة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أجرى "أردوغان" العاهل السعودي "سلمان بن عبدالعزيز" محادثة هاتفية ووعدا بإبقاء "قنوات الحوار مفتوحة".

وبعد انتهاء حصار قطر، عرضت الدوحة، التي تربطها علاقات وثيقة مع تركيا وتستضيف قاعدة عسكرية تركية، التوسط بين أنقرة والرياض.

وأشار بعض المحللين إلى أن هذا التقارب المحتمل جاء لأن السعودية، التي تعتقد أن المظلة الأمنية للولايات المتحدة لن تكون قوية في عهد الرئيس "جو بايدن" كما كانت في عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب"، ربما تبحث عن شركاء أمنيين بديلين.

وقد يستمر هذا التخفيف من التوترات بين السعودية وتركيا أو يتباطأ، ومع ذلك، تجعل مثل هذه التحركات القاهرة تشعر بالتوتر.

ولا شك أن الإدارة المصرية بقيادة "عبدالفتاح السيسي" قلقة من أن المعارضة السعودية لـ"الإخوان المسلمون"، ربما ليس في الداخل ولكن في المنطقة، قد تكون متذبذبة، وفي الصراع اليمني، كان الدعم السعودي لحزب "الإصلاح" التابع لجماعة "الإخوان المسلمون" أحد نقاط الخلاف الرئيسية بين أبوظبي والرياض.

وبالرغم أن القاهرة لم تنتقد السعودية بشأن علاقاتها مع "الإصلاح"، لكن المسؤولين المصريين على الأرجح يشاطرون الإمارات مخاوفها، وإذا كانت السعودية ستصلح بالفعل العلاقات مع تركيا، فإن مصر، وكذلك الإمارات، ستفسر ذلك على أنه خسارة لحملتها المناهضة لـ"الإخوان المسلمون".

 

روابط اقتصادية واسعة النطاق وسط مشاكل حول معاملة العمال

وكانت القاهرة مترددة في انتقاد الرياض خوفا من الإضرار بصلاتها الاقتصادية المهمة مع المملكة، وبلغت الصادرات المصرية إلى السعودية نحو 1.7 مليار دولار في عام 2019، وكان رجال الأعمال المصريون يأملون في زيادة هذا الرقم عن طريق استبدال السلع الاستهلاكية التركية بتلك القادمة من مصر، وهو سبب آخر لقلق القاهرة من التقارب بين الرياض وأنقرة.

بالإضافة إلى ذلك، تبلغ قيمة الاستثمارات السعودية في مصر نحو 54 مليار دولار، منها 44 مليار دولار من الشركات السعودية العاملة في مصر إما بمفردها أو بالشراكة مع شركات خاصة مصرية.

ولعل الأهم من ذلك، نظرا لارتفاع معدل البطالة في مصر، هو وجود ما يقرب من 3 ملايين عامل مصري في السعودية، من بينهم مدرسون وأطباء وتكنوقراط، بالإضافة إلى عمال يدويين.

وبالرغم من عودة بعض هؤلاء العمال إلى ديارهم نتيجة التباطؤ في الاقتصاد السعودي بسبب جائحة "كوفيد-19"، لا يزال العمال الباقون يساهمون بجزء كبير من إجمالي تحويلات العاملين المصريين في الخارج، والتي قدرت بنحو 30 مليار دولار في عام 2019.

وفي حين أن المبلغ الدقيق لتحويلات العاملين المصريين من السعودية غير معروف، تشير التقديرات إلى أن 75% من إجمالي التحويلات المصرية تأتي من دول الخليج، و39% من السعودية وحدها.

ومع ذلك، كانت هناك تقارير عن سوء معاملة واعتداءات على العمال المصريين في المملكة والتي من المحتمل أن تصبح قضية سياسية.

وفي 29 ديسمبر/كانون الأول 2020، قُتل مدرس مصري برصاص اثنين من طلابه السعوديين، وقبل ذلك بـ 5 أشهر، قُتل عاملان مصريان على يد مواطن سعودي بسبب خلاف حول أعمال البناء في منزله.

وحاولت السلطات المصرية التقليل من شأن جرائم القتل هذه، واصفة إياها بأنها "مجرد حوادث منفصلة يرتكبها الناس، ولا ترقى إلى مستوى ظاهرة ممنهجة ضد العمال المصريين في السعودية".

ومع ذلك، دعا ناشطو حقوق الإنسان "السيسي" إلى بذل المزيد من الجهد لحماية العمال المصريين وإجبار السلطات السعودية على معاقبة الجناة.

ولا شك أن "السيسي" يأمل ألا تتكرر الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2017 عندما قرر تسليم جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية بسبب سوء معاملة هؤلاء العمال ووفياتهم، ولاحتواء احتمال الاحتجاجات، قد يأمر "السيسي" الدبلوماسيين المصريين في المملكة بإثارة هذه المسألة مع المسؤولين السعوديين بهدوء.

 

تداعيات سياسة الولايات المتحدة

وكان هناك الكثير من التكهنات بأن إدارة "بايدن" لن تعامل السعودية ومصر بلطف بالغ كما كان الحال خلال رئاسة "ترامب"، وخلال الحملة الرئاسية، انتقد "بايدن" وفريقه للسياسة الخارجية مصر والسعودية لانتهاكاتهما لحقوق الإنسان، وأعلن "بايدن" مؤخرا أنه سينهي الدعم العسكري الأمريكي للحملة السعودية في حرب اليمن بسبب ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ومن ثم، فإن معارضة الجهد الأمريكي المهتم بحقوق الإنسان قد تكون مصلحة مشتركة أخرى بين القاهرة والرياض.

ولكن بدلا من مقاومة الضغط الأمريكي فيما يخص حقوق الإنسان، يجب على مصر والسعودية إعادة التفكير في نهجهما القمعي في الداخل، والذي من الواضح أنه ليس استراتيجية ذكية على المدى الطويل.

ويمكن لصانعي السياسة في الولايات المتحدة طمأنة مصر والسعودية بشأن بقاء الشركاة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة حتى في ظل وجود مزيد من التدقيق في كيفية تعاملهما مع شعوبهما.

ولن يكون من السهل القيام بمثل هذه الدبلوماسية بالنظر إلى الحساسيات الوطنية داخل هذه الدول، لكن تجاهل مشاكل حقوق الإنسان، كما كان الحال مع "ترامب"، ليس استراتيجية رابحة للولايات المتحدة أيضا.

 

المصدر | جريجوري أفتالدينيان | المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد