لماذا تجنّب الأمير بن سلمان تحيّة عساكر تركيا “بمرحبا عسكر” وماذا جرى خلال العشاء “الذي دام أقل من ساعة” مع أردوغان ولماذا غادر دون توقيع اتفاقيّات مع أنقرة؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 279
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

عمان- “رأي اليوم”- خالد الجيوسي:

 

إذًا تحقّق الهدف من جولة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الثلاثيّة التي شملت مصر، الأردن، وانتهت بتركيا، رغم قِصَر وقتها عُموماً، بالقول إن الحاكم الفعلي لبلاده، غير معزول دوليّاً، ويستطيع السّفر متى شاء بتوقيته، ولا مخاوف أمنيّة، ومُصافحة زعماء الدول على الهواءِ مُباشرةً، بل ويحظى بترحيب وحفاوة استقبال علنيّة، حتى في تركيا، التي جرى فيها اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، فها هو الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان فرش سجّاده “الأزرق”، واستقبل بن سلمان، بعد أن كان أشار إلى تورّطه غير المُباشر بإعطاء أمر الاغتيال، وتوعّده بالمُحاسبة.

لم يخرج الرئيس أردوغان لاستقبال بن سلمان في المطار، كما فعل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، والملك الأردني عبد الله الثاني وهذا عملاً بالبروتوكول الرئاسي التركي الذي لم يكسره أردوغان كما فعل ملك الأردن وخرج الأخير بنفسه مُستقبلاً “ولي عهد السعوديّة”، حرص أردوغان على وداع بن سلمان في المطار، وقبلها على تحضير استقبال لائق بضيفه السعودي، وفي باحه قصره الفخم (المجمع الرئاسي) بأنقرة، استعرض بن سلمان حرس الشرف، ودخل القصر التركي، مُنهياً بذلك أزمة ملف خاشقجي، ورفع قبل وصوله منع السفر على السعوديين لتركيا، هذا بعض ما يُريده أردوغان، وعادت بضاعته المُتكدّسة على الحُدود للدخول إلى الأراضي السعوديّة.

الأمير محمد بن سلمان، كان يُريد فيما يبدو ترك أثر جدلي لافت خلال زيارته لتركيا، فعمد إلى “كسر البروتوكول” المعمول به بتحيّة العلم، وعناصر حرس الشّرف، فبدل أن يقوم بتحيّة عسكر الشّرف بالعبارة المعمول بها في البروتوكول “مرحبا عسكر”، اختار أن يقول “السلام عليكم”، على عكس ما فعل من قبله الزعماء الزائرين لتركيا، والتزموا بقول “مرحبا عسكر”، البعض وجد في الخطوة مُناكفة سياسيّة، لعلّها لم تُعجب أردوغان، وخُصوصاً إصرار بن سلمان على قول السلام عليكم باللغة العربيّة وهي تحيّة الإسلام، لا مرحبا عسكر باللغة التركيّة.

زيارة بن سلمان التي انتهت بتركيا وشملت الأردن، ومصر بالنسبة للجانب السعودي، الغاية منها استعراضيّة وتنسيقيّة وإخراج الأمير بن سلمان من عُزلته، ما قبل زيارة الرئيس جو بايدن للمملكة، والذي كان قد توعّد بتحويل المملكة لدولةٍ منبوذة، فليس للسعوديّة منافع اقتصاديّة بقدر ما هي سياسيّة بحتة من الدول التي زارها بن سلمان، فتركيا التي تُعاني من التضخّم، وارتفاع الأسعار، وتأرجح الليرة أمام الدولار، والأردن، ومصر حالهما مُشابه، حيث ينتظران تفعيل الاستثمارات السعوديّة، في ظل ارتفاع أسعار النفط، ورفض الأخيرة حتى الآن زيادة الإنتاج النفطي، ما يصب في مصلحة خزينتها، فيما التساؤل السعودي مطروح حول استمرار العمل بتنويع مصادر الدخل من عدمه، الهدف الذي كان أطلقه الأمير محمد بن سلمان ضمن رؤيته الاقتصاديّة 2030، طالما أن النفط وأسعاره في تحسّن ملحوظ وكبير بفضل الحرب الروسيّة- الأوكرانيّة.

وعلى عكس زيارته لمصر والأردن التي أكملت اليوم وأكثر، وأمضى ليلته فيهما، كان لافتاً أن الأمير محمد بن سلمان، كان مُتعجّلاً بزيارته لتركيا، فالعشاء الذي أقامه أردوغان على شرفه دام أقل من ساعة، ودامت كامل الزيارة عدّة ساعات حتى المُغادرة، فيما لم يجر الإعلان عن توقيع اتفاقيّات كما جرى في عمّان، والقاهرة.

وحرصت نخب سعوديّة مُقرّبة من بن سلمان، على نشر مقاطع من العشاء، حيث ظهر بن سلمان وأردوغان يجلسان على طاولة واحدة، وبينهما مترجم، وأظهر المقطع تناول أردوغان للطعام، فيما اكتفى بن سلمان بشرب الماء الموضوع على الطاولة، وحرصت تلك النخب على الإشارة بحجم الاحتفاء بزيارة الأمير بن سلمان، بعزف الفرقة الموسيقيّة وغناء خلال العشاء أنشودة وطنيّة سعوديّة تقول كلماتها “هذا السّعودي فوق فوق”، ليبقى السُّؤال لماذا لم يجر الإعلان عن اتفاقيّات تجاريّة بين البلدين، وهل كان هدف بن سلمان فقط تسليط الأضواء الإعلاميّة على زيارته لتركيا، وإظهار مدى الحفاوة التي حظي بها من قِبَل القيادة التركيّة وفي البلد الذي قتل فيه خاشقجي، ومن ثم تركها بدون اتفاقيّات تُذكر، وبالتالي إحراجها، تساؤلٌ مطروح.

وقد تكون مصر، خرجت الفائز الأكبر من جولة بن سلمان، فقد حظيت بنصيب الأسد من الاتفاقيّات التجاريّة، فحسب البيانات الرسميّة جرى توقيع اتفاقيّات استثماريّة، وتجاريّة، بلغت 7.7 مليارات دولار أمريكي، وليس هذا فحسب بل تم الإعلان عن عزم السعوديّة قيادة استثمارات تبلغ قيمتها 30 مليار دولار أمريكي، هذه الاتفاقيّات الضخمة مع مصر، تُثير التساؤلات حول سر الاهتمام الخاص الذي أظهره بن سلمان بمصر، ودور جيشها في لعب دور أمني لحماية دول الخليج، حال اندلاع حرب بين إسرائيل وإيران، والتخلّي الأمريكي عنها، إضافةً إلى التحذيرات التي أطلقتها الصحافة المصريّة بخُصوص الخطر الذي قد يُداهم جبهة مصر الداخليّة، حال عدم إنقاذ اقتصادها، وانهيار نظامها، والتأثير السلبي بالتالي على أمن دول الخليج العربي.

الأردن الذي كان ضمن جولة بن سلمان هو الآخر، وحرص على إبراز الحفاوة اللافتة بالضيف السعودي، وخرج عاهله الملك عبد الله الثاني، ووليّ عهده الأمير الحسين بن عبد الله للمطار، وكامل طاقم الحكومة الأردنيّة مع رئيسها، ورئيسي مجلسي النواب والأعيان، لاستقبال الأمير الشاب، وتجنّب الملك عبد الله الثاني في مُقابلته الشهيرة بعد أزمة انقلاب أخيه الفاشلة، الإشارة إلى تورّط السعوديّة، يبدو أن الأردن لم يحصل على ما يبتغيه تماماً من الزيارة، وإن كان الإعلام الأردني أشاد بالزيارة، ونجاحها، لم يحصل الأردن على هامش زيارة بن سلمان، إلا على عدد من الاتفاقيّات، اتفاقيّة تطوير عقاري، وأخرى تدريب كوادر، وثالثة لتوريد حمض الفوسفوريك، واتفاقيّة لمُعالجة نفايات، فيما لم يجر ذكر أو الإعلان عن أيّ اتفاقيات بأرقام ضخمة، أو ضخ مليارات استثماريّة في السوق الأردنيّة كتلك التي جرى الإعلان عنها في مصر.

بالنسبة للمُراقبين، الأردن مُعنيٌّ بالمقام الأوّل الاستفادة ماليّاً من السعوديّة، قد تكون الزيارة غير ناجحة بالمنظور الأردني الواقعي، فالسعوديّون عادةً يُعبّرون عن رضاهم بالسّخاء والإنفاق المالي على الدول الحليفة، أما تبادل الضحكات، والابتسامات، التي أبداها الأمير بن سلمان للمسؤولين الأردنيين، فقد لا تتعدّى واجبات مُجاملات الكاميرات، وما يستدعيه الموقف، فقد كان انحنى ليُقبّل يد ابن عمّه الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق، والأخير اليوم معزولٌ ومُعتقل، وتتحدّث تقارير عن تعذيبه، ومنعه من السفر، وحرمانه من الطعام، وبعد إجبار رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري على الاستقالة من منصبه في الرياض، ظهر الأخير إلى جانب بن سلمان، مُعلناً أنه مُتواجد هُنا بكامل إرادته، كل هذه مواقف تحضر لذاكرة الأردنيين على العُموم.

والتأكيد السعودي على دعم الوصايّة الهاشميّة على القدس بعد زيارة بن سلمان، يظل موضع تساؤل واستفهام أردني رغم إبداء الارتياح، فالقيادة السعوديّة الحاليّة باتت تنتهج سياسة براغماتيّة مُتغيّرة بكُلّ الملفّات، وفي ظل ما تتحدّث عنه إدارة جو بايدن عن قُرب التطبيع بين العربيّة السعوديّة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي حتى زيارة بايدن المُرتقبة مُنتصف الشهر المُقبل للمملكة.

المُتتبّعون لجولة بن سلمان، وتحديدًا للأردن، وهي تأتي بعد تورّط باسم عوض الله مُستشار بن سلمان في مُحاولة انقلاب فاشلة في الأردن، توقّفوا عند تعامل المنصّات الأردنيّة والسعوديّة مع مشهد تقليد الملك عبد الله الثاني الأمير بن سلمان قلادة الشريف الحسين بن علي، وما يعنيه اسم هذه القلادة بالنسبة للأمير بن سلمان، وجدّه المُؤسّس الملك عبد العزيز تاريخيّاً وخلافيّاً والزعامة في مكّة، وما اعتبره الإعلام الأردني تقليدًا يُشير لعدم وجود خلافات بين المملكتين، أو يُنهيها، فيما اهتمّت المنصّات السعوديّة بمشهد تقليد الوسام ذاته، حيث لفتوا بأن بن سلمان لم ينحن خلال تقليده الوسام الأرفع أردنيّاً، بل قام بالانخفاض قليلاً (تقصير طوله) بحضرة عاهل الأردن.