بقيق.. قصة مدينة بين مشروعين

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 972
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

مهنا الحبيل
أبرز عوامل تقديم الإقليم بديمغرافية مذهبية (شيعية) الدولة السعودية نفسها!
باتت حسابات الراعي الأميركي تُدرك أن إيران تتقدم وهي الثابتة في ضفة الخليج.
اغتيل الإنسان أو حوصر في أرض النفط قبل أن يُفجّر الحقل في اللعبة الأميركية الإيرانية.
أخفت الدولة السعودية حضورا تاريخيا وديمغرافي لسُنّة الأحساء المتآخين مع إخوانهم الشيعة لتبرير قمع الروح العروبية لأهل الإقليم.
* * *
 حين تتكلم عن جغرافية بلدك التي تعرف تفاصيلها، وخريطة أرضها وإنسانها، قبل أن يسمع باسمها العالم، فلحديثك صدى وجدان مختلف..
بقيق مدينة تتوسط بين مدينتي الهفوف والدمام ضمن إقليم الأحساء، مركز حقل الغوار الذي يمتد من السفانية شمالا حتى شيبة، تمثل له مصفاة بقيق شريان التلقي الرئيسي، لإعادة إنتاج النفط الخام، وهو سر بعثها عمرانياً، حيث تُمثل بعداً حيويا لإنتاج النفط السعودي.
وقد انطلق هذا العمران مع أبناء الحاضرة والبادية في الإقليم الذين وفدوا للعمل في بقيق. وهنا تشكلت المدينة الصغيرة، ونشأت فيها حركة عُمرانية، ضم نسيجها أيضاً مناطق متعدّدة من المملكة السعودية، من نجران إلى حائل، وساهمت في توطين مجموعات من بادية الشرق ونجد.
وعادة لا تهتم الأخبار بالإنسان العربي الذي جاور حقل النفط، فهي الحكاية الأميركية القديمة التي عزّزها النظام السعودي، بئر نفط وبدوي وجمله، لا علاقة له بهذه الثروة التي لا يستحقها كما هو في أدبيات الأميركيين والغرب، والتي انتقلت إلى الفضاء العربي.
وقد ساهمت الدولة السعودية قديماً وحديثاً في ذلك، فحرصت على تحييد مسمّى الشعب ذي الإرث الثقافي، وحتى الإسلام ربط زوراً بالنظام لا بالجزيرة، رغم أن أقاليمها عريقة في تاريخها العربي الإسلامي.
عرف الأميركيون هذه المدينة مع حفريات النفط، وقد تحوّلت إلى المركز الإداري للمنطقة الجنوبية لحقل الغوار، وكان الحقل يتوسع استثماره جنوبا. ولكن في عام 1982 بعد انهيار أسعار النفط، أغلق التوسع في جنوب الغوار، وقرّرت شركة أرامكو في حينه، أن تنقل الإدارة من العضيلية إلى بقيق، والتركيز على نفط الشمال في السفانية، لرخص استخراجه، والحفاظ على ثروة حقل الغوار الجنوبي الأكثر تميزا في سوق النفط.

بنت "أرامكو" عدة أحياء خاصة على طول مدن حقل الغوار، ومنها بقيق التي كانت، في البداية، تقتصر على الموظفين الأميركيين والغربيين وقلة من السعوديين، ثم توسّع التوطين في "أرامكو"، والذي جاء بعد كفاح العمال العرب السعوديين، ومساهمة وزير النفط العروبي، عبدالله الطريقي، الذي عاش في المنفى حياة طويلة، ثم اختتمها بعودةٍ إسلاميةٍ، تصاحبت مع صمت حزين حتى غادر هذه الدنيا.

كانت هذه المدن الصغيرة تسمّى الكانب، وفيها اليوم عدد كبير من العائلات السعودية مع الأسر الأميركية وغيرها، صممت كأحياء منفصلة، تتمتع بمستوىً من الرفاهية، والبنية الأساسية التي كانت "أرامكو" تنفذها بنفسها، مخوّلة بكل الصلاحيات!

وذلك حتى لا تقع الدولة السعودية في حرجٍ يكشف واقع الفساد، أو التخلف التنموي الرهيب الذي تعيشه المدن العربية السعودية. وبجانب هذه الأحياء أحياء العمال، في الظهران وبقيق والسفانية والعضيلية وغيرهم.

كان المشهد القديم بين ما يسمّى الحي السعودي وحي الكامب لأرامكو الأميركية، صورة مستنسخة عن أحياء الفصل العنصري في بريتوريا، مع بعض الاختلافات. وخلال مرحلة الكفاح العمالي ومفاوضاتهم مع "أرامكو" الأميركية، كان طرف التفاوض أميركيا تماما.

وكان أحد المفاوضين عن حقوق العمال في الطرف المقابل هو عبد الله الهاشم رحمه الله، أحد الرموز الوطنية لكفاح الأحسائيين، ومطالبهم لسعودة عربية للنفط، تتحوّل لأجل العمال وأطفالهم وأرضهم، ولدعم القضايا العربية العادلة.

أما ممثلو الحكومة السعودية فقد كانوا يجلسون بجانب الحوار. وفي إحدى المرات، وجه أحد المسؤولين الأميركيين قدمه نحو ممثل الحكومة، فأوقف عبد الله الهاشم الحوار حتى أنزل الأميركي قدمه.

وكانت مهمة الجانب الحكومي قمع العمال بوحشية، وقد استشهد في أحد الإضرابات ستة من العمال، حيث فر بعضهم مشياً، على الأقدام من مدينة الظهران حتى مدينة الهفوف، وآواهم أهلها في بعض منازلهم، وخصوصا في الكوت، وبعضهم وصلت إليه سياط الأمير بن جلوي، فقضى نحبه في سبيل كرامته وعيش أطفاله.

غير أن تلك المرحلة تحول فيها المشروع الأميركي للانسحاب من المواجهة، وبدأت "أرامكو" الأميركية تُسعود، تحت سياسة توافق مع الدولة السعودية، لم تخرق إلا في موسمٍ يسيرٍ في عهد الملك فيصل.

وكان الكفاح اليساري الإيراني في عهد الشاه، عبر الوزير محمد مصدّق، قد حاول أن يتحد مع العرب، في منظومة متّحدة لحقوق المنتجين في الشرق، لمواجهة توحش شركات الغرب، فاكتفت واشنطن بالحكومات المحلية في المنطقة، لضبط أسعار النفط وتدفقه حسب مصالحها.

لم تكتف الحكومة السعودية بذلك، وإنما عمدت أيضا إلى اقتلاع وهدم كل آثار وثقافة حضارية وعربية وإسلامية للإقليم، بحكم أنه منطقة نفط تخضع لمصالح دولية، فغيّرت اسم الأحساء، بل وربما يفاجئ بعضهم أن أبرز عوامل تقديم الإقليم بديمغرافية مذهبية هو الدولة السعودية نفسها!

فقد كانت تُخفي، منذ منتصف الستينات، الحضور التاريخي والديمغرافي المكثف لسُنّة الأحساء المتآخين مع إخوانهم الشيعة، وتستخدم ذلك لتبرير سياساتها لقمع الروح العروبية لأهل الإقليم.

والتقطت الطائفية الإيرانية هذه الأرضية الذهبية، وعزفت على لغة التطرّف الانفصالي عن العرب، وزُج أتباع مدرستها في أتون الظلامية المفرطة التي قتلت عقل التنوير وروح الأخوة الجامعة، فخلقت هذه الطائفية، وطناً من دون الوطن وهوية من دون العرب، وصنعت إنساناً وظيفياً للمشروع الإيراني، مقابل مشروع الإنسان السعودي الوظيفي الذي أنشأه النظام لمعادلته الأميركية.

لقد اغتيل الإنسان، أو حوصر في أرض النفط، قبل أن يُفجّر الحقل في اللعبة الأميركية الإيرانية، وهذه المنطقة تضم معمل الغاز الثاني في العالم، حقل العثمانية الذي لو انفجر لهدّد حياة أهالي الأرض المحرومين من خيرها، وقد كانت أرض النفط مسرحا لخطط اللعبة القديمة، هذه الخطط كانت تضبط بين القوتين، الدولية والإقليمية.

وكان يترك للدولة السعودية صوت الضجيج، باسم الطائفية الأخرى، أو باسم مصالح واشنطن. اليوم تغيرت اللعبة، وباتت حسابات الراعي الأميركي تُدرك أن أيران تتقدم، وهي الثابتة في ضفة الخليج، فهل ستحرق الأرض معها لأجل صوت الضجيج؟

* مهنا الحبيل باحث عربي مستقل يكتب من كندا

المصدر | العربي الجديد