الانقلاب السعودي على سوق النفط لن يمر دون عقاب

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 690
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 كلف الأمر سوق الطاقة العالمية نحو شهرين من أسعار النفط المنخفضة بشكل كبير، لكن مع أكبر صفقة لخفض الإنتاج في التاريخ، فازت السعودية في حرب أسعار النفط. إذ نسقت الرياض "اتفاقية أوبك+"، بين دول "أوبك" ومنتجي النفط غير الأعضاء مثل روسيا والنرويج والمكسيك والأرجنتين وكولومبيا والإكوادور ومصر وإندونيسيا والنرويج وترينيداد وتوباجو ومجموعة العشرين لتحقيق اثنين من الأهداف السعودية الرئيسية. الأول هو إقناع المنتجين الآخرين بأنه يجب عليهم تحمل بعض عبء تخفيض الإنتاج لتحقيق الاستقرار في سوق النفط. والثاني هو إعادة تأكيد قيادة الرياض لجغرافيا السياسة المتعلقة بالطاقة، وهي أصول ثمينة تضفي للمملكة نفوذا كبيرا.
ومع ذلك، كانت رحلة تحقيق هذا الهدف طويلة ومكلفة؛ حيث بدأت في فبراير/شباط مع الانخفاض في الطلب الصيني على الطاقة الناجم عن "كورونا". ومع ذلك، هناك خطر كبير من أن الصفقة متأخرة للغاية: فمع عدم وجود إشارة على أن أسعار النفط سترتفع بشكل مستدام، ربما تكون الرياض أطلقت العنان لشيء لا تستطيع السيطرة عليه.
كان سوق الطاقة يستوعب انخفاض الطلب العالمي لفترة طويلة. ومع ذلك، فإن الإغلاق الذي طبقته دول كثيرة لاحتواء انتشار "كورونا" مثل انقلابا على السوق. إذ انخفض الطلب على النفط لدى الصين، أكبر مستهلك للنفط في آسيا، ولدى صناعة الطيران الأكثر تعطشا للوقود. كانت السعودية، التي تعد الصين وجهة تصديرها الأولى، أول من لاحظ هذه الاتجاهات؛ حيث دافعت عن تخفيضات الإنتاج لمنع الانخفاض الحر في الأسعار.
ورفض كبار منتجي النفط الآخرين، خاصة روسيا، التي كانت أقل تأثرا في فبراير/شباط، التجاوب من الخطط السعودية؛ خوفا من أن تفقد، على المدى الطويل، حصتها في السوق. وردت السعودية برفع إنتاج النفط إلى مستويات قياسية في مارس/آذار وأبريل/نيسان في حين قدمت خصومات كبيرة على خامها، وخاصة لعملاء روسيا في أوروبا. كانت الاستراتيجية، التي تسببت في انخفاض أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في 18 عاما، هي إقناع المنتجين الآخرين بالتفاوض وفقا للظروف السعودية. وبعد شهرين، نجحت.
في نهاية الأسبوع الماضي، استضافت الرياض اجتماعين حاسمين. الأول والأهم هو اجتماع "أوبك+"، والآخر هو اجتماع وزراء طاقة "مجموعة العشرين"، التي تتولى السعودية رئاستها هذا العام. بعد أيام عديدة وليال متأخرة من المحادثات، أنتج اجتماع "أوبك+" صفقة تاريخية لخفض الإنتاج بمقدار 9.7 ملايين برميل يوميا في مايو/أيار ويونيو/حزيران، وهو ترتيب أقره وزراء طاقة "مجموعة العشرين".
ومع ذلك، توصلت الرياض إلى الاتفاق عبر محادثات ثنائية أولية مع موسكو؛ أهم منافسيها والهدف الرئيسي للاستراتيجية السعودية. ويبدو أن الأمر تم بوساطة جزئية من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، الذي أصبح قلقا بشكل متزايد بشأن تأثير أسعار النفط المنخفضة على صناعة الطاقة في بلاده. (في الواقع وافق "ترامب" بشكل غير رسمي على ضمان تحميل المكسيك حصة من تخفيضات إنتاج النفط للحصول على الصفقة النهائية).
وافقت كل من روسيا والسعودية على خفض إنتاجها إلى 8.5 ملايين برميل في اليوم وهي حصة، ستعني بالنظر إلى خط الأساس لشهر فبراير/شباط، تخفيضات أكبر من قبل روسيا. كانت الرياض واثقة من أن الصفقة ستعقد قبل اجتماع "أوبك+"، ووجهت "صندوق الثروة السيادية"، "صندوق الاستثمار العام"، لشراء حصص بقيمة مليار دولار في 4 شركات نفط أوروبية كبرى: "إيني" الإيطالية و"رويال داتش شل" و"أكوينور" النرويجية و"توتال" الفرنسية. وكان الأساس المنطقي هو أن أسهم هذه الشركات، مثلها مثل النفط إلى حد كبير، سترتفع قيمتها بمجرد إضفاء الطابع الرسمي على الصفقة.
ومع ذلك، لم تتفاعل السوق بحماس كما كان متوقعا؛ حيث لا يزال خام برنت يكافح من أجل رفع السعر إلى 30 دولارا للبرميل. هناك عدة أسباب لذلك، اثنان منها حرجان. وسط ركود اقتصادي كامل، يرى محللو النفط أن التخفيضات المتفق عليها غير كافية مقارنة بانخفاض الطلب، حيث وصفت "JBC Energy" اتفاق "أوبك+" بأنه "مجرد لاصق على جرح مفتوح".
على الصعيد العالمي، من المرجح أن يستمر عرض النفط في تجاوز الطلب على النفط. إضافة إلى ذلك، فإن الامتثال لهذه الصفقات يمثل دائما مشكلة، ومن المرجح أن تغش البلدان خاصة في هذه الحالة؛ نظرا لأن بعض المنتجين ربما وافقوا على أكثر مما يمكنهم تقديمه. على سبيل المثال، ربما قال "ترامب" إن الولايات المتحدة ستخفض الإنتاج بمقدار 300 ألف برميل يوميا لتغطية المكسيك، لكن من غير الواضح ما إذا كان يمكنه تحقيق ذلك بالنظر إلى أن الشركات في النموذج الاقتصادي الأمريكي قاومت تقليديا أي تدخل حكومي.
قد تشعر الرياض الآن بالرضا بعد أن أكدت إرادتها وعززت ريادتها لسوق النفط العالمي. ولن تكون المملكة حزينة لإجبارها بعض منافسيها، بما في ذلك منتجي الغاز الصخري في الولايات المتحدة، على الاستجابة لرغبتها، ولإيصالها رسالة إلى موسكو بأن السياسة الروسية يجب أن تتماشى مع استراتيجية النفط السعودية في المستقبل.
لكن الحلقة لم تنته، والمخاطر لا تزال مرتفعة بالنسبة للسعودية. قد يكون هناك ثمن سياسي يجب دفعه. على سبيل المثال، بدأ انهيار قطاع الطاقة الأمريكي وهذا يؤثر على العلاقات الأمريكية السعودية. ضغط أعضاء الكونجرس بشدة على إدارة "ترامب"، وكتبوا عدة رسائل مفتوحة لحث ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" على إنهاء حرب أسعار النفط؛ بحجة أن العلاقات الأمريكية السعودية على المحك. حتى أن أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري قدموا مشروعي قانونين متتاليين يطالبان بإخراج القوات الأمريكية من الأراضي السعودية؛ بهدف وضع الرياض تحت ضغط في المفاوضات.
كان كل من "ترامب" ووزير الخارجية "مايك بومبيو" على اتصال مستمر مع السعوديين وتم تعيين مبعوث خاص للطاقة للاتصال بالرياض. قد تكون السعودية ثابرت إلى حد أن الولايات المتحدة انضمت إلى خفض الإنتاج المنسق، لكن هذه الحلقة تُضاف إلى قائمة الخلافات الكبيرة في العلاقات الأمريكية السعودية. في الواقع، من المرجح أن تبتعد الولايات المتحدة عن السعودية بشأن سلسلة من القضايا، خاصة إذا ظلت أسعار النفط منخفضة.
كان لحرب أسعار النفط تأثير على علاقات السعودية مع روسيا. إذ أنهت ما يقرب من 3 سنوات من التعاون السعودي الروسي في الجغرافيا السياسية للطاقة، التي عززت الحوار الثنائي الأوسع حول القضايا السياسية والاقتصادية. وبحسب ما ورد، أصبحت المناقشات بين وزير الاستثمار السعودية "خالد الفالح" ووزير الطاقة الروسي "ألكسندر نوفاك"، متوترة للغاية، حتى أنها أدت إلى توتر العلاقات بين كبار القادة .
ربما الأكثر أهمية، هو تأثير حرب أسعار النفط على جميع المنتجين الذين تعتمد ميزانياتهم على عائدات الطاقة خاصة أنهم يواجهون نفقات متزايدة للرعاية الصحية وحزم الإغاثة الاقتصادية بسبب "كورونا".
تعد السعودية نفسها في حالة تأهب، وتخطط للحصول على قروض ضخمة وخصخصة لأصول الدولة. وأعلنت الرياض في مارس/آذار أنها ستخفض الإنفاق الحكومي بمقدار 13.2 مليار دولار، أو ما يقرب من 5% من ميزانيتها لعام 2020. وأعدت خطط طوارئ لخفض النفقات بنسبة 20%. ومن ثم، سيفرض هذا الركود الاقتصادي الذي يبدو سيئا، المزيد من اجتماعات منظمة "أوبك" لبضعة أشهر. ومع ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت السعودية ستحتفظ بقدراتها القيادية أو ضغوطها في المجموعة التالية من المفاوضات.

المصدر | سينزيا بيانكو/المجلس الأوروبي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد