معضلة السياسة العراقية.. موازنة العلاقات بين السعودية وإيران

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 291
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 لم تكن العلاقات بين العراق والمملكة العربية السعودية دائما شفافة أو ودية. فبعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، نأت المملكة بنفسها دبلوماسيا عن العراق. وأدى الغزو في عهد "صدام حسين" إلى فرض عقوبات دولية على العراق، الأمر الذي أدى بدوره إلى تدهور كبير في العلاقات بين البلدين. وبعد أكثر من عقدين من الزمن، سعت القيادة السعودية إلى إحياء العلاقات السعودية العراقية، وتشجيع التجارة والاستثمار بين البلدين.
والتقى رئيس الوزراء العراقي "عادل عبدالمهدي" مع ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" في الرياض، ووقعا 13 اتفاقية، في 17 أبريل/نيسان، تضمنت بنودا لتبادل المعلومات الأمنية، وتعزيز التجارة الثنائية، وتعميق التعاون السياسي. وقبل زيارة "عبدالمهدي"، أعادت السعودية فتح قنصلية في العاصمة العراقية بغداد عام 2015، بعد انقطاع دام 25 عاما. ورافق الافتتاح الإعلان عن حزمة مساعدات بقيمة مليار دولار للعراق.
وتدعي الرياض أن تركيزها الآن ينصب على "روابط الدم والتاريخ والمصير المشترك" بين البلدين، بقصد تقديم بديل للنفوذ الإيراني في العراق. وقال "إبراهيم النحاس"، عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي، في مقابلة أجراها في أوائل شهر مايو/أيار: "نريد أن نساعد العراق على أن يكون دولة قوية". وتابع "النحاس" مذكرا بأن التقارب السعودي مع العراق "سيقلل من نفوذ إيران داخل العراق والمنطقة بأسرها".

سرد ديني جديد
وينقسم الإسلام، أكثر الديانات الحاضرة في السعودية والعراق وإيران، إلى فرعين رئيسيين، الإسلام السني، والإسلام الشيعي. ويلتزم غالبية المسلمين في إيران بمذهب الشيعة، بينما يتبع معظم المسلمين في السعودية الإسلام الوهابي، وهو تفسير أكثر صرامة من الإسلام السني، يعارض تعاليم الشيعة.
وخلال انتفاضة "القطيف" عام 1979 في السعودية، أدت المظاهرات المستوحاة من الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 إلى عنف طائفي بين الأقلية الشيعية والأغلبية السنية. ومنذ ذلك الحين، اعتبرت المملكة سكانها الشيعة متعاطفين مع إيران. وارتفعت التوترات السنية الشيعية في المنطقة مرة أخرى بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
ويمكن القول إن المملكة خففت من موقفها من الإسلام الشيعي بهدف تحسين التواصل مع العراق، الذي يضم أكبر عدد من السكان الشيعة في أي دولة عربية. ومن خلال تعزيز العلاقات مع العراق، يحاول القادة السعوديون الإشارة إلى أن مشكلتهم ليست مع الشيعة، ولكن مع إيران، التي تعتقد المملكة أنها تتدخل منذ فترة طويلة في الشؤون العربية.
وقد بدأ الموقف السعودي الجديد تجاه المسلمين الشيعة يأخذ شكل الجدية عام 2017، عندما زار رجل الدين الشيعي العراقي المؤثر "مقتدى الصدر"، الذي يشكل مؤيدوه أكبر كتلة في البرلمان العراقي، مدينة جدة السعودية، والتقى ولي العهد السعودي. وتم اعتبار الزيارة علامة على انفتاح العراقيين الشيعة على التعاون مع الرياض، وهو ما لعب دورا في تحسين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
كما تخطط الرياض لافتتاح قنصلية في مدينة "النجف" العراقية، وهي مدينة مقدسة ومركز روحي للإسلام الشيعي، تقع على بعد نحو 100 ميل جنوب بغداد. وقد تؤدي هذه الخطوة إلى توجيه السكان السعوديين الشيعة إلى اعتبار النجف مهدا للسلطة الدينية، على عكس رجال الدين الشيعة في إيران الذين يسمتدون سلطتهم من المركز الشيعي في مدينة قم الإيرانية. أما عن رجال الدين السنة، المدعومين من الحكومة السعودية، والمعروف عنهم دعواتهم بطرد الشيعة واتهامهم بالزندقة، فإما التزموا الصمت، أو تخلوا علنا عن مواقفهم السابقة. ويعد هذا التطور مهما لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يتصاعد العنف الطائفي في العراق وسوريا واليمن.
وتحاول المملكة الحصول على دعم العراق من خلال التغاضي عن الانقسامات الطائفية، ومداعبة الهوية العربية المشتركة، على الرغم من أن العراق ما زال يفضل علاقة أكثر توازنا مع كل من السعودية وإيران.

كبح نفوذ إيران في المنطقة
وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، زادت شعبية إيران في العراق بشكل مطرد في العقد الذي تلا ذلك؛ بفضل نفوذها السياسي والاقتصادي الواسع في البلاد. واستخدمت طهران استراتيجية متعددة الجوانب، لعبت على التوترات الطائفية في المنطقة. وبينما هاجم تنظيم القاعدة "القاعدة" السكان الشيعة، الذين يشكلون غالبية مسلمي العراق، دعمت إيران الجماعات المسلحة التابعة للشيعة، وجعلت نفسها حامية لمصالح الشيعة.
وسمح هذا لطهران بدفع حلفائها ووكلائها للمشاركة في الانتخابات المحلية للسيطرة على مؤسسات الدولة. وتم تعزيز هذه المكاسب بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011. وازداد نفوذ إيران السياسي عندما حصل التحالف السياسي الذي تدعمه على ثاني أعلى عدد من المقاعد في مجلس النواب العراقي عام 2018 وبعد أن لعبت الميليشيات الإيرانية دورا هاما في طرد تنظيم الدولة من المنطقة.
وبسبب اعتمادهم الاقتصادي على إيران، يحرص قادة العراق على الحفاظ على علاقات وثيقة مع جارتهم الفارسية. وخلال زيارة الرئيس الإيراني "حسن روحاني" التي استمرت 3 أيام لبغداد، في مارس/آذار، وقع البلدان اتفاقات في التجارة والنقل، من المتوقع أن تعزز التجارة الثنائية من 12 مليار دولار إلى 20 مليار دولار في غضون العامين المقبلين. وصرح "روحاني" خلال زيارته قائلا: "أشعر حين أكون في العراق كأني في بلدي. وهذا رابط لا يمكن إضعافه، ونحن حريصون دائما على جعله أقوى". وقد رأت واشنطن الاتفاقية التجارية مع إيران باعتبارها تقويضا للسيادة العراقية، حيث اتهم وزير الخارجية "مايك بومبيو" إيران بتحويل العراق إلى "دولة فاسدة".
ويعتمد العراق اعتمادا كبيرا على واردات الطاقة من إيران، ويعتزم مواصلة شراء الطاقة من طهران، على الرغم من انتهاء إعفاءات واشنطن لمشتري النفط الإيراني. وفرضت الولايات المتحدة العقوبات في نوفمبر/تشرين الثاني على صادرات النفط الإيراني، بعد أن تخلى "دونالد ترامب" عن الاتفاق النووي لعام 2015 بين إيران والقوى العالمية. وكانت الإعفاءات الأولية قد منحت العراق نافذة مدتها 6 أشهر لمواصلة استيراد النفط الخام بكميات منخفضة دون تكبد عقوبات.
وتبحث السعودية عن طريقة لتنويع تجارة الطاقة مع العراق بعيدا عن إيران، وقد وفرت العقوبات الأمريكية الفرصة المناسبة للقيام بذلك. ويعتزم العراق استعادة المجد السابق لاقتصاده الذي مزقته الحرب، وأن يصبح ثالث أكبر منتج للنفط الخام بحلول عام 2030. ومن ناحية أخرى، يمثل العراق سوقا غير مستغل للاستثمار السعودي. ونتيجة لذلك، عرضت المملكة بيع الكهرباء إلى بغداد بأقل من الأسعار الإيرانية. ويعد هذا مهما بالنسبة للعراق؛ لأن إيران قطعت الطاقة الكهربائية عن العراق في عام 2018 بسبب فشلها في سداد ملياري دولار مستحقة مقابل واردات الطاقة. وقد تعمل السعودية كثقل موازٍ في هذا الصدد، مما يمكّن العراق من أن يكون أقل اعتمادا على طهران في واردات الطاقة، مع تجنب الاحتكاك مع الولايات المتحدة.
وقد حسنت زيارة رئيس الوزراء "عبدالمهدي" للمملكة، واستثمارات السعودية المتعهد بها في العراق، من العلاقات بين البلدين. وعلى الرغم من أن التوترات بين إيران والسعودية من المحتمل أن تستمر، إلا أن موازنة العراق لعلاقاته بالقوتين الإقليميتين يعد أفضل خيار له في الوقت الحالي، في حين يضع قادة البلاد حجر الأساس لعراق جديد يصبح وسيطا إقليميا في المستقبل.


المصدر | إنسايد أرابيا