احتجاز جمال خاشقجي رِسالَةٌ سُعوديّةٌ مُزدَوجَةٌ لإهانَة تركيا وإرهاب المُعارِضين في الخارِج..

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 191
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ما هُمَا الخَطآن اللَّذان ارتَكبهُما وأدّيا لوُقوعِه في المِصيَدة بهَذِه السُّهولة؟ وهَل جَرى نَقله إلى الرِّياض فِعلًا؟ وإذا كان ما زالَ مُحتَجزًا هل ستَقتحِم القُوّات التركيّة القُنصليّة على الطَّريقةِ الإيرانيّة؟

 تتضارَب الأنباء حول قِصّة اختفاء الكاتب والصحافي السعودي جمال خاشقجي، فبَينَما يُؤكِّد مَسؤولون في الحُكومة التركيّة أنّه ما زالَ داخِل القُنصليّة السعوديّة في إسطنبول، تُرَجِّح تقارير إخباريّة أُخرَى أنّ كاميرات التَّصوير المُحيطَة بالقنصليّة تُؤكِّد مُغادَرته إلى مَكانٍ مجهول، غير مُستَبعدةٍ اختطافه، ومَن ثَمّ نقله على طائِرةٍ إلى الرياض.

بقاء الزميل خاشقجي في قُنصليّة بِلاده في إسطنبول التي تُعتَبر أرض خاضِعة للسِّيادة السعوديّة، حسب مُعاهَدة فيينا بشَأن العمل الدبلوماسيّ، سيَكون بمَثابَة العُقوبة له، وقد يتحوّل حاله إلى حال جوليان أسانج، مسؤول موقع “ويكيليكس” الذي لَجَأ إلى سفارة الإكوادور في لندن كلاجِئٍ ويُقيم فيها مُنذ 19 حزيران (يونيو) 2012، مع فارِقٍ أساسيٍّ وهو أنّ السيّد خاشقجي سَيكون في وضعيّة المُعتَقل لفَترةٍ قد تَطول أو تَقْصُر، حسب المُفاوضات بين الحُكومتين السعوديّة والتركيّة، وربّما لن يكون مُفاجِئًا إذا ما أقدَمت قُوّات أمن تركيّة على اقتحام القُنصليّة، أو السَّماحِ بمُتظاهِرين للقِيام بهَذهِ المُهِمَّة على الطَّريقةِ الإيرانيّة.

أمّا إذا كان السيد خاشقجي قد غادَر إسطنبول مُختَطَفًا، وربّما مُخدَّرًا، على غِرار ما حدث مع عِدّة أُمَراء شقّوا عصَا الطاعة على حُكومَتهم، مِثل سلطان بن تركي (جنيف)، وسعود سيف النصر (الرباط)، وتركي بن بندر (باريس)، فإنّه سيُواجِه عُقوبَة السَّجن، وربّما الإعدام، والتُّهُم جاهِزة وقد يكون على رأسِها الإرهاب مِثل ما حدث مع المحلل الاقتصادي عصام الزامل التي جرى توجيه التُّهمَة نفسها له، إلى جانب الانتماء إلى حركة “الإخوان المسلمين” والاتِّصال بسفاراتٍ أجنبيّةٍ، وكُل ذنبه أنّه عارَض بَيع حِصّة في شركة أرامكو النِّفطيّة.

الأمر المُؤكَّد أنّ الزميل خاشقجي لن يُقيم في فندق “الريتز” مِثله مِثل رئيسه السَّابِق الأمير الوليد بن طلال، الذي عيّنه مُديرًا عامًّا لتلفزيون “العرب” قبل إغلاقِه رسميًّا بعد بثّه لساعاتٍ مَعدودةٍ مِن المَنامة، وسجن الحائِر الرَّهيب ربّما يَكون هو الأكثَر تَرجيحًا جَنْبًا إلى جنب مع العَشَرات مِن المُعتَقلين السِّياسيّين ورِجال الدِّين.

السيد جمال خاشقجي لم يَكُن مُعارِضًا للأُسرةِ الحاكِمة السعوديّة أُسوَةً بمُعارِضين آخرين مِثل الدكتورين سعد الفقيه ومحمد المسعري، يُطالِبون بإسقاط الأُسرة الحاكِمة، وكُل مطالبه كانَت محصورة في الإصلاح السياسي، والديمقراطيّة، واحترام حُقوق الإنسان، وعَمِل مُستشارًا للأمير تركي الفيصل، رئيس جهاز المُخابرات السعوديّة السابق في سَفارتيّ المملكة في لندن وواشنطن، مِثلَما عمل رئيسًا للتحرير في أكثَر مِن صحيفة سعوديّة مِثل صحيفة “الوطن” التي تَصدُر من أبها، ولكنّه لم يُعَمِّر فيها طَويلًا بسبب تَوجُّهات ليبراليّة، وغَضَب أحَد الأجنِحَة داخِل الأُسرَة مِن مَواقِفِه السِّياسيّة.

لم يتطاوَل السيد خاشقجي في مَقالاتِه أو مُقابَلاتِه التلفزيونيّة على الأُسرةِ الحاكِمَة، وكان يُخاطِب العاهل السعودي الملك سلمان ونَجلِه وليّ العهد بكُل أدبٍ ومَسؤوليّة، ويَحْصُر مُعظَم انتقاداتِه في انخفاض سَقف الحُريّات وتَزايُد الاعتقالات، وانتشار الفَساد، واتّساع دائِرة القَمع، وتَحْذيره مِن خُطورَةِ هَذهِ السِّياسيات والمُمارَسات على الأُسرةِ الحاكِمَة.

السيد خاشقجي ارتَكَب خَطَأين رئيسيّين: الأوّل عندما لم يُدرِك أنّ الأمير محمد بن سلمان، الحاكِم الفِعلي للبِلاد لا يَقبَل الحُلول الوَسَط، أو المَواقِف المُحايِدة، ويتبع نظريّة الرئيس جورج بوش الابن التي تقول مَن ليس معنا فهو ضِدّنا، وليس هُناك أي خيار أمام المواطن السعودي، مهما عَلا شأنه غير السَّمع والطَّاعة والبَيعة لأُولي الأمر، أمّا الخَطأ الثاني فيتمثّل في ذِهابِه إلى القُنصليّة السعوديّة في إسطنبول وهو الذي يَعرِف مَخاطِر هَذهِ الخُطوة، مُسَلِّمًا نفسه للسُّلطات السعوديّة، ولأسبابٍ غير مُلِحَّةٍ مِثل التَّصديق على وثيقة طَلاقٍ بِما يسمح له بالزَّواج مِن خطيبته التركيّة خديجة وِفْقًا للقَوانين التركيّة.

الأمير محمد بن سلمان أهان تركيا والرئيس رجب طيّب أردوغان الذي تَربِطه علاقة خاصّة بالسيد خاشقجي، و”الإخوان المسلمين”، وربّما تَعمَّد نَصبَ هَذهِ المِصيَدة لإحراجِه، وتوجيه رسالة إلى كُل المُعارِضين السُّعوديّين مِن خِلالها، مَفادُها أنّهم ليسُوا في مَأمَنٍ وأنّ يَد الخَطْف، وربّما الاغتيال، سَوفَ تَصِل إليْهِم.

الزميل الخاشقجي حاوَلَ أكثَر من مرّةٍ في مُقابلاتِه التلفزيونيّة مع قَنواتٍ ناطِقةٍ بالعربيّة اتّباع لهجةٍ “تصالحيّةٍ” مع الحُكومة السعوديّة، والأمير محمد بن سلمان خُصوصًا، ولكن هَذهِ المُحاولات لم تَجِد آذانًا صاغِيةً، والسَّبب الأبْرَز في رأينا هو علاقته القَويّة مع دولة قطر، وانخراطِه في مُفاوضات مع قيادتها لنَقل مقر محطّة “العرب” التلفزيونيّة إلى الدوحة، واستمرارِه في الظُّهور على قناة “الجزيرة” بشقّيها النَّاطِق بالعربيّة والإنكليزيّة، وهِي المَحطّة التي يَحتَل إغلاقها قمّة مطالب الدُّوَل الأرْبَع المُقاطِعة لدَولَة قطر.

احتجاز الزميل الخاشقجي أو اختطافِه ونَقلِه إلى الرياض عَمَلٌ مُدانٌ، ويُشَكِّل انتِهاكًا لحُقوق الإنسان، وسيُلحِق ضَررًا كبيرًا بالمملكة العربيّة السعوديّة وصُورَتها في العالم، في وَقتٍ تُواجِه فيه انتقاداتً واسِعةً عَربيًّا ودوليًّا بسبب حَربِها في اليمن، وما تُسبّبه مِن قَتْلٍ لآلاف اليَمنيين، وتجويع المَلايين، واعتقال العَديد مِن النَّاشِطين والدُّعاة، والزَّجْ بِهِم في السُّجون دُونَ مُحاكَماتٍ عادِلَةٍ.

نتضامَن في هَذهِ الصحيفة “رأي اليوم” مع الزميل جمال خاشقجي، وكُل مُعتَقلي الرأي في المملكة وكُل الدُّوَل العربيّةِ الأُخرى، ونَقِف في خندق المُطالبين بالإفراجِ عنه، سَواء كانَ مُحتَجزًا في القُنصليّة السعوديّة في إسطنبول، أو في أحَد السُّجون السعوديّة، فالرَّجُل قَدّم الكَثير لبِلاده، ويُعتَبر واحِد مِن أهَم الإعلاميّين العَرب، رُغمَ اختلافِنا مع بَعضِ آرائِه ومَواقِفِه.

 

“رأي اليوم”