أميركا تستحثّ التطبيع: ضمانات للسعودية... وجوائز ترضية لإسرائيل

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 238
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ماذا يعني إعلان كل من وزيري خارجية الولايات المتحدة، أنتوني بلينكن، والسعودية، فيصل بن فرحان، أن المفاوضات حول الاتفاق الأمني السعودي - الأميركي صارت «شبه مكتملة»؟ معروف أن السعودية تشترط توقيع ذلك الاتفاق الذي يعتبره ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، «بوليصة تأمين» على الحياة لنظامه المهدّد دائماً، من الداخل أكثر من الخارج، ولو سعى إلى تصوير العكس، للقبول بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. لكن بعد عملية «طوفان الأقصى» والعدوان الوحشي على قطاع غزة، أُضيف شرطان آخران لا يستطيع النظام السعودي راهناً التوقيع من دونهما، بسبب الإحراج، الأول هو وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والثاني ما سمّاه الوزير الأميركي «مساراً موثوقاً به لإقامة دولة فلسطينية». وإذا كان الشرط الأول واجب التنفيذ، لتمرير التوقيع، فإن الثاني يمكن لإسرائيل التملّص منه، مثلما تملّصت من اتفاق بحجم «أوسلو».بعض ما يجعل التوصل إلى ترتيبات من هذا النوع، أي إلى الاتفاقين الأمني والتطبيعي معاً، ممكناً، نجم عن «طوفان الأقصى» نفسه، الذي يسعى الطرفان الأميركي والسعودي إلى تحويل جانب من تداعياته، على الأقل، إلى «فرصة». فمن جملة ما أكّدته نتائج «7 أكتوبر» أن إسرائيل لا تستطيع الدفاع عن نفسها بمفردها، وهي بحاجة ليس إلى قوات وأساطيل وصواريخ أميركية فحسب، وإنما إلى تحالف سياسي وعسكري غربي كامل يتولّى هذه المهمة، وفقاً لما ظهّرته «ليلة الصواريخ والمسيّرات» الإيرانية. يعني ذلك أن النظرية التي روّجت لانسحاب أميركا عسكرياً من الشرق الأوسط، أو حتى تخفيف الانتشار فيه، سقطت، وأن ثمة حاجة أكيدة إلى إبقاء تلك القوات، إن لم يكن حتى تعزيزها، لضمان المصالح الأميركية، وأن ما هو ضروري لانسحاب من هذا النوع غير متوافر نهائياً، وأحد أبرز مكوّناته اتفاق أميركي نهائي مع إيران. فكيف إذا أضفنا إلى ما تقدّم، أن أعداء أميركا أنفسهم كالصين وروسيا، استغلّوا ما روّج عن الانسحاب المذكور لطرح بدائل على دول المنطقة، ولا سيما الخليجية، تبدأ بالاتفاقات التجارية، ومحاولة استبدال عملات التجارة، ولا تنتهي بالصناعات العسكرية؟ في هذا السياق، جاء الاتفاق السعودي - الإيراني برعاية الصين، وكل الحديث عن مشاريع لإقامة مصانع صواريخ في السعودية بمساعدة الصين.

لكن الإعلان السعودي - الأميركي الجديد، والذي جاء على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي واجتماعات متعدّدة حول غزة في الرياض، كان موجّهاً في الأساس إلى إسرائيل، التي يتوقّف الأمر على حكومتها ورئيسها، بنيامين نتنياهو. فكل تلك «المغريات» قد لا تعني شيئاً للأخير، الذي سبق له أن أسقط عروضاً مثلها قبل «7 أكتوبر» وبعده، وكاد أن يفلت باتفاق تطبيع مع الرياض «مجاناً» لولا أن داهمهما «طوفان الأقصى». وغالبية الظن أن نتنياهو ما زال عند موقفه هذا، ما دام وضعه الداخلي متماسكاً. إذ إن حكومته لا تستطيع حتى أميركا إسقاطها، وضغط الشارع لإعادة الأسرى ما زال مقتصراً على ذويهم وبعض المؤيدين لهم، أو بالأصح المعارضين له. وحتى المعارضة خارج الحكومة، وتلك التي انضمت إلى مجلس الحرب، والتي تقول إنها تريد إعطاء ملف الأسرى الأولوية على ما عداه، لم تفعل ما يسند قولها هذا، عبر دعوة جماهيرها إلى الانضمام لحراك ذوي الأسرى، وبالتالي فإن كلامها يأتي ضمن البازار السياسي الذي تريد عبره كسب شعبية على جانبي الطيف الإسرائيلي.
ثمة فرصة وحيدة للتوصل إلى الاتفاقين الأمني والتطبيعي، هي نضوج ظروف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار مع حركة «حماس»، بمعزل عن السعودية، فلا يعود يضير إسرائيل أن توظّفه في اتفاق تطبيع مع المملكة، لأنه سيكون في هذه الحالة «مجانياً» أيضاً من حيث الثمن الإسرائيلي المقابل. غير ذلك، لا يبدو قادة إسرائيل مستعدين لاتفاق مع السعودية يُروَّج له باعتباره «جائزة كبرى» لهم، مقابل مجرّد وقف لإطلاق النار. يتصرّف هؤلاء على أن المملكة مثل الزوجة التي تسعى إلى تحسين ظروف حياتها في بيت الزوجية، ولكن ليس لها بديل من زوجها حتى إذا لم يعطِها ما تطلب، بمعنى أن السعودية يمكن أن تقبل في النهاية بالتطبيع مقابل الضمانات الأميركية فقط، ومن دون أي تنازل من العدو. وما اعتدنا عليه في كل ما يتعلّق بالشرق الأوسط، هو أن ما يفعله الأميركيون، مجرّد مناورات لتحقيق كامل الشروط الإسرائيلية، وإنما عبر طرق التفافية لا يعرفها الإسرائيليون، ولا سيما أن الانتخابات الرئاسية والنصفية للكونغرس ستجري في الخامس من تشرين الثاني المقبل، حيث لا يستطيع الساسة الأميركيون إغضاب إسرائيل.
مضمون اتفاق الترتيبات الأمنية نفسه، والذي يجري بحثه بين واشنطن والرياض، ما زال غير واضح تماماً، وإن كان قد سُرّب أن الثانية تريد معاهدة دفاعية مع الأولى، من النوع القائم مع كوريا الجنوبية واليابان، ما دام أنه غير ممكن إقامة اتفاق يرتقي إلى إلزام أميركا بأمن السعودية، كذلك الذي يُلزمها بأمن دول حلف «الناتو»، وفقاً للمادة الخامسة من نظام الحلف، بالإضافة إلى بيعها أسلحة متطوّرة، ومساعدتها في إقامة برنامج نووي سلمي. وبغض النظر عما سيتضمّنه الاتفاق في النهاية، فإن تلك التفاصيل ليست من النوع غير القابل للحل، فما يهم ابن سلمان هو أن حماية إسرائيل تحتّم بقاء القوات الأميركية في الشرق الأوسط. وما دام الأمر كما تقدّم، فإن رهانه هو أن الولايات المتحدة لن تمانع اتفاقاً أمنياً يُلزمها حماية نظامه ضد أعدائه الداخليين، بل ويكفيه هنا أن يؤدي الاتفاق إلى تبنّي واشنطن الكامل لنظامه في مواجهة هؤلاء الأعداء. أما بالنسبة إلى الأعداء الخارجيين، وهم عبارة عن صورة كان النظام قد صنعها بنفسه لشد العصب الداخلي، فلن تتورّط أميركا في حروب من أجل النظام السعودي. وبالتالي، ما يفيده، في هذا المجال، الاتفاق الذي توصل إليه مع إيران برعاية الصين، التي ستواصل، من جهتها، محاولة تعزيز حضورها في المنطقة، من هذه البوابة وغيرها.