الصين تعمل بهدوء على إصلاح الانقسام التركي الخليجي

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 247
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

يبدو أن الانفراجة الأخيرة في العلاقات بين تركيا ودول الخليج كانت مفيدة للاعب غير متوقع وهو الصين التي لديها الآن القدرة على لعب دور فعال في تطوير العلاقات التركية الخليجية.

ونظرًا لموقعها في النظام الدولي وقدرتها على تقديم بدائل جديدة لدول المنطقة، فقد جرى التركيز على الصين في أي تحليل حول ديناميكيات الشرق الأوسط، لا سيما في الوقت الذي يتم فيه اختبار الإطار الأساسي للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط.

وبينما لعبت الولايات المتحدة دورًا حاسمًا في الأزمة الخليجية عام 2017، والتي أثرت على العلاقات التركية الخليجية، امتنعت الصين، وهي لاعب عالمي آخر له مصالح كبيرة في المنطقة، عن التدخل في هذا النزاع.

ومن خلال عرض العمل كوسيط، في الأزمة، وضعت الصين نفسها على كطرف خارجي محايد يمكن لجميع الأطراف الاستفادة من التفاعل معه. ومع ذلك، فإن السياسات الحازمة لأمريكا في المنطقة وانخراطها العميق في الأزمات الإقليمية أثرت سلبًا على المصالح الاقتصادية والأمنية للصين في الشرق الأوسط.

ومن أجل الحفاظ على مصالحها، بدأت بكين في تعميق علاقاتها مع تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، وكلهم حلفاء تقليديون للولايات المتحدة.

ومع بدء جهود التقارب بين تركيا ودول الخليج، شرع وزير الخارجية الصيني "وانج يي" في جولة شملت 6 دول في الشرق الأوسط في نهاية مارس/آذار بهدف توسيع دائرة النفوذ الصيني في هذه الدول وتعزيز التزام بكين تجاه واستقرار المنطقة وأمنها.

وشملت الزيارة تركيا وإيران و4 دول من دول مجلس التعاون الخليجي وهي السعودية والإمارات والبحرين وعمان. وتلعب كل هذه الدول دورًا مهمًا في المصالح الاقتصادية الدولية للصين، بما في ذلك "مبادرة الحزام والطريق"، ويعتبر استقرار العلاقات بين هذه الدول ضرورة للمصالح الصينية.

كانت الزيارة مهمة من حيث توقيتها ومن حيث الرسائل التي نقلتها، فضلاً عن آفاق الدور المستقبلي للصين في العلاقات التركية الخليجية.

 

التوقيت والسياقات الدولية

ومن المثير للاهتمام أن توقيت الزيارة تزامن مع الأشهر القليلة الأولى لدخول "جو بايدن" البيت الأبيض وبداية مناخ المصالحة في المنطقة. وقد أوضحت الإدارة الأمريكية الجديدة أنها ستعطي الأولوية لآسيا وفيما ستدفع باتجاه الدبلوماسية في الشرق الأوسط على عكس الإدارة السابقة التي عمقت التزاماتها بالشراكات التاريخية في المنطقة.

وقد أرسل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إشارة إلى دول المنطقة مفادها أن الولايات المتحدة تنفصل عن الصراعات الإقليمية لأنها تتجه نحو آسيا. من ناحية أخرى، أظهرت الصين وجودها بشكل متزايد في المنطقة، وكانت جولة "وانج" في عواصم المنطقة مؤشرًا واضحًا في هذا الاتجاه.

وسيكون من المبالغة القول بأن الصين ستملأ مكان أمريكا. ومع ذلك، من الآمن القول إن تراجع مكانة أمريكا في المنطقة، بالإضافة إلى علاقات واشنطن المتوترة مع تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، قد خلق فرصة للصين لتطوير علاقة متعددة الأوجه مع تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي.

وتوفر بكين لكل من تركيا ودول الخليج فرصة لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في المنطقة. وتشير ردود الفعل الإيجابية من جانب تركيا ودول الخليج تجاه التواصل الصيني إلى تغيرات مهمة في سياسات تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي لتوسيع نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي.

ومع ذلك، فإن التركيز على التفسيرات التي تتمحور حول الولايات المتحدة هو نهج أحادي الجانب، في ظل الطبيعة متعددة الأوجه للعلاقات الصينية مع تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت كل من تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي في تنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع بكين. وكانت شراكات الصين مع تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي ذات مستويات مختلفة وفقًا لأهمية الدولة. على سبيل المثال، في حين أن بكين لديها "شراكات استراتيجية شاملة" مع السعودية والإمارات، فإن لديها "تعاون استراتيجي" مع تركيا و "شراكات استراتيجية" مع قطر والكويت وعمان، وكل تصنيف ينقل العلاقة إلى مستوى مختلفًا من الأهمية.

وفي حين تعتبر السعودية والإمارات دولتين مهمتين سياسياً واقتصادياً لشبكة الصين العالمية، فإن تركيا تعد دولة مركزية تعمل كجسر للمصالح الصينية.

 

الأدوات والأدوار

أطلقت الصين في عام 2013، مبادرة "الحزام والطريق" الطموحة لربط العالم، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا. وبالنسبة للصين، تقف كل من تركيا ودول الخليج عند مفترق طرق حيوي لتوسع مبادرة الحزام والطريق.

إن موقع تركيا الاستراتيجي بين أوروبا وآسيا ومكانتها في الشرق الأوسط يمنحها دورا خاصا في إطار مبادرة الحزام والطريق، مما يوفر مستوى جديدًا من المشاركة في العلاقات التركية الصينية، فيما يعتبر الخليج، الذي يزود الصين بالطاقة، نقطة محورية لمصالح الصين الاستراتيجية بما يتماشى مع مبادرة الحزام والطريق.

وتحاول تركيا الاستفادة من الاستثمارات الصينية الضخمة كما أطلقت مبادرة "آسيا من جديد" لتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية مع الصين ودول آسيوية أخرى. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن مبادرة الحزام والطريق تتداخل مع خطط "الرؤية" الإستراتيجية الخاصة بها. وبالتالي، يمكن أن تصبح المبادرة أداة مهمة في تحسين العلاقات التركية الخليجية، بشكل غير مباشر.

ومع ذلك، فإن الاقتصاد ليس الأداة الوحيدة التي يمكن للصين استخدامها في العلاقات بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي؛ فالوساطة والدبلوماسية هي أدوات أخرى.

وخلال جولته في المنطقة، أعلن وزير الخارجية الصيني عن مبادرة من 5 نقاط للاستقرار الإقليمي. وبالرغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تطلق فيها بكين مثل هذه المبادرات، فإن الاقتراح الأخير  يشمل مسارح صراعات مختلفة مثل سوريا وليبيا واليمن، والتي تدعم فيها تركيا ودول الخليج أطرافًا متعارضة.

وعلى عكس المبادرات السابقة التي ركزت في الغالب على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كشف "وانج" أيضًا عن اقتراحات ملموسة لإدارة التوترات في الخليج، وعن نية الصين استضافة "مؤتمر حوار متعدد الأطراف" للمساعدة في بناء الثقة. وكانت الصين قد اتخذت موقفًا محايدًا في نزاع الخليج 2017-2021 لأن جميع الأطراف المعنية كانت شركاء اقتصاديين. ومع ذلك، يبدو أن بكين خلصت في نهاية المطاف إلى أن النزاع لن يحافظ على مصالحها على المدى الطويل.

ونتيجة لذلك، كانت هناك تقارير تفيد بأن بكين عقدت اجتماعات سرية بين دبلوماسيين قطريين وإماراتيين. حتى أن "وانج" استقبل كبار المسؤولين القطريين والإماراتيين في عام 2017، مما أثار احتمالات زيادة الدور الصيني في التوسط لإنهاء الأزمة الخليجية. 

وتقدر كل من تركيا ودول الخليج سياسة بكين المتمثلة في عدم التدخل الصارم في شؤونها الداخلية، على عكس واشنطن. وتخفف الشراكة التي تتمتع بها الصين مع كل من تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي الضغط السياسي من أجل الإصلاح في هذه البلدان، على عكس الولايات المتحدة التي كانت تحثهم على "الإصلاحات" السياسية والاقتصادية.

وتنظر كل من دول الخليج (التي تشرع في رؤى التنويع) وتركيا (التي تكافح للتغلب على أزماتها الاقتصادية) إلى الصين كمصدر مهم للدعم السياسي في النظام الدولي، في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطًا غربية متزايدة بشأن القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية.

وفي ضوء السياسة الأمريكية الجديدة، تولي بكين اهتمامًا خاصًا للعلاقات المستقرة بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي من أجل تحقيق أهدافها طويلة المدى في المنطقة. وبالرغم من صعوبة تحديد ما إذا كانت بكين ستصبح ضامنًا أمنيًا رئيسيًا في المنطقة، يبدو من المرجح أن المخاوف الاقتصادية والسياسية ستدفع بكين باتجاه تخفيف الخصومات الإقليمية المستقبلية، بما في ذلك تلك بين تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، بدلاً من استغلالها.

 

المصدر | سينيم جنكيز - منتدى الخليج الدولي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد