السعودية والإمارات.. هل تبتعدان استراتيجيا عن أزمة أفغانستان؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 997
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

وصلت الأزمة في أفغانستان خلال الشهر الماضي، إلى منعطف حرج حيث مضت الولايات المتحدة في انسحابها المخطط من البلاد لإنهاء حرب استمرت 20 عامًا. وفي غضون ذلك، زادت كابل من حدة الموقف ضد جارتها باكستان بسبب دعم إسلام أباد القوي لطالبان، سواء على طاولة المفاوضات في الدوحة أو في ساحة المعركة.

وخلال الأسبوع الماضي، تشاجر رئيس أفغانستان "أشرف غني"، مع رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" أثناء حضوره مؤتمرًا في طشقند، أوزبكستان، حول توسيع التجارة والربط بين دول جنوب ووسط آسيا.

ومع هذه الحرب الكلامية بين الجارتين، حافظت دولتان مهمتان تاريخياً حول هذا الصراع كانتا تحضران المؤتمر أيضًا هما السعودية والإمارات على مسافة بعيدة عن هذه التطورات.

حافظت كل من الرياض وأبوظبي، اللتين تربطهما علاقات تاريخية مع أفغانستان وباكستان على حد سواء، بما في ذلك مع طالبان، على مسافة نسبية من المفاوضات التي بدأت في عام 2018 في الدوحة، قطر.

وقد حافظت الإمارات على وجود عسكري صغير في أفغانستان منذ عام 2003 على هامش الغزو الأمريكي بعد 11 سبتمبر/أيلول ورواية واشنطن "للحرب على الإرهاب".

كانت السعودية تنظر إلى أفغانستان من منظور ديني قوي، وتحديداً من منظور نفوذ الرياض الكبير في باكستان ومحاولات توسيعه في أفغانستان.

في عام 2012، كانت السعودية تتطلع إلى توسيع تمويلها للمؤسسات الإسلامية في أفغانستان لترك بصمة أقوى في البلاد حيث استقرت تحت مظلة الأمن الأمريكية.

تاريخيًا، كانت منطقة الخليج مزودًا مهمًا لكل من الموارد المالية والبشرية للمجاهدين الذين يقاتلون في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي بين عامي 1980 و1989، عندما انسحبت موسكو أخيرًا من منطقة نهر جيحون. ووفقا للصحفي الباكستاني "أحمد راشد" في كتابه بعنوان "طالبان"، فقد قدّم السعوديون ما يقرب من "4 مليارات دولار أمريكي من المساعدات للمجاهدين بين عامي 1980 و1990، والتي لم تشمل المساعدات غير الرسمية من المؤسسات الإسلامية والجمعيات الخيرية والصناديق الخاصة للأمراء، و مجموعات المساجد".

ويعد خبراء آخرون، مثل "توماس هيجهامر" أكثر تشككًا في مثل هذه الادعاءات بسبب نقص التوثيق وعدم حفظ السجلات. ومع ذلك، بخلاف الحواجز المنهجية، يشير "هيجهامر" إلى أن الدولة السعودية كانت تقدم إعانات على تذاكر الطيران المخصصة لعمال الإغاثة، وهو نظام تم الاستفادة منه أيضًا من قبل أولئك الذين تمولهم الجمعيات الخيرية الخاصة والمساجد وما إلى ذلك للانضمام إلى صفوف المجاهدين.

ومع ذلك، في عام 2021، تعد الأمور مختلفة جدًا في الخليج. يأتي غياب السعودية والإمارات وغيرهما في المنطقة بشأن أفغانستان من تحولات أساسية معينة تحدث في الشرق الأوسط تشغل اليوم القيادات في الرياض وأبوظبي. على مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت الإمارات مركزًا ماليًا رئيسيًا في المنطقة، وجذبت كميات هائلة من التجارة والأعمال والاستثمارات من جميع أنحاء العالم، وهي تموضع نفسها على أنها "سنغافورة الشرق الأوسط". كان من الأهمية بمكان بالنسبة لدولة الإمارات أن تبتعد عن كونها اقتصادًا يعتمد على النفط وتنوع محفظتها الاقتصادية للاستعداد لاقتصاد عالمي سريع التطور ونظام سياسي.

وتتطلع السعودية الآن إلى النجاحات التي حققتها الإمارات في هذا المجال تحت رعاية الملك المنتظر المثير للجدل في كثير من الأحيان، ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان"، الذي بدأ إصلاحات أساسية وحاسمة وصعبة في المملكة لتنويع اقتصادها من اقتصاد يعتمد حصريًا على النفط.

لا ينطوي مسار "الانفتاح" في السعودية على التحرير الاقتصادي فقط، ولكن ربما يكون الأهم من ذلك هو إعادة التوجيه الاجتماعي والديني أيضًا. لا تتوافق مثل هذه الاضطرابات في هياكل الدولة التقليدية مع مواقفها الجيوسياسية السابقة تجاه المجاهدين الذين يقاتلون في أماكن مثل أفغانستان، أو حتى علاقاتها مع باكستان، والتي تغيرت بشكل جذري منذ أن أصبح "محمد بن سلمان" القائد الفعلي في الرياض.

ولتوضيح ذلك، اتخذت دولة الإمارات بقيادة الأمير "محمد بن زايد" موقفًا عدوانيًا ضد الامتداد الأيديولوجي لـ"الإخوان المسلمون"، وهي حركة إسلامية عمرها ما يقرب من قرن من الزمان أسسها في مصر الإمام "حسن البنا".

وكانت الإمارات تتعارض مع الأيديولوجيات المحافظة والراديكالية للإخوان في كثير من الأحيان، حيث دعمت أبوظبي ضمنيًا انقلابًا في مصر في عام 2013 أطاح بحكومة "محمد مرسي" المنتخبة التي يدعمها الإخوان.

كما قامت كل من الإمارات والسعودية في يونيو/حزيران 2017، بتدبير حصار ضد قطر شريكتها في مجلس التعاون الخليجي على خلفية دعم الدوحة للإخوان وما اعتبرته الرياض وأبوظبي بشكل عام تدخلا للقيادة القطرية بشكل أكبر من حجمها في الشؤون الإقليمية.

وقد أدى هذا إلى تعقيد احتمال أي دور مهم كانت السعودية أو الإمارات ترغب في لعبه في عملية السلام الأفغانية، والتي بدأت رسميًا في الدوحة في عام 2018، والتي دفعها الرئيس الأمريكي آنذاك "دونالد ترامب".

تأتي التحولات الأيديولوجية في الخليج محملة بتحديات هائلة للأمن الداخلي لهذه الدول. ربما تواجه السعودية أكبر تحدٍ محلي يتعلق بهذه التغييرات، وهو الحفاظ على السلام حيث تحاول أيديولوجيًا إعادة توجيه نفسها، مخاطرةً بالرد من قبل القسم المحافظ في المجتمع، والذي يضم أيضًا جزءًا كبيرًا من الشباب.

على سبيل المثال، وقع الهجوم الإرهابي الوحيد المرتبط بالقاعدة على الأراضي الأمريكية منذ 11 سبتمبر/أيلول في ديسمبر/كانون الأول 2019 في فلوريدا عندما أطلق أحد أفراد القوات الجوية السعودية، وكان آنذاك "محمد الشمراني"، البالغ من العمر 21 عامًا، النار على 11 شخصًا في قاعدة، مما أسفر عن مقتل 3 أمريكيين. وحدث هذا في وقت كان "محمد بن سلمان" يوجه فيه السعودية نحو وجهة نظر إسلامية أكثر اعتدالًا، ستكون أكثر قبولًا على مستوى العالم.

وفي مايو/أيار، أمرت السعودية المساجد بخفض مستوى صوت مكبرات الصوت وإغلاقها بعد الأذان. تم تخفيف القواعد المتعلقة بالإغلاق الإلزامي للمحلات التجارية والشركات أثناء وقت الصلاة، وتم السيطرة على الشرطة الدينية السعودية سيئة السمعة، أو "المطاوعة"، والانتقال إلى دور استشاري بدلاً من دور اللوم الناس علانية لخرق آداب السلوك الديني.

وضعت هذه التغييرات التي تحدث في مراكز القوة في الخليج هذه الدول في تناقض صارخ مع نوع الدعم الذي كانوا قادرين على حشده خلال الحرب الأفغانية ضد السوفييت.

إن التحركات الخفية التي تبتعد عن الاستبداد الديني المطلق نحو تطوير اقتصاد أكثر انفتاحًا تعني أن الرأي العام التقليدي لدول مثل السعودية، التي ينظر إليها الخارج على أنها نظام حكم شديد المحافظة ورجعي، سيحتاج إلى قلبه رأساً على عقب إذا كانت رؤية "محمد بن سلمان" تعتمد على تحقيق دولة أكثر انفتاحًا وليبرالية اقتصاديًا.

وقد أظهرت دولة الإمارات إلى حد كبير أنه يمكن القيام بذلك بنجاح دون إثارة الكثير من الضجة، مع الحفاظ على نظام إسلامي.

تمثل الأزمة الناجمة عن الحرب الأهلية في أفغانستان تحديًا على الجبهة الداخلية لدول مثل السعودية للحفاظ على صورتها كقبلة استثمار قادمة، حيث سيتعين على الرياض التأكد من أنها لن تصبح مرة أخرى موطنًا للهجرة الجماعية للمقاتلين الذين يسافرون من وإلى ساحات أفغانستان وباكستان أو أن تصبح مركزًا للتمويل لتمكين الأنشطة المتطرفة.

وحول أفغانستان على وجه التحديد، اجتمع علماء دين من السعودية وأفغانستان وباكستان، في إطار منظمة التعاون الإسلامي، في مكة في يونيو/حزيران ووصفوا العنف في أفغانستان بأنه "غير مبرر"، قائلين إن الصراع الذي تخوضه حركة طالبان "ليس له ما يبرره ولا يمكن تسميته بالجهاد". وقبل الاجتماع وصف الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، "يوسف العثيمين"، أيضًا العنف الذي تقوده طالبان بأنه "إبادة جماعية ضد المسلمين". وغالبًا ما تتماشى هذه المواقف التي تقودها السعودية مع أهدافها المحدّثة.

بين خطط السعودية لتطوير المدينة الأكثر مستقبلية في العالم في "نيوم" من الصفر بتكلفة تبلغ 500 مليار دولار أمريكي وخطط دولة الإمارات التي تستضيف معرض إكسبو 2020 في دبي لتوسيع مكانتها في التجارة العالمية، يجب أن يصبح للأمن والاستقرار الشاملين "صياغة جديدة".

وقد تم بالفعل اتخاذ خطوات كبيرة لتحقيق ذلك، مع توقيع اتفاقيات "إبراهام" لتطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين وإسرائيل من جهة، وعقدت السعودية وإيران محادثات متقطعة لمحاولة تخفيف أكبر أزمة أيديولوجية وجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وبالعودة إلى التسعينيات، اعترفت السعودية والإمارات رسميًا إلى جانب باكستان بحكومة طالبان في كابل،. وفي عام 2021، قد يكون مجال مناورة دول الخليج في معضلة أفغانستان محدودا للغاية.

 

المصدر | كبير تانيجا - أوراسيا فيو – ترجمة وتحرير الخليج الجديد