لعبة القوى العظمى.. هل تستغل روسيا برود العلاقات بين السعودية وأمريكا؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 226
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

تجري التغييرات البنيوية في الشرق الأوسط على قدم وساق، ويبدو أن الشراكة الاستراتيجية الممتدة منذ 75 عامًا بين واشنطن والرياض تدخل مرحلة صعبة، ولا توجد ضمانات بأن العلاقة ستنجو من العاصفة. وفي ضوء ذلك، من المرجح أن تنتهز روسيا الفرصة لاستغلال فرصة تاريخية محتملة لتعزيز وضعها الإقليمي.
ويبدو أن هذه الفكرة تفسر الرحلة الأخيرة لوزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" إلي الخليج، وهي الرحلة الأولى لمسؤول كبير غير عربي إلى السعودية بعد تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن الاتفاقية الروسية السعودية للتعاون العسكري (19 فبراير/شباط 2021)، تشير الديناميات الأخيرة في العلاقات الثنائية إلى أن التعاون العسكري الروسي السعودي (الذي تستخدمه موسكو تقليديًا كوسيلة لتحقيق أهدافها الجيوسياسية والاقتصادية في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية) وصل إلى مرحلة أكثر تقدمًا، ما يمهد لظهور المزيد من التغييرات الإقليمية.

العلاقة الروسية السعودية
من منظور تاريخي، ظلت مسألة تعزيز التعاون التقني العسكري موضوعًا متكررًا في العلاقات الروسية السعودية.
ووفقًا للمعلومات الرسمية، أعدت روسيا بين عامي 2007 و 2009 مقترح تصدير كبير (4 مليارات دولار) يهدف إلى تزويد المملكة بكمية كبيرة من الأسلحة الحديثة، بما في ذلك التعديل الأخير لدبابة القتال الرئيسية "تي-90" وطائرات الهليكوبتر ("مي-35" و"مي-17" و"مي-28 إن إي") ومنظومات الدفاع الجوي "إس-300" و"إس-400" و"بوك مي-2 إي" و"بانتسير إس-1".
ومع ذلك، فإن هذه الصفقة بالإضافة إلى العديد من الصفقات المماثلة الأخرى، لم تتم في النهاية  بالرغم أن وزير الخارجية السعودي السابق "عادل الجبير" كان قد صرّح أن "لا شيء يقف في طريق المملكة يمكن أن يعيق شراء الأسلحة الروسية". ولم تتحول الكلمات إلى أفعال بسبب عدم رغبة السعوديين في إثارة غضب الولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي الرئيسي والمورد الرئيسي للأسلحة بالنسبة للمملكة.
ومع ذلك، بدأ الوضع يتغير في وقت لاحق لسببين رئيسيين: أولاً، أدت التحولات العميقة في سوق الطاقة العالمية إلى إضعاف الصفقة الاستراتيجية (النفط مقابل الحماية) والتي كانت حجر الأساس الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية.
ثانيًا، أثارت سلسلة من هجمات الحوثيين الناجحة - وأهمها هجوم سبتمبر/أيلول 2019 على منشآت "أرامكو" السعودية - أسئلة متعددة حول فعالية أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية. وقد حث الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" القيادة السياسية السعودية على "اتخاذ قرار سياسي حكيم مثل إيران وتركيا" وشراء أنظمة روسية حديثة مضادة للصواريخ والطائرات.


إعادة الاصطفاف ممكنة
بغض النظر عن صفقة أسلحة محتملة في الوقت الحالي، فإن السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت كل من السعودية وروسيا لديهما ما يكفي من التصميم للارتقاء بالعلاقات العسكرية إلى مستوى نوعي جديد.
وقد تتجه السعودية - التي امتنعت سابقًا عن مثل هذه الخطوات - نحو إعادة التموضع، بسبب حدثين خلال الأسابيع الماضية؛ أولاً، يُنظر إلى قرار الرئيس "جو بايدن" بفرض عقوبات على 76 سعوديًا بارزًا لاتهامهم بالتورط قتل الصحفي "جمال خاشقجي"، على أنه استفزاز مباشر.
ثانيًا، يشير التجميد المؤقت لمبيعات الأسلحة الأمريكية، بما في ذلك الذخائر الموجهة بدقة، إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لتغيير طبيعة علاقاتها مع المملكة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن خطط السعودية للارتقاء بعلاقاتها في مجال الطاقة مع الصين تعمل على ما يبدو كوسيلة تحوط لتقليل اعتماد المملكة على أمريكا، مما يساعد على مزيد من التفكك.
بالنسبة لروسيا، فإن لزيادة دورها في مجال الدفاع السعودي أمر مهم لثلاثة أسباب:
أولاً، سيكون لمثل هذا الاتفاق تأثير كبير على دور روسيا في شؤون الشرق الأوسط - وهو اتجاه سعت موسكو إلى اتباعه منذ أواخر التسعينيات كجزء من إرث المسؤول الروسي السابق "يفكيني بريماكوف".
ثانيًا، سيُنظر إلى ذلك على أنه هزيمة أمريكية في منطقة حيوية استراتيجيًا.
ثالثًا، سيمنح الاتفاق روسيا منفذا على سوق أحد أكبر المنفقين العسكريين في العالم.
وبالنظر إلى تقلص حصة روسيا في صادرات الأسلحة العالمية (بسبب انخفاض صادراتها إلى الهند)، فإن فرصة تزويد السعوديين ستصبح عاملا تشتد الحاجة إليه في إطار سعيها إلى التنويع الاقتصادي. ومع ذلك، هناك تحديات خفية لا يمكن تجاهلها.

قائمة المشتريات السعودية
قبل تقديم تحليل موجز للرهانات والآثار المحتملة، سيكون من المنطقي تقديم نظرة عامة لما يمكن أن يصبح موضوعًا واقعيًا لصفقة الأسلحة نظرًا لتزايد الشائعات. ووفقًا لمقال نُشر في "ناشونال إنترست" ، يمكن لروسيا أن تبيع للمملكة منظومة الدفاع الجوي "إس-400" وطائرة "سوخوي-35" فائقة المناورة وبندقية كلاشينكوف الهجومية ونظام قاذفة اللهب الثقيل "تواس 1ـ أ" وصاروخ كورنيت موجه مضاد للدبابات. لكن الخبراء العسكريين الروس أشاروا إلى أن روسيا قد تكون لها أولويات مختلفة.
على سبيل المثال، أشار نائب مدير مركز تحليل الاستراتيجيات والتقنيات، "كونستانتين ماكينكو"، إلى أن القوات المسلحة السعودية كانت بالفعل "مكدسة" بأسلحة باهظة الثمن، وبالتالي قد تكون مهتمة في المقام الأول بالحصول على أنظمة رخيصة الثمن لكنها فعالة ويمكن استخدامها بكفاءة في النزاعات المحلية.
ومن خلال هذا التحليل، فإن احتمال شراء المملكة لمعدات عسكرية ضخمة مثل طائرات "سوخوي" ومنظومة "إس-400" هو احتمال ضئيل. بالرغم من ذلك، فإن تصدير معدات مثل "بانتسير" و "بوك إم-3" أمر وارد نظرا لهجمات الحوثيين. علاوة على ذلك، نظرًا لدور المركبات والدبابات في اليمن، فقد تصبح عنصرًا آخر من عناصر الصادرات.
ونظرًا لدروس الحرب الأهلية السورية ومشاركة روسيا فيها، قد يكون العملاء السعوديون مهتمين أيضا بالإصدارات المحدثة من طائرات الهليكوبتر "مي-8" و"مي-17". وقد أيد خبير عسكري روسي بارز آخر، هو "كونستانتين سيفكوف"، تحليل "ماكينكو"، مضيفًا أن السعوديين قد يهتمون أيضًا بمعدات الحرب الإلكترونية التي تنتجها روسيا، نظرًا لسمعتها العالمية وأهميتها الاستراتيجية في مواجهة الطائرات بدون طيار والهجمات الصاروخية والمخاطر الدقيقة التي تواجهها السعودية.

رهانات وانعكاسات الشراكة السعودية الروسية
وعند التفكير في صفقة محتملة وآفاق الارتقاء النوعي للتعاون الروسي السعودي في المجال التقني العسكري، يجب استخلاص نتيجتين مهمتين.
أولاً، يتوقف تعميق العلاقات السعودية الروسية على إعادة تموضع الولايات المتحدة. وبالنظر إلى أهمية العلاقة، فإن القيادة السعودية غير مستعدة لقطع العلاقات مع شريكها الاستراتيجي الرئيسي. وسيكون للابتعاد عن الولايات المتحدة ودعمها العسكري تأثير كبير على الشؤون الإقليمية بشكل عام والعلاقات السعودية الإيرانية بشكل خاص.
وبالرغم من الاستثمار الضخم في قطاع الدفاع، من المشكوك فيه أن تكون المملكة قادرة على مواجهة إيران بدون دعم أمريكي، ولن تقدم روسيا الدعم للسعودية في هذا الصدد. من ناحية أخرى، فإن شراء بعض الأسلحة الروسية يهدد بتعريض البنية ​​الأمنية السعودية للخطر، حيث ستعتمد المملكة بعد ذلك على موسكو لتحديث بعض البرامج التي يمكن أن يكون لها آثار أمنية بعيدة المدى على الدفاع السعودي.
ثانيًا، بالرغم من الاحتمال المغري حقًا لدخول السوق السعودية، لن ترغب روسيا (على الأقل في الوقت الحالي) في اختيار أحد الجانبين في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وبعد المبادئ التي وضعها "بريماكوف"، تعلمت موسكو كيفية تجنب الأخطاء السوفيتية والحفاظ على توازن استراتيجي للمصالح في المنطقة. وكان آخر دليل على هذه الاستراتيجية هو رحلة "لافروف" الأخيرة إلى المنطقة، حيث تهرب بمهارة من الأسئلة السعودية، ورفض إلقاء اللوم كله على الحوثيين في الكارثة اليمنية، وحث جميع الأطراف على اتباع المبادئ الأساسية للقانون الدولي.
في الوقت الحالي، يبدو أنه لا يوجد لدى روسيا أو السعودية الاستعداد الكافي لاتخاذ مثل هذه الخطوات الجذرية والمصيرية. وسيعتمد اتخاذ مثل هذه الخطوات في المستقبل على تصرفات الولايات المتحدة.
ومن خلال الحفاظ على علاقتها مع الرياض، حتى على حساب خطاب حقوق الإنسان، يمكن للولايات المتحدة أن تفعل الكثير للحد من نفوذ روسيا الإقليمي.
من ناحية أخرى، إذا خفضت الولايات المتحدة العلاقات مع الرياض لتتوافق مع مبادئها، فإن روسيا ستفرح لذلك. في كلتا الحالتين، فإن القرار يعود لواشنطن، بينما تراقب موسكو ذلك.
المصدر | سيرجي سوخانكين | منتدى الخليج الدولي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد