تركيا والطريق إلى السعودية ومصر… تحالفات ظرفية مؤقتة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 398
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

الدكتور حسن مرهج

لا يُمكن لأحد أن ينكر بأن هناك علاقات تاريخية وثقافية قوية تربط بين تركيا ومصر والسعودية، وتحديدا بين أنقرة والقاهرة، اللتان تحظيان بأهمية بالغة في الشرق الأوسط، وشرق البحر المتوسط، ويعد هذا الرابط اليوم من أهم العوامل المؤثرة على العلاقات بين البلدين، ولكن ذلك لا يعني أن العلاقات التاريخية والثقافية تكون فاعلة في جميع الأحوال.

عندما استخدم حزب العدالة والتنمية مفهوم العثماني الجديد الخليفة وما شابه ذلك، قوبل برد فعل سلبي من القاهرة والرياض، لأنه من المعروف أن هذا الخطاب من الحكومة التركية كان يشي بالرغبة في تصدير الأيديولوجية إلى الأراضي التي كانت تحكمها الإمبراطورية العثمانية، ولا تزال لدى الرياض والقاهرة مخاوف عميقة حول ما إذا كان من المحتمل أن يواصل حزب العدالة والتنمية موقفه هذا.

في عمق التحركات التركية الجديدة تجاه مصر والسعودية، مع تأطير جُزئي للإخوان المسلمين، يبدو أن أنقرة أصبحت تدرك مدى فداحة عزلتها التي تعيشها في المنطقة، ما جعلها تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة بعض سياساتها أملاً في ترميم علاقاتها مع أصدقائها القدامى، فلا تكاد توجد دولة في المنطقة لم تشهد أنقرة معها أزمة في الفترة الماضية، وعليه كان من الضروري على أنقرة، أن  تبادر بخطوات إيجابية نحو أصدقائها السابقين وبالفعل اتخذت الخطوة الأولى نحو السعودية من خلال إرسال رسائل سياسية إيجابية.

من ناحية أخرى، كان لإنهاء القطيعة بين قطر من جهة والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى، تأثير مباشر على التخفيف من دور تركيا التي وقفت بجانب قطر في أزمتها مع هذه الدول، ولعل هذا أيضاً كان من ضمن المحفزات التي جعلت أنقرة تحاول مد الجسور مع القاهرة والرياض، في المقابل، قامت مصر أيضا بخطوة إيجابية تجاه تركيا عندما تبين أنها راعت حساسيات أنقرة أثناء إعلانها عن مناقصة للبحث عن الطاقة الهيدروكربونية وقد تم تفسير ذلك بأن مصر تفتح باب التفاهم وتلطيف الأجواء مع تركيا بمنطقة شرق البحر المتوسط، بحسب المراقبين.

وفي ذات التوقيت الذي كانت هناك أزمة سياسية بين أنقرة والقاهرة، لكن لم تكن العلاقات التجارية والاستخباراتية والعسكرية منقطعة تماماً، ونعلم تماما أن الرئيس رجب طيب أردوغان كان يحاول إيجاد حل وسط مع مصر منذ ما يقرب من خمس سنوات، فقد كانت الخطوة الأبرز في سياق التقارب التركي المصري الجديد، عندما لم تستخدم تركيا حق النقض ضد مشاركة مصر في اجتماعات حلف شمال الأطلسي، فكانت المبادرة الإيجابية من مصر بمثابة الرد على بادرة أنقرة، ومن الواضح أن أنقرة هي الطرف الأكثر تحمساً للتهدئة مع القاهرة.

 القاهرة أيضاً تنظر من حيث المبدأ بإيجابية إلى هذا الجسر السياسي الجديد مع أنقرة، والتواصل بين البلدين، مؤشر واضح على ذلك، غير أن القاهرة تعتزم تقييم التطبيع بناء على الخطوات العملية التي ستتخذها أنقرة، وبكل تأكيد، فإن القاهرة تتوقع من أنقرة أيضاً استيفاء الشروط التي طلبتها سابقاً، وأهمها أن يوقف مسؤولو الدولة التركية وخاصة أردوغان خطاباتهم التي تحتوي على انتقادات شديدة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فضلا عن عدم السماح للمصريين المقيمين في تركيا والمرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين بالعمل ضد الحكومة المصرية، كما أن الوجود العسكري التركي في ليبيا يؤرق القاهرة، ولابد من وضع تصورات هذا التواجد ضمن رؤية القيادة المصرية.

من الواضع أنه إذا تصالحت تركيا مع مصر والسعودية، فستكون لهذه المصالحة إسهامات إيجابية، في حل قضايا المنطقة، وكذا والقضية الفلسطينية، وعديد من المشاكل الأخرى في الشرق الأوسط، لكن ضمن ذلك، من الواضح أنه ثمة دوافع بعضها اقتصادي والآخر أمني، فالمؤكد أن أنقرة والرياض وكذا القاهرة، يعانون من أزمات اقتصادية خانقة جراء التدخلات في ساحات جغرافية متعددة، الأمر الذي أرهق الاقتصاد وانعكس بشكل مباشر على التوجهات السياسية للدول الثلاث، كما أن سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، كان لها الأثر الأكبر في الاستحواذ على ملايين الدولارات من تلك الدول، وبطرق مباشرة وغير مباشرة، فضلا عن تداعيات فيروس كورونا وتأثيراته الاقتصادية العميقة، كل ذلك كان مدعاة لإعادة ترتيب الأولويات بما يتسق وتحديات المرحلة القادمة، خاصة أن الضغط الأمريكي على تركيا والسعودية ومصر، لم يعد كما كان في عهد ترامب.

في جانب أخر، فإن الملف السوري وما شهده من تجاذبات متعددة، مثّل حالة من الكباش السياسي والعسكري بين تركيا والسعودية، مع تحفظ مصري تجاه سوريا والحرب عليها، لكن كان الموقف المصري وعلى امتداد سنوات الحرب في سوريا، منددا للتدخلات التركية في سورية، واليوم بعد وضوح المشهد السوري، وحالة التواصل الخجولة بين دمشق والرياض وضمنا القاهرة، لم يبقى أمام أردوغان الا مدّ جسور التواصل مع السعودية ومصر، بغية إيجاد مخرج له من الساحة السورية، وبهذا الأمر، يُسجل انتصاراً جديداً للدولة السورية، وبكل تأكيد فإن التقارب التركي المصري السعودي، له منعكسات إيجابية على بلورة حل سياسي في سوريا، تكون به القيادة السورية أحد مرتكزاتها القوية.

كل ما سبق، وعطفاً على جملة المصالح بين أنقرة والقاهرة والرياض، المتناقصة حيناً والمتوافقة حيناً أخر، سواء في سوريا أو اليمن أو ليبيا، وغيرها من الملفات والتحديات الجديدة التي فرضتها الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن، فإن كل ذلك يُعد من القضايا الإشكالية المعقدة بين أنقرة والرياض والقاهرة، وإن حدثت مصالحة من نوعاً ما، فبكل تأكيد هي مصالحة ظرفية بإطار استراتيجي مؤقت، خاصة أن وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، قد خلط أوراق التحالفات في المنطقة، ويلاحظ من خلال ذلك، بأن الجميع بات يبحث عن اصطفاف جديد وتحالف بنّاء.

كاتب فلسطيني