تداعيات جيوسياسية.. ماذا يعني لجوء مصر إلى أموال الخليج مجددا؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 185
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في أوائل أبريل/نيسان الجاري، تعهدت 3 دول من مجلس التعاون الخليجي بتقديم حوالي 22 مليار دولار إلى مصر، وفيما أودعت السعودية 5 مليار دولار في البنك المركزي المصري، فقد أبرمت الإمارات وقطر صفقات استثمارية.

ووصل دعم دول الخليج في لحظة حرجة بالنسبة للاقتصاد المصري، حيث تراكمت الضغوط بشكل متزايد على الجنيه المصري منذ بداية العام الجاري. 

وأدى ارتفاع أسعار الفائدة على الدولار إلى ارتفاع تكلفة الديون الخارجية لمصر، كما حفز أيضا تدفقات رأس المال للخارج مما فاقم الهشاشة الاقتصادية للبلاد.

من جهة أخرى، تستورد مصر معظم احتياجاتها من الأغذية والطاقة، وقد أدى الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة والمواد الغذائية إلى تفاقم العجز في الحساب الجاري.

وجاء الغزو الروسي لأوكرانيا ليكون القشة التي تقصم ظهر البعير، حيث فقد الجنيه المصري حوالي 15% من قيمته مقابل الدولار في مارس/آذار الماضي.

وكان هذا أكبر انخفاض خلال 3 سنوات شهدت استقرارا نسبيا في سعر الصرف.

 

الخليج يهب للإنقاذ

في أعقاب تدفق جزء كبير من رؤوس الأموال إلى الخارج، أعلنت الحكومة المصرية عن جولة جديدة من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قرض جديد.

ثم انتفضت دول الخليج للإنقاذ مما أرسل رسالة إلى الدائنين الأجانب لمصر بأن البلاد لديها أصدقاء أغنياء مستعدون لتقديم المساعدة في ساعة الحاجة.

يشار إلى أن دول الخليج استفادت ماليا من الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

ويذكرنا لجوء مصر إلى الدعم المالي من دول الخليج بالسنوات القليلة التي سبقت اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

ومنذ ثورة يناير 2011، اعتمدت مصر على الدعم المالي من دول مجلس التعاون الخليجي المختلفة في مراحل مختلفة لتعويض النزيف في احتياطياتها الأجنبية.

وفي عام 2012، قدمت قطر حوالي 10 مليار دولار لمصر خلال عهد الرئيس المصري الراحل "محمد مرسي".

وبعد انقلاب 2013، دعمت الإمارات والسعودية والكويت مصر بأموال ضخمة بلغت 23 مليار دولار بين عامي 2013 و 2015.

 

مرحلة استقلالية عابرة

انخفض الاعتماد المصري على دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير مع قرض صندوق النقد الدولي الذي بلغت قيمته 12 مليار دولار والذي أعطى لمصر وصولًا أفضل إلى الأسواق المالية العالمية.

وفي الواقع، توسعت الحكومة المصرية في سياسة الاقتراض، حيث قفزت الديون الخارجية من 40 مليار دولار في عام 2015 إلى 137 مليار دولار في يناير/كانون الثاني الماضي.

ويعد الاعتماد مجددا على دول الخليج علامة على الضعف المالي بعد 6 سنوات من اعتماد مصر على حزمة صندوق النقد الدولي، كما يشير أيضا إلى تشديد شروط الاقتراض في الأسواق الدولية، خاصة للبلدان الهشة للغاية مثل مصر.

ومع ذلك، فإن تدخل دول الخليج يرسل رسالة ضمان لمستثمري القطاع الخاص كي يعيدوا أموالهم أو على الأقل يوقفوا سحبها من البلاد.

وفي كلتا الحالتين، فإنها لحظة تتقدم فيها الاعتبارات الجيوسياسية والسياسية على الاعتبارات المالية والاقتصادية.

 

التداعيات الجيوسياسية

جاء دعم دول مجلس التعاون الخليجي في نفس الأسبوع الذي انضمت فيه مصر إلى الإمارات والبحرين والمغرب في اجتماع غير مسبوق في النقب في إسرائيل.

وكان هذا هو التواجد الأبرز لمصر منذ بداية عملية التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل في أغسطس/آب 2020.

ولم تظهر مصر الكثير من الحماس لهذا المسعى، ربما خوفا من تآكل دورها الإقليمي كوسيط تاريخي بين العالم العربي وإسرائيل، باعتبرها أول دولة وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل.

ومع ذلك من السابق لأوانه اعتبار اجتماع النقب تحولًا مستدامًا في موقف مصر.

لكن مع تجديد الاعتماد المالي على دول مجلس التعاون الخليجي، قد تضطر مصر إلى مواءمة نفسها بشكل أكثر وضوحا مع الترتيب الأمني الجديد الناشئ بين بعض دول الخليج وإسرائيل، والذي يستهدف في المقام الأول مواجهة التهديد الإيراني.

في هذا السياق، يمكن تفسير المواقف المستقلة السابقة لمصر بشأن الصراع في اليمن وسوريا في ضوء تنوع مصادر التمويل بعيدا عن دول الخليج بعد اتفاق صندوق النقد الدولي لعام 2016.

ومنذ التدخل الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015، امتنعت مصر عن أي مشاركة عسكرية مباشرة في الصراع بالرغم من إعلان التزامها بأمن الخليج.

وبالمثل، كانت مصر منفتحة على إعادة دمج سوريا في العالم العربي.

ولكن قد يؤدي انعكاس هذا المسار إلى استقلالية أقل في المستقبل.

وهناك مضامين جيوسياسية أخرى في عملية التمويل الأخيرة، وتتمثل في المساهمة القطرية.

فعلى عكس الدعم في الفترة من 2012-2016 والذي جاء إما من قطر وإما من الإمارات والسعودية، فإن هذا التدفق الأخير يأتي من الثلاثة معا.

ويعد هذا أحد مظاهر اتفاق المصالحة في قمة العلا في يناير/كانون الثاني 2020 بين قطر وجيرانها الخليجيين وكذلك مصر.

ومع ذلك، فإن هذا يشير أيضا إلى أن مصر تتجه للموازنة بين دول الخليج واستغلال الاختلافات بين السعودية والإمارات وقطر لتحقيق مصالحها ومحاولة الحفاظ على سياسة خارجية مستقلة، وهذه ليست أول مرة تفعل فيها مصر ذلك.

وخلال حرب غزة 2021، اتفقت الحكومة المصرية مع القطريين على حزمة مالية لإعادة إعمار قطاع غزة، وكان ينظر إلى ذلك كإجراء مضاد لتقارب الإمارات مع إسرائيل.

وإلى جانب المضامين الجيوسياسية للدعم المالي الأخير من دول الخليج، فإن شكل هذه المساعدة قد يمثل تحولًا نوعيًا في تبعية مصر.

\ومن الجدير بالذكر أن الأموال الإماراتية والقطرية ستكون في مقابل أصول في مختلف القطاعات، بما في ذلك الطاقة والأسمدة والبتروكيماويات وإدارة الموانئ والخدمات المالية.

وتأتي صفقات الاستحواذ الضخمة هذه في أعقاب الانخفاض الأخير في قيمة الجنيه المصري مما يجعله أرخص للمستثمرين الأجانب.

وقد يشكل ذلك توجهًا جديدا، يُترجَم بموجبه الاعتماد على الدعم المالي الخليجي إلى تواجد أكثر شمولا في الاقتصاد المصري عبر نقل ملكية الأصول.

ويظهر تجدد الاعتماد المصري على الدعم المالي المباشر من دول الخليج أن جذور الأزمة الاقتصادية لم تُعالج بشكل فعال في السنوات الماضية.

وقد تؤثر استدامة هذه الهشاشة المالية على حجم ونطاق مشاركة مصر في أي ترتيب أمني مستقبلي بقيادة دول الخليج لمواجهة إيران.

كما يثير أسئلة حول ما إذا كانت دول الخليج ستكون دائما على استعداد للتدخل وتلبية احتياجات مصر المالية في المستقبل.

 

المصدر | عمرو عدلي/ معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد