ستراتفور: تفكك العلاقات السعودية الإماراتية أمر حتمي خلال المرحلة المقبلة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 526
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

يبدو أن العلاقات السعودية الإماراتية تتهاوى مع بروز المنافسة الاقتصادية والخلافات الاستراتيجية حول عدد من القضايا في المنطقة من بينها حرب اليمن، ولكن الأمور لا تتحول نحو صراع بين معسكرين كما هو الحال في أجزاء مختلفة في المنطقة، بل هو تحول بعيد عن فترة التقارب غير المسبوق التي ظهرت بعد الربيع العربي في عام 2011.

ومثل العوامل الخارجية التي قربت السعودية والإمارات منذ ما يقرب من عقد من الزمان، بدأت التغييرات في الجغرافيا السياسية الإقليمية والدولية في تشكيل أسافين جديدة بينهما من خلال وضع مصالحهما في مواجهة بعضها البعض.

 

من منافسين إلى أشقّاء

وعلي مدى أعوام، كانت السعودية والقبائل التي شكلت دولة الإمارات في منتصف القرن العشرين تراقب بعضها بحذر. وتم تجنب الحرب بفضل التدخل البريطاني، لكن السعوديين استمروا في الضغط على الحدود الإماراتية حتى تم التنازل عن أراض إماراتية للرياض في معاهدة جدة عام 1974، بما في ذلك الحدود البرية الوحيدة لدولة الإمارات مع قطر.

وبعد استقلال الإمارات في عام 1971، أصبح السعوديون والإماراتيون أقل خصومة، حيث ارتبطوا بالمصالح المتبادلة في سوق نفط مستقر، والقلق من التوسع العراقي والإيراني، والخوف من التمدد الجهادي، والحاجة إلى إبقاء الولايات المتحدة منخرطة في أمن المنطقة.

وكانت الشخصيات مهمة في تشكيل العلاقات بين البلدين حيث ساعدت الروابط الوثيقة بين الحكام الإماراتيين والسعوديين على توطيد وإدارة هذه العلاقات.

وتعززت هذه العلاقة التعاونية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث صدم الربيع العربي في عام 2011 المؤسسات السياسية في المنطقة، ولا سيما دول الخليج العربي التي نجا أفراد العائلة المالكة منها على مدى عقود من التهديدات الوجودية من الشيوعية والقومية والإسلاموية. وتعاونت الرياض وأبوظبي بشكل وثيق لتعزيز الملكيات الشقيقة في الأردن والبحرين اقتصاديا وعسكريا.

وبلغ التعاون السعودي الرماراتي ذروته مع حصار قطر في عام 2017. وكان أحد المطالب الإماراتية السعودية الرئيسية لإنهاء الحصار أن تتخلى الدوحة عن دعم جماعة "الإخوان المسلمون" التي استفادت لفترة وجيزة من الربيع العربي.

ومع استمرار الشعور بآثار الربيع العربي، وقّعت الولايات المتحدة وإيران على الاتفاق النووي الإيراني في عام 2015، وهي صفقة اعتبرها السعوديون والإماراتيون بمثابة ضوء أخضر للتوسع الإيراني في جميع أنحاء المنطقة.

وفي هذه الأثناء، ظهرت قيادة جديدة في القصور الملكية في أبوظبي، حيث أمّن ولي العهد الشيخ "محمد بن زايد" السيطرة الفعلية على بلاده وغيّر سياستها الخارجية نحو مسار أكثر تصادمية ومغامرة. وفي الوقت نفسه، أدى الصعود السريع لولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" في عام 2016 إلى سياسات تعكس عقلية "بن زايد" الأمنية. وأطلق الاثنان معًا الحملة العسكرية في اليمن لتقويض النفوذ الإيراني على الحدود الجنوبية للمملكة.

 

اختلاف في الرأي

أصبح من الواضح الآن أن مثل هذا التقارب بين السعودية والإمارات يمكن أن يستمر فقط طالما استمرت سياقات الجغرافيا السياسية التي دفعت هذا التقارب، وهو الأمر الذي تغير خلال الفترة الأخيرة.

وقد انتهى تهديد الربيع العربي إلى حد كبير. وبينما لا تزال آثاره محسوسة في سوريا وليبيا، فإن القوى المعادية للثورة إما أعادت تأكيد سيطرتها أو انتصرت في بلدان حساسة مثل مصر والأردن والبحرين.

وفي السعودية والإمارات، تراجعت المشاعر الثورية بعد أن تلاشت الاحتجاجات الكبيرة من قبل الشيعة السعوديين وأكملت الإمارات حملة التطهير ضد المعارضة. ولم تعد الأصوات المعارضة تظهر في كلا البلدين إلا على هامش الإنترنت وفي المحادثات الهادئة بدلاً من الاحتجاجات في الشوارع أو المباني الحكومية.

وأدى تراجع التحديات المناهضة للدولة إلى انقسام في الآراء بين الدولتين حول كيفية التعامل مع قضايا المنطقة ومن بينها قطر. وفي يناير/كانون الثاني 2021، كانت السعودية أول من أعلن إنهاء الحصار المفروض على قطر، والذي رأت أنه أصبح مخاطرة غير ضرورية خاصة بعد أن خسر الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" الذي كان يحمي الرياض من الانتقادات بشأن هذه الخطوة.

واضطرت الإمارات، التي كانت تشير حتى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2020 إلى أنها ستواصل الحصار، إلى الموافقة على مضض على هذا التحول. ولكن في حين أن الدوحة لديها الآن سفير سعودي، فلم يرسل الإماراتيون بعد سفيرًا متفرغًا (حتى في الوقت الذي أقامت فيه الإمارات تمثيلًا دبلوماسيًا سريعًا مع إسرائيل).

وفي اليمن، بدأت الحقائق الجغرافية والاستراتيجية الجديدة في الظهور. في البداية، كان الإماراتيون والسعوديون ملتزمين بنفس القدر بدحر المتمردين الحوثيين. ولكن مع استمرار الحرب، أصبح من الواضح أن الصراع اليمني كان مشكلة سعودية أكثر من كونه مشكلة إماراتية. ولم تكن الإمارات على استعداد لإنفاق المزيد من القوات والثروة في حملة عسكرية لهزيمة الحوثيين بشكل كامل.

وبسبب الجغرافيا كان مستوى تهديدات الحوثيين يدفع الإماراتيين للتركيز على تدخل محدود فقط. وفي يونيو/حزيران 2019، أعلنت الإمارات انسحابها مما أثار قلق حلفائهم السعوديين الذين رأوا تحالفهم ينهار. وما يزال التوتر الذي سببته هذه الخطوة قائما.

 

عالم ما بعد النفط

على الصعيد الدولي، اكتسبت دعوات الطاقة النظيفة زخمًا كبيرا، مما يهدد بتدمير الاقتصادات المعتمدة على النفط في كل من الإمارات والسعودية. ودفع ذلك الدولتان للتركيز على مبادرات التنويع الاقتصادي والتي جلبت احتكاكا متصاعدا بين الجانبين. وتأمل السعودية في تقليد نموذج دبي لجذب السياح بينما تقترب أيضًا من ولعها بدخول موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية (على سبيل المثال، تبني السعودية برج جدة والذي سيكون أطول برج في العالم وسيأخذ السبق من برج خليفة في دبي). ومع مناخات ومناطق جذب متشابهة، تجد السعودية نفسها في نفس السوق مع دبي بدلاً من اكتشاف فئات جديدة من السياح.

وتسعى السعودية أيضًا إلى تنفيذ مشاريع نقل وبنية تحتية جديدة تضعها على مسار المنافسة مع الإمارات بدءًا من شركة الطيران الوطنية الجديدة التي ستؤثر على حطة طيران دبي كما تأمل السعودية أن تطيح بجبل علي باعتباره المحور اللوجستي بين آسيا وأوروبا.

وفي فبراير/شباط 2021، أعلنت السعودية أنها ستنهي العقود الحكومية مع الشركات التي ليس لها مقار إقليمية في المملكة في خطوة تستهدف نقل تلك المقار من دبي إلى المملكة. وفي يوليو/تموز 2021، فرضت الرياض أيضًا تعريفات جمركية على البضائع المنتجة في المناطق الحرة أو بمشاركة إسرائيل - وهي قرارات سياسية تؤثر بشكل مباشر على الإمارات الصديقة لإسرائيل والتي تعتمد بشكل كبير على اقتصاد المناطق الحرة.

في المقابل، أثبت الإماراتيون أيضًا استعدادهم للمواجهة من خلال سياسات فريدة فقد عرضوا الجنسية للأجانب والمستثمرين المؤهلين تأهيلا عاليا وألغوا أي متطلبات ثقافية أو دينية، في محاولة لجذب الأفضل والأذكى إليهم دائما. وفي منظمة "أوبك"، كان الإماراتيون أكثر استعدادًا للانفصال العلني عن السعوديين للتمسك بمستوى الإنتاج الذي يريدونه وهي خطوة قد تنذر بمفاوضات أكثر انفرادًا في المستقبل.

 

المزيد من الانقسامات في المستقبل

ويحمل المستقبل المزيد من الخلافات بين السعودية والإمارات بما في ذلك العلاقات مع إسرائيل التي قامت الإمارات بالتطبيع معها. وبالرغم أن السعودية لديها شخصيات مؤيدة لإسرائيل تحاول تغيير المشاعر العامة لصالح التطبيع، تظل الرياض في عهد الملك "سلمان" ملتزمة بمبادرة السلام العربية، وبالتالي من غير المرجح أن تتعاون علانية مع إسرائيل. وقد تكون التعريفات الجديدة التي استهدفت السلع أو الخدمات التي توفرها إسرائيل مجرد بداية لمحاولة أكثر علنية من قبل الرياض للحد من مكاسب الإمارات من التطبيع مع إسرائيل.

ويمكن أن تتحول العلاقات بين الإمارات والسعودية في اليمن إلى الأسوأ خاصة أن المجلس الانتقالي الجنوبي (تدعمه الإمارات) يواصل السعي إلى انفصال نهائي عن اليمن الذي تريد السعودية الحفاظ عليه موحدًا. وفي المراحل السابقة من الاشتباكات بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية، لعب الإماراتيون دور الوسيط لخفض التوترات. لكن جولات جديدة من القتال قد تجعل الصحف السعودية وحتى الدبلوماسيين الرسميين ينتقدون بشكل صريح دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من توتر العلاقات الدبلوماسية.

أخيرًا، في عالم المنافسة الاقتصادية، يبدو أن كلا الجانبين يستعد لمنافسة طويلة الأجل. ومن المحتمل أن تقوم كل من الإمارات والسعودية بتغيير السياسات وخلق الحوافز لكسب الشركات والسياح، مع محاولة الاستفادة من نقاط الضعف النسبية لبعضهما البعض.

ومن المحتمل أيضًا أن يراهن الجانبان على مشاريع ذات إنفاق كبير تهدف إلى تقويض اقتصادات بعضهم البعض حتى لو لم يكن من الواضح بالضرورة الجدوى الاقتصادية من هذه المشاريع.

وإجمالا، يمكن القول إنه بالرغم من العلاقات التي تربط بين البلدين في المسائل الاستراتيجية الكبرى، إلا أن الرياض وأبوظبي ستكونان متنافستين في العقد القادم.

 

المصدر | ريان بول - ستراتفور – ترجمة وتحرير الخليج الجديد