أمريكا قادرة على إنهاء حرب اليمن إذا أرادت ذلك

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 369
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، تجنب الرئيس "دونالد ترامب" انتقاد دور المملكة العربية السعودية وإجراءاتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وبدلا من ذلك، ألقى باللائمة على إيران، المنافس الإقليمي للمملكة، في تمويل "الفوضى والمذابح".

وأشاد "ترامب" بالمملكة والإمارات العربية المتحدة، على خلفية "تعهدهما بالمليارات من المساعدات، والسعي إلى إيجاد طرق متعددة لإنهاء الحرب الأهلية المروعة والحزينة في اليمن".

لكنه فشل في الإشارة إلى أن الصراع الحالي في اليمن تصاعد بشكل كبير منذ أوائل عام 2015، عندما قادت المملكة ائتلافا من الدول العربية للتدخل في الحرب.

وقد تحولت تلك الحرب منذ زمن بعيد إلى كارثة إنسانية، وتوقفت الأمم المتحدة عن إحصاء عدد القتلى المدنيين فيها قبل عامين، عندما بلغ 10 آلاف.

وقد خلص تقدير مستقل من قبل موقع يختص ببيانات النزاعات والأحداث المسلحة، يتابع النزاعات في جميع أنحاء العالم، إلى أن قرابة 50 ألف شخص، بما في ذلك المسلحون، قد قُتلوا في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2016 ويوليو/تموز 2018.

كما جعلت الحرب أكثر من 22 مليون شخص، أي 75% من عدد سكان اليمن، التي هي بالفعل واحدة من أفقر دول العالم، في حاجة إلى مساعدات إنسانية.

ومع تزايد غضب الرأي العام بشأن دور أمريكا في الحرب التي قادتها السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، حاول الكونغرس ببطء ممارسة الضغط على حلفاء أمريكا منذ فترة طويلة للحد من الخسائر في صفوف المدنيين.

وفي الشهر الماضي، قدم مجموعة من المشرعين من الحزبين نص مشروع قانون حول الإنفاق الدفاعي يطلب من إدارة "ترامب" التصديق على ضمان أن تتخذ السعودية والإمارات "إجراءات يمكن إثباتها" لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، وبذل الجهود اللازمة للتوصل إلى تسوية سياسية لإنهاء الحرب.

وطلب الكونغرس من الإدارة أن تجعل هذه الضمانة شرطا أساسيا للبنتاغون لمواصلة تقديم المساعدات العسكرية للتحالف.

وتشمل هذه المساعدات، التي بدأ الكثير منها في عهد إدارة "أوباما"، إعادة تزويد الطائرات السعودية والإماراتية بالوقود في الجو، والمساعدات الاستخباراتية، ومليارات الدولارات من الصواريخ والقنابل وقطع الغيار للقوات الجوية السعودية.

وفي 12 سبتمبر/أيلول، أكد وزير الخارجية "مايك بومبيو" للكونغرس أن التحالف السعودي كان يحاول تقليل الخسائر في صفوف المدنيين، فضلا عن محاولة تمكين تسليم المساعدات الإنسانية إلى اليمن.

غير أن ادعائه يتناقض مع كل تقييم مستقل آخر للحرب، بما في ذلك تقرير صدر مؤخرا عن مجموعة من خبراء الأمم المتحدة، وعدة تحقيقات لـ"هيومن رايتس ووتش"، زعمت أن التحالف ارتكب جرائم حرب.

وفي مذكرة بعث بها "بومبيو" إلى الكونغرس، أشار إلى سبب آخر لاستمرار الدعم الأمريكي للتحالف، وهو احتواء إيران وتأثيرها على الحوثيين.

ومثل السعوديين والإماراتيين، ترى إدارة "ترامب" في الحوثيين نفس التهديد الذي تمثله الجماعات الأخرى المدعومة من إيران مثل حزب الله، والتي أرسلت آلاف المقاتلين لمساعدة نظام "بشار الأسد" في سوريا.

وفي أواخر أغسطس/آب، قامت بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بالتغريد على صورة تم تعميمها في الصحافة العربية حول اجتماع في بيروت بين زعيم حزب الله "حسن نصرالله" والمسؤولين الحوثيين، وزعم المسؤولون الأمريكيون أن الصورة أظهرت "طبيعة التهديد الإرهابي الإقليمي".

ولكن بعيدا عن الهجمات الصاروخية الأخيرة على المملكة العربية السعودية، ردا على الغارات الجوية السعودية، أظهر الحوثيون طموحات إقليمية طفيفة، ومن المفارقات، أنه مع استمرار الحرب، يزداد الحوثيون اعتمادا على الدعم من إيران وحلفائها.

إدامة الحرب

وبقبول محاولات التحالف التجميلية لتقليل الإصابات بين المدنيين، لا تزال إدارة "ترامب" تمنح الفرصة إلى السعوديين والإماراتيين مع اعتقاد واضح بأنه لا يزال من الممكن تحقيق نصر عسكري واضح في اليمن.

وطالما يعتقد التحالف أنه قادر على سحق الحوثيين، فليس هناك حافز يدفعه للتفاوض.

وبعد ذلك، فقد اشترى "ترامب" رواية السعوديين ومفادها أن النصر العسكري في اليمن للمملكة وحلفائها سيكون هزيمة لإيران، في حين أن التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض مع الحوثيين سيكون انتصارا لطهران.

وبهذا فإن إدارة "ترامب"، التي أعماها الهوس بإيران، تعمل على إدامة حرب لا يمكن الفوز بها، وتقوض احتمال التوصل إلى تسوية سياسية.

وبدأت المرحلة الحالية من الصراع في اليمن في سبتمبر/أيلول 2014، عندما أجبر الحوثيون، وهم مجموعة من المتمردين الشيعة المتحالفين مع الديكتاتور اليمني المخلوع "علي عبدالله صالح"، معظم حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي" على الفرار إلى المملكة العربية السعودية، وهددوا بالاستيلاء على جزء كبير من البلاد.

وفي عام 2015، ذهب التحالف بقيادة السعودية إلى الحرب في اليمن لإعادة "هادي" إلى السلطة ودحر الحوثيين.

ومنذ ذلك الحين، وعلى الرغم من آلاف الغارات الجوية والحصار الجوي والبحري بتكلفة تتراوح بين 5 إلى 6 مليارات دولار شهريا على الرياض، فشل التحالف بقيادة السعودية في طرد الحوثيين من العاصمة صنعاء.

وفي الوقت الذي يسارع فيه السعوديون إلى إلقاء اللوم على إيران في الحرب، فقد أظهر العديد من الباحثين، بمن فيهم "توماس جونو"، الأستاذ بجامعة أوتاوا والمحلل السابق في وزارة الدفاع الوطني الكندية، أن الحوثيين لم يتلقوا دعما كبيرا من طهران قبل التدخل السعودي عام 2015.

ولكن إيران صعدت من المساعدات العسكرية للحوثيين منذ بدء الحرب، وبدأ "حزب الله" بإرسال مستشارين عسكريين لتدريب المتمردين اليمنيين.

لكن تكاليف هذه المساعدات لا ترقى إلى حد كبير إلى تلك التي تكبدتها السعودية وحلفاؤها، وبالنسبة لإيران، يعد الصراع في اليمن طريقة منخفضة التكلفة لتدمير منافستها الإقليمية.

وتجاهل السعوديون والإماراتيون بشكل كبير الانتقادات الدولية لوفيات المدنيين والنداءات من أجل التسوية السياسية، وتظهر أحدث إشارة دعم من إدارة "ترامب" أن هذه الاستراتيجية تجدي.

وقد وجدت التحقيقات التي أجرتها الأمم المتحدة والهيئات الأخرى أن الحوثيين والتحالف الذي تقوده السعودية مسؤولون عن جرائم حرب محتملة.

لكن الغارات الجوية التي قام بها السعوديون وحلفاؤهم "سببت معظم الضحايا المدنيين الموثقين"، كما خلصت الأمم المتحدة في تقرير لها الشهر الماضي.

وفي 9 أغسطس/آب، قصف التحالف السعودي حافلة مدرسية شمالي اليمن ما أسفر عن مقتل 54 شخصا، بينهم 44 طفلا، وجرح العشرات، وفقا لمسؤولي الصحة اليمنيين.

وطوال أسابيع، دافع التحالف عن الضربة الجوية، لكن في الأول من سبتمبر/أيلول، مع اقتراب الموعد النهائي لإدارة "ترامب" للتصديق على الجهود السعودية والإماراتية للحد من الإصابات بين المدنيين، اعترف التحالف بأن القصف كان خطأ، وأنه "سيعقد تحقيقا مع أولئك الذين ارتكبوا هذه الأخطاء وسيتم تقديمهم للمساءلة".

واستغل المسؤولون الأمريكيون ذلك البيان كدليل على أن التحالف السعودي مستعد لتغيير سلوكه.

لكن لمدة 3 أعوام ونصف الآن، لم يكن هناك "دليل على أي محاولة من أطراف النزاع لتقليل الخسائر بين المدنيين"، كما قال "كامل الجندوبي"، رئيس فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة، الذي وثق جرائم الحرب.

الضوء الأخضر

ولم تبد إدارة "ترامب" الكثير من الاهتمام باستخدام صفقات الأسلحة كوسيلة لتحقيق التسوية السياسية، أو لإجبار السعوديين على تبديد المخاوف بشأن وفيات المدنيين بشكل أكثر جدية.

وفي مارس/آذار 2017، عكس "ترامب" قرارا من إدارة "أوباما" بتعليق بيع أكثر من 500 مليون دولار من القنابل الموجهة بالليزر والذخائر الأخرى إلى الجيش السعودي.

ورغم تزايد عدد أعضاء الكونغرس الذين انتقدوا التصرفات السعودية في اليمن، وافق مجلس الشيوخ على هذا البيع.

وبعد أن أطلق الحوثيون الصواريخ الباليستية تجاه العديد من المدن السعودية في أواخر عام 2017، زادت إدارة "ترامب" من جديد من حجم تورط الولايات المتحدة في الحرب.

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد كشفت قيام وزارة الدفاع الأمريكية بإرسال قوات خاصة أمريكية بشكل سري إلى الحدود السعودية اليمنية، لمساعدة الجيش السعودي في تحديد مواقع الصواريخ الحوثية وتدميرها.

وبفعل إحباطهم من الدور الأمريكي المتزايد في الحرب، قدم أكثر من 20 عضوا في مجلس النواب قرارا هذا الأسبوع يستحضر قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي يحتج بأن الكونغرس لم يوافق أبدا على الدعم الأمريكي للتحالف السعودي، في محاولة لإجبار "ترامب" على سحب القوات الأمريكية.

ويريد القادة السعوديون والإماراتيون تحقيق نصر واضح في التنافس الإقليمي مع إيران، وقد شجعهم دعم إدارة "ترامب" غير المشروط على تجاهل المفاوضات.

وانهار جهد أخير للأمم المتحدة لإجراء محادثات سلام بين الحوثيين وحكومة "هادي" والتحالف الذي تقوده السعودية، في أوائل سبتمبر/أيلول، بعد أن لم يحضر الوفد الحوثي في ​​جنيف، وقال زعماء الحوثيين إن السعوديين الذين يسيطرون على المجال الجوي لليمن لن يضمنوا سفرا آمنا.

وبعد أيام، شنت القوات اليمنية الموالية للتحالف السعودي الإماراتي هجوما جديدا يهدف إلى إجبار الحوثيين على الخروج من ميناء الحديدة، والذي يعد القناة الرئيسية للمساعدات الإنسانية في اليمن.

ويحذر مسؤولو الأمم المتحدة من أن حدوث معركة مطولة في الميناء ومحيطه قد تؤدي إلى وفاة 250 ألف شخص، معظمهم بسبب المجاعة الجماعية.

وبعد تأييد إدارة "ترامب" هذا الشهر، أصبح لدى التحالف السعودي الإماراتي حوافز أقل لمنع وقوع إصابات بين المدنيين وكوارث إنسانية جديدة.

ومن الأرجح أن تقبل السعودية وحلفاؤها عملية سلام إذا كان من الواضح أن الولايات المتحدة لن تدعم حربا مفتوحة في اليمن، ولن تقدم المساعدة العسكرية اللازمة للحفاظ على استمرار عمل أجهزة الحرب.

لكن "ترامب" لم يبد سوى القليل من الدلائل على رغبته في الضغط على حلفائه السعوديين والإماراتيين، وذلك على حساب اليمن.

ويعد الأمل الحقيقي الوحيد المتبقي في الكونغرس، حيث تتساءل المزيد من الأصوات عن السبب الذي يجعل أقوى بلد في العالم يساعد على إدامة أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

المصدر | محمد بزي - ذي أتلانتيك