لماذا تستثمر دول الخليج بكثافة في شركات الطاقة الروسية؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 348
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 يعد توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بين روسيا والإمارات العربية المتحدة أحدث مثال على العلاقات الضيقة المتزايدة بين الدول الخليجية وموسكو، وتعد زيادة النشاط بين صناديق الثروة السيادية لدول الخليج وروسيا مؤشرا مهما على تعزيز العلاقات بين الجنوب والشمال؛ حيث يتم مزج المعاملات السيادية مع سياسات الطاقة، بما في ذلك شركات الطاقة العاملة في مجال النفط والغاز المملوكة للدولة.

الخليج إلى الشمال.. روسيا إلى الجنوب
تعمل كل من الإمارات وقطر على تعميق مشاركتهما في استثمارات الطاقة الرئيسية في روسيا، ويعد صندوق الاستثمار العام في المملكة العربية السعودية جزءا أيضا من العلاقة السيادية النامية بين روسيا ودول الخليج، استنادا إلى استراتيجية مختلفة قليلا.
وتعد شراكة صندوق الاستثمار العالمي «مبادلة»، في أبوظبي، مع صندوق الاستثمار المباشر الروسي، جزءا من العلاقات الاستراتيجية طويلة الأمد بين الإمارات وروسيا، ويسعى «مبادلة» إلى مثل هذا التعاون مع روسيا منذ عام 2014.
ومن المهم عدم التقليل من شأن هذه العلاقة، خاصة في مجال السياسة والطاقة. ويعد حصول حكومة أبوظبي على ٤٠% من شركة تابعة لشركة «غازبروم» مثالا ثانيا في عامين لاستخدام دول الخليج العربي صناديق ثرواتها السيادية لتعزيز التعاون مع شركات النفط الروسية.
واشترت شركة أبوظبي للاستثمار الأسهم من غازبروم وصندوق الاستثمار المباشر الروسي. ولم يتم تقديم أي بيان عام بخصوص القيمة الفعلية للصفقة.
واشتثمرت هيئة الاستثمار القطرية في شراء شركة «جلينكور» لأسهم شركة «روسنفت» عام 2016.
وكما هو الحال في «غازبروم»، فإن الحكومة الروسية هي المالك الأكبر لـ«روسنفت». وعبر رفع هيئة الاستثمار القطرية حصتها في شركة الطاقة الروسية، بعد أن عجزت شركة مساهمة صينية عن سداد ديونها، تمنح الدوحة نفسها دخولا قويا إلى مجال الطاقة الروسي الصيني، الذي يتضمن في بعض السيناريوهات طهران.
وفي الوقت نفسه، أعرب صندوق الاستثمار المباشر الروسي عن رغبته في الحصول على أسهم في شركة النفط العملاقة السعودية «أرامكو»، بغض النظر عن الشكل الذي سوف يحدث فيه الاكتتاب العام، سواء في لندن أو في طوكيو.
ويتطلب كل ذلك فهم أوجه التشابه بين معاملات «روسنفت» و«غازبروم»، ولماذا تستثمر دول الخليج في روسيا.

المنظور الروسي
وتعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محور جهود دبلوماسية الطاقة الروسية المتزايدة، وأدت العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، بعد غزو البلاد لشبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى دعم روسيا للتمرد في شرق أوكرانيا، وتدخلها في انتخابات 2016 في الولايات المتحدة، إلى قطع الاستثمار الغربي عن شركات النفط الروسية.
وقد تحولت شركات النفط والغاز الروسية الحكومية، التي تعد أهم مصدر لإيرادات الكرملين، إلى منطقة الخليج للعثور على مصدر آخر للأموال وتحقيق استقرار أسعار النفط العالمية.
ويعني هذا المحور أن موسكو تتحدى تقاليد المنطقة التي طالما دارت في الفلك الجيوسياسي الأمريكي، كما ذهبت روسيا إلى المنطقة لتدور حول العقوبات التي فرضها الغرب على «روسنفت» و«غازبروم نفت». ويظهر المحور أيضا أن روسيا وضعت جانبا خلافاتها مع قوى البترول الشرق أوسطية الأخرى الناشئة عن الحرب الأهلية السورية.
وتتعاون روسيا مع منظمة «أوبك» بقيادة المملكة العربية السعودية لتحقيق الاستقرار، ثم لزيادة أسعار النفط، وهو عمل عزز علاقاتها مع كل من السعودية وأيضا مع قطر.
وكانت النتيجة الملموسة لدبلوماسية الطاقة هذه هي أول زيارة لكل من حكام السعودية وقطر إلى روسيا، تلاها تعهدات واتفاقات إطارية بشأن مشاريع النفط والغاز المشتركة.
وزار ولي عهد الإمارات «محمد بن زايد» روسيا عدة مرات خلال الأعوام القليلة الماضية، كما أن علاقته الشخصية مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» تشكل عاملا رئيسيا في علاقات المعاملات التي نراها اليوم، خاصة بعد زيارة «بن زايد» إلى موسكو مع المستشار المالي الرئيسي، «خلدون المبارك».
وجعلت المواجهة الدبلوماسية بين قطر ودول الخليج الأخرى من تلك الدول أكثر استعدادا لاستخدام صناديق الثروة السيادية للقيام بصفقات الطاقة مع موسكو.
ويجد الكرملين أنه يستطيع أن يستفيد بشكل فعال من الصراع الخليجي، ويلعب مع جميع الأطراف من خلال الدبلوماسية ومبيعات الأسلحة والحملات الإعلامية.

وجهات النظر الخليجية المتصارعة
كما يرتبط تسارع سلوك صناديق الثروة السيادية الخليجية بقرار الرئيس «دونالد ترامب» بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. وقد عجلت هذه الخطوة بموجة أخرى من عدم اليقين في منطقة الشرق الأوسط، وجعلت دول الخليج أكثر استعدادا للتعامل مع موسكو.
واختارت كل من أبوظبي وقطر استخدام صناديق ثرواتها السيادية، بدلا من شركات النفط والغاز المملوكة للدولة، للقيام بصفقات مع قطاع النفط الروسي.
وفي الحالتين، تم توقيع الصفقات مع شركات مملوكة للدولة يديرها مقربون من الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، وهم «إيغور سيشين» من روسنفت، و«ألكسندر ميلر» من غازبروم، و«كيريل ديميترييف» من صندوق الاستثمار المباشر الروسي.
وبالإضافة إلى عقد صفقات مع شركات روسية تعاقبها الولايات المتحدة، اختارت هيئة الاستثمار القطرية و«مبادلة» التعاون مع الشركات الروسية النفطية التي تزود الصين بالنفط، حيث تريد الدول الخليجية دورا أكبر مع العملاق الصيني.
وأخيرا، يتطلع صندوق الاستثمار في السعودية إلى المشاركة بشكل أكبر في سوق الطاقة الروسي. وتبحث «أرامكو» بجدية في العديد من المشاريع في سيبيريا والشمال الروسي. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقعت روسيا والسعودية اتفاقية لإنشاء صندوق استثماري للطاقة بقيمة 1 مليار دولار، بين صندوق الاستثمار العام السعودي وأرامكو السعودية وصندوق الاستثمار الروسي المباشر.
وقد تم توقيع الوثيقة خلال زيارة الملك «سلمان» لموسكو، وعلى الرغم من أنه لم يتم تداول أي أموال فعلية إلا أنها أثبتت العجلة جاهزة للدوران من جانب المملكة.

منظور قطر
ولأن قطر قوة غازية وليست قوة نفطية، فإن قرار صندوق الثروة السيادية الخاص بها بشراء أسهم في «روسنفت» لم يكن متوقعا.
ولأن السعودية وقطر كانتا على خلاف، فقد يكون الدافع المحتمل لاستحواذ قطر على شركة «روسنفت» هو مساعدة المنافس الأكبر لشركة «أرامكو» السعودية في السوق الصينية. وفي الواقع، تجاوزت «روسنفت» شركة «أرامكو» السعودية العام الماضي لتصبح أكبر مورد للنفط الخام في الصين.
وساعدت قطر «روسنفت» مرة أخرى هذا العام، عندما اشترت حصة شركة النفط الصينية «سيفك» في «روسنفت». وكان الإعلان عن الاستحواذ على حصة «سيفك» في الخريف الماضي قد أشار إلى أن تحالف الطاقة الأوثق بين روسيا والصين في خطر.
ولم تكن «سيفك» تعاني من الديون فقط، فقد تعرضت أيضا للانتقادات في الصين وفي الخارج بسبب مزاعم بأنها قبلت رشوة بملايين الدولارات، وبالتالي، لم يكن الوقت مناسبا لـ«سيفك» لإتمام عملية الاستحواذ على أسهم «روسنفت». ولمساعدة «روسنفت» للمرة الثانية، وافق كونسورتيوم قطر-جلينكور على الاحتفاظ بكافة الأسهم التي اكتسبتها «سيفك» في الشركة خلال عام 2016.

منظور الإمارات
وتعد الإمارات سادس أكبر منتج للنفط في أوبك. وعلى الرغم من هذا، كان على الإمارات أن تستورد النفط من الولايات المتحدة للامتثال لخفض الإنتاج الطوعي الذي صاغته منظمة «أوبك» وروسيا بقيادة السعودية.
ومع وجود احتمالات قاتمة لاكتشافات نفطية محلية جديدة، ومع التعهد بمضاعفة قدرتها التكريرية، تنظر الإمارات العربية المتحدة إلى الخارج للحصول على إمدادات نفطية جديدة، وذلك جزئيا لمساعدتها على زيادة مبيعاتها من النفط الخام إلى الصين. وتعمل العديد من حقول النفط التي تعمل بها شركة «غازبروم» على توصيل الخام إلى الشرق الأقصى، خاصة إلى الصين واليابان. ويجعل هذا روسيا شريكا طبيعيا للصفقات التي من شأنها أن تساعد الإمارات على توفير المزيد من النفط للصين.

دور الولايات المتحدة
وترى الولايات المتحدة عددا من الدوافع وراء تعاون موسكو المتنامي في مجال الطاقة مع دول الخليج.
والدافع الأول هو ميزة روسيا في تأمين الموارد المالية غير الغربية، لإضعاف تأثير العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على شركات النفط الروسية. والآخر هو أمل روسيا في أن تؤدي تقوية علاقات الكرملين مع دول الخليج إلى تقويض شراكة الولايات المتحدة طويلة الأمد مع دول المنطقة.
وحتى الآن، فشلت واشنطن في ثني دول الخليج عن التعاون مع روسيا. وهناك سببان رئيسيان لذلك:
أولا: تم تقويض مصداقية الولايات المتحدة مع شركائها التقليديين الأوروبيين والشرق أوسطيين بسبب سياستها الخارجية أحادية الجانب وغير المتسقة، ولا سيما تجاه الشرق الأوسط. وقد جعلت حقيقة أن الولايات المتحدة قد عكست موقفها تجاه إيران مرتين خلال 5 أعوام الخليج قلقا، بشكل خاص، بشأن موثوقية السياسة الخارجية لواشنطن على المدى القريب والمتوسط.
ثانيا: تستفيد الولايات المتحدة من الشراكة المستمرة مع دول الخليج للحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، وحل الأزمات السورية واليمنية. ولمنع ارتفاع أسعار النفط، تحتاج الولايات المتحدة أيضا إلى إمدادات من الخليج وروسيا. وإلا فسوف تكون هناك فجوات في العرض ناتجة عن العقوبات التي قطعت الإمدادات الفنزويلية، والتخفيضات القادمة في الإمدادات الإيرانية مرة أخرى.
لكن هناك بادرة جيدة واحدة في هذه القصة. فقد أعلنت شركة «لوك أويل» الروسية عزمها على احترام العقوبات الأمريكية والانسحاب من إيران، وهذه الخطوة كان وقعها جيدا أيضا على آذان الخليج. وتنظر دول الخليج إلى موسكو باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على إخراج إيران من سوريا. وهنا تعد المكاسب السياسية أكثر وضوحا.
وعموما، وللحفاظ على موطئ قدمها في الخليج، يتعين على الولايات المتحدة تشجيع شركات النفط والغاز الأمريكية على إبرام عقود توريد طويلة الأجل مع دول الخليج، مع استمرار التدقيق العالمي الناشئ في العلاقات الاقتصادية الإيرانية.
وبالنظر إلى أن أزمة الخليج ليست لها نهاية في الأفق، فإن المنافسة بين دول الخليج على السباق نحو روسيا، وسعي موسكو إلى إقامة روابط اقتصادية سيادية أقوى مع شبه الجزيرة العربية، تعطي ميزة لموسكو بشكل واضح.

المصدر | جالف ستاتس أناليتيكس