آل سعود يلاحقون الحلم النووي... من سلطان إلى ابن سلمان

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 323
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

علي مراد
جرية الاخبار
احتفل ابن سلمان بـ«إنجاز» وضع الحجر الأساس لمفاعل للأبحاث النووية سبقته إليه 6 دول عربية! (أ ف ب )
 تستمر السعودية في محاولاتها الحصول على موافقة أميركية لتدشين برنامج نووي لا يقيّد طموحها إلى الحصول على سلاح نووي. بدأت المحاولات في عهد الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، واصطدمت برفض أميركي ــ إسرائيلي حينها. يحاول محمد بن سلمان منذ عام 2015 إعادة إحيائها، مستنداً إلى علاقته القوية بالرئيس دونالد ترامب، وانخراطه في التوجّه التصعيدي ضد إيران، لكن يتبيّن مجدداً أن الأمير الحالم أضاف بأفعاله المزيد من العوامل التي تضعف احتمالات فوزه بـ«النووي».
في 19 شباط/ فبراير الفائت، أصدر رئيس لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي، إيليا كامينغز، تقريراً أكد فيه وجود خطة يتبناها مستشارون مقربون من الرئيس دونالد ترامب «لنقل تكنولوجيا نووية حساسة إلى السعودية»، بناءً على معلومات من موظفين في الإدارة الأميركية أرسلوا شهاداتهم السرّية إلى اللجنة عن وقائع هذه الخطة، والمداولات التي دارت بين مسؤولين في البيت الأبيض وجنرالات متقاعدين وأصدقاء مقرّبين من ترامب. قدّم الموظفون معلومات عن شركة «International IP3»، وهي شركة خاصة قامت بتجميع «كونسورتيوم» من الشركات الأميركية لبناء محطات نووية في السعودية. وفقاً لتقارير إعلامية، فإن مشروع «IP3» الوحيد حالياً هو مخطط البرنامج النووي السعودي.
وفقاً لمعلومات موظفي البيت الأبيض، أفاد ديريك هارفي، مسؤول شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي بين كانون الثاني/ يناير وتموز/ يوليو 2017، في الأسبوع الأول من ولاية ترامب، بأن قرار تبني الخطة النووية الخاصة بشركة «IP3»، المسمّاة «خطة مارشال الشرق الأوسط»، يقضي بتطوير «العشرات من محطات الطاقة النووية». وقد تم إعداد الخطة بالفعل من قِبَل الجنرال مايكل فلين (أول مستشار للأمن القومي في إدارة ترامب) خلال الفترة الانتقالية، عندما كان لا يزال يعمل كمستشار لـ«IP3»، فيما سوّقت الشركة لمشروعها عبر كتابات نشرها مسؤولوها عام 2017.
وبحسب تقرير كامينغز، حذّر موظفو البيت الأبيض من حصول أيّ نقل للتكنولوجيا النووية غير متوافق مع قانون الطاقة الذرية، مشددين على أنه «يجب على الولايات المتحدة والسعودية التوصل إلى اتفاق بروتوكول 123، وأن هذه المتطلبات القانونية لا يمكن التحايل عليها». وأكد الموظفون أن «هارفي تجاهل هذه التحذيرات، وأصرّ على أن قرار نقل التكنولوجيا النووية إلى السعودية قد تم بالفعل». هذا التقرير فتح أبواباً كان «الديمقراطيون» يتحيّنون الفرصة لفتحها، بعد ظهور نتائج انتخابات الكونغرس النصفية الأخيرة وفوزهم بالأغلبية في مجلس النواب، فهم تعهّدوا بالتدقيق في علاقة ترامب الخاصة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خاصة بعد فصول أزمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

بعد اغتيال خاشقجي، تصاعدت أصوات المشرّعين الأميركيين، محذّرة من تلبية طموح ابن سلمان النووي
قبل نهاية كانون الثاني الفائت، احتفل إعلام النظام السعودي بالإعلان عن «تلقّي الرياض عروضاً من خمس دول لإنشاء مفاعلين نوويين على ساحل الخليج بقيمة 14 مليار دولار». وعلى رغم أن هذه العروض لا تعني بأي حال من الأحوال أن السعوديين بدأوا عملياً ببناء مفاعلاتهم النووية، إلا أن جوقة ابن سلمان أصرّت على اعتبار الإعلان أحد «فتوحات ولي الأمر». فابن سلمان المحتاج إلى شدّ العصب الداخلي، تعمل ماكينته الإعلامية على ترسيخ كليشيهات من قبيل «السعودية العظمى»، «السعودية فوق هام السحاب»، وصولاً إلى الكليشيه القديم المتجدد: «السعودية النووية».
وفي الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي (بعد نحو شهر على قتل جمال خاشقجي)، أعلن ابن سلمان في الرياض تدشين سبعة مشاريع ــ وصفها الإعلام الرسمي بـ«الاستراتيجية» ــ كان منها «وضع الحجر الأساس لأول مفاعل للأبحاث النووية السعودية». تجدر الإشارة إلى أن مفاعلات الأبحاث متوافرة بكثرة، ولا يتطلب الحصول عليها موافقة دول نووية كبيرة، بل تمتلكها الجامعات الخاصة علاوة على الدول. ست دول عربية سبقت السعودية إلى امتلاك هذه المفاعلات، بحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بواقع 9 مفاعلات أبحاث من أصل 168 حول العالم حالياً، موجودة في كلّ من مصر، والأردن، وليبيا، والجزائر، والمغرب وسوريا. لكن عندما وصل الأمر إلى السعوديين، تطلّب الإعلان عن «الإنجاز» حفلاً، وضع خلاله ابن سلمان الحجر الأساس لتدشين المفاعل «الاستراتيجي»!
عام 2009، وقّع الإماراتيون اتفاق بروتوكول 123 الأميركي لتأسيس مفاعلات نووية قرب أبو ظبي، وحصلت شركة كورية جنوبية على عطاء بناء المفاعلات، لكن اليورانيوم الذي سوف يُستعمل لإنتاج الطاقة النووية (عام 2019 كما تدّعي أبو ظبي) سوف يشحنه الأميركيون ويشرفون على استعماله وفق معاييرهم. هذا ما يرفضه السعوديون منذ عام 2011، ويصرّون على استثنائهم من الالتزام ببندَي عدم تخصيب اليورانيوم على أراضيهم، والتخلّص من النفايات النووية الناتجة من عمليات التخصيب (البلوتونيوم)، ما يعني أنهم يطمحون إلى امتلاك برنامج نووي لأغراض عسكرية.
خلال جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي منتصف أيار/ مايو 2018، تعرّض وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لهجوم عنيف من السيناتور الجمهوري راند بول، خلال مناقشة خطوة انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران. توجّه بول بالسؤال لبومبيو: «كيف يمكن الإدارة أن تصرّ على معيار محدّد مع إيران، وتتراخى في المعيار مع دول أخرى في الشرق الأوسط؟»، فأجاب بومبيو: «لقد طلبنا من السعوديين تماماً ما طلبناه من إيران. قال السعوديون إنهم يريدون برنامجاً نووياً سلمياً، وقلنا لهم نريد منكم معياراً ذهبياً وفق بروتوكول 123، يمنعهم من تخصيب اليورانيوم». كلام بومبيو يشير ــ ولو ظاهرياً ــ إلى رفض أميركي، وإسرائيلي من خلفه، لأن تمتلك أي دولة عربية تقنية تخصيب اليورانيوم، مهما بلغ حجم انخراطها في المشاريع الأميركية.
قبيل وصوله إلى واشنطن في آذار من العام الماضي، قال ابن سلمان في مقابلته مع شبكة «سي بي أس» إن «السعودية لا تريد الحصول على قنبلة نووية، لكن من دون شك إذا طوّرت إيران قنبلة نووية، فسوف نحذو الحذو نفسه في أسرع وقت ممكن». كلام ابن سلمان في المقابلة تزامن مع تجنيد الرياض ثلاث جماعات ضغط أميركية لإحداث خرق في مواقف المشرعين الأميركيين في الكونغرس، حيال أي اتفاق نووي محتمل مع السعودية، الأمر الذي يفسر ثقة الرجل الزائدة بقدراته على التأثير، متسلّحاً بوعود الفريق الخاص بترامب لفرض اتفاق نووي معه وفق الشروط التي يريدها، بما يخالف القانون الأميركي.

كلام بومبيو يشير ــ ولو ظاهرياً ــ إلى رفض أميركي وإسرائيلي لأن تمتلك أي دولة عربية تقنية التخصيب
إبان فترة حكم الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، ظهرت مؤشرات إما على عدم جدية السعوديين في امتلاك التقنية النووية، وإما على اصطدامهم برفض المشرعين في الكونغرس. في تموز/ يوليو 2011، وقّعت «مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة» عقداً مع جماعة ضغط أميركية تدعى «Pillsbury Winthrop Shaw Pittman LLP» (وثيقة رقم 1) ، تُقدم بموجبه الجماعة خدمات استشارية قانونية تتعلق بالمفاوضات مع الأميركيين للحصول على اتفاق حول البرنامج النووي السعودي، مقابل دفع السعوديين أتعاب مستشاري الجماعة على اختلاف وظائفهم (875$ في الساعة لكبار المستشارين، 775$ لصغار المستشارين، وبمعدل 10 ساعات في اليوم كحد أدنى + 2250$ للجماعة عن كل يوم عمل). وفق البيانات التي صرحت عنها الجماعة لوزارة العدل الأميركية، لم تقم الأخيرة بأي نشاط يُذكر لصالح «مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة» خلال مدة التعاقد. استمر العقد مع الجماعة مدة ثلاث سنوات ونصف سنة، دفع خلالها النظام السعودي ما يقارب 14.5 مليون دولار أميركي، لكن المفاجأة كانت أن الجماعة أبلغت وزارة العدل الأميركية أن عقدها مع السعوديين أُنهِيَ يوم 23 كانون الثاني/ يناير 2015، يوم تسلّم الملك سلمان مقاليد الحكم، ما يطرح المزيد من علامات الاستفهام حول خلفيات التعاقد مع الجماعة والجهات المستفيدة منه.
في شباط/ فبراير 2018، قبيل بدء جولة محمد بن سلمان الخارجية، تعاقدت وزارة الطاقة والصناعة والموارد المعدنية السعودية مع ثلاث جماعات ضغط أميركية لمساعدة الرياض على انتزاع اتفاق مع واشنطن «لتطوير برنامج نووي تجاري داخل السعودية من قبل مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة». المفاجأة كانت أن الوزارة عادت لتجنيد الجماعة نفسها التي جنّدتها عام 2011 وهي «Pillsbury Winthrop Shaw Pittman LLP»، وفق اتفاق عبر البريد الإلكتروني تم إنجازه في 17 شباط/ فبراير 2018 (وثيقة رقم 2)، ثم عادت وزارة الطاقة السعودية وجددت العقد بصيغة رسمية في 22 كانون الثاني الفائت (وثيقة رقم 3)، بحيث أصبحت جماعة الضغط وكيلاً لكل من وزارة الطاقة ومدينة الملك عبد الله، وقّعه عن الجانب السعودي كل من الوزير خالد الفالح، ورئيس مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة خالد السلطان، ومن جانب الجماعة جيفري ميريفيلد.
بالنظر إلى سيرة جيفري ميريفيلد الذاتية، يمكن فهم الطموح السعودي حيال مسعى انتزاع اتفاق نووي مع واشنطن، وبالتحديد في الكونغرس الأميركي، إذ شغل الرجل منصب "مفوّض اللجنة الأميركية لتنظيم الطاقة النووية" بين عامي 1997 و2008، وقبل ذلك عمل مستشاراً قانونياً في مجلس الشيوخ الأميركي، ورئيساً تنفيذياً في أكثر من شركة طاقة أميركية. أحدث إنجازات ميريفيلد كان الوساطة في عملية شراء مجموعة Brookfield Business Partners L.P لشركة Westinghouse Electric Company، صانعة حوالى 450 مفاعلاً نووياً تجارياً حول العالم، والتي يصادف أن ترامب متحمّس لإعطائها امتياز بناء المفاعلات النووية السعودية المفترَضة. ميريفيلد كان قد اتُهِم عام 2009، عقب تقاعده من عمله على رأس اللجنة الأميركية لتنظيم الطاقة النووية، بأنّه استغلّ منصبه قبل تقاعده بشهرين ليصادق على قرارات عادت بالنفع المادي على ثلاث شركات هي: Shaw Group, Westinghouse, General Electric، مقابل وعد بحصوله على وظيفة مرموقة في شركة Shaw Group التي أصبحت لاحقاً مكوّناً أساسياً من شركة Pillsbury Winthrop Shaw Pittman LLP، وهذا ما حصل.
تعاقدات فريق محمد بن سلمان مع شركة Pillsbury Winthrop Shaw Pittman LLP جاءت عن طريق أميركي يدعى "ديفيد كولتغن" كان قد عمل سكرتيراً لشركة أرامكو ومستشارها العام بين عامَي 2010 و2016. مباشرة بعد تقاعده في تشرين الأول/أكتوبر عام 2016، أسّس شركة محاماة في ولاية تكساس الأميركية، وباشر التواصل مع شركات علاقات عامة وجماعات ضغط لصالح وزارة الطاقة السعودية. تظهر رسالة إلكترونية (وثيقة رقم 4) أن كولتغن رتّب تعاقداً لصالح وزارة الطاقة السعودية مع جماعة الضغط King & Spalding، تحصل بموجبه الجماعة على مبلغ 450.000 دولار لمدة شهر، مقابل تقديم خدمات استشارية للوزارة «للحصول على اتفاق بروتوكول 123 وتطوير مفاعل نووي تجاري». في 7 آذار/مارس 2018، أنجزت جماعة King & Spalding اتفاقاً فرعياً مع شركة Gowling WLG (Canada) LLP الكندية عبر البريد الإلكتروني (وثيقة رقم 5)، تلتزم بموجبه الشركة الكندية بـ«العمل على إنجاح جهود حصول مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة على اتفاق بروتوكول 123 وتطوير مفاعل نووي تجاري»، مقابل مبلغ 66.000 دولار لمدة 30 يوماً. وتظهر البيانات التي سلّمها ديفيد كولتغن لوزارة العدل الأميركية بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 2018 (وثيقة رقم 6)، أنه حصل مقابل الخدمات التي قدّمها لوزارة الطاقة السعودية على مبلغ 349.171 دولار أميركي في الفترة بين 20 شباط/فبراير و24 أيار/مايو 2018.

شيرمان: «إن حكومة لا يمكن الوثوق بها بمنشار عظام، يجب ألّا نثق بها وهي تمتلك سلاحاً نووياً»
وفق أحدث البيانات التي سلّمتها جماعة الضغط Pillsbury Winthrop Shaw Pittman LLP لوزارة العدل الأميركية (وثيقة رقم 7)، أجرت الجماعة اتصالات مع مسؤولين في الإدارة الأميركية وأعضاء الكونغرس لصالح وزارة الطاقة السعودية بخصوص البرنامج النووي السعودي. في 3 آذار/مارس 2018، اجتمع مندوبو الجماعة مع كل من دان ويلموت نائب كبير موظفي وزارة الطاقة الأميركية، وكريستوفر فورد مساعد وزير الخارجية لشؤون الأمن الدولي وعدم الانتشار، وأندريا هول مسؤولة ملف أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الانتشار في مجلس الأمن القومي، ومارغريت دوان كبيرة مستشاري اللجنة الأميركية لتنظيم الطاقة النووية. وفي 29 آذار/مارس 2018 اجتمع مندوبو الجماعة مع مساعدي النائبين الديمقراطيَّين غريغوري ميكس وآلسي هاستنغز، وفي 4 نيسان/أبريل 2018 اجتمعوا أيضاً بالمساعد البرلماني للنائب الديمقراطي ليسي كلاي، وفي 30 تموز/يوليو 2018 اتصلت الجماعة بـ«آندي زاك» كبير موظفي لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب الأميركي، لتنسيق زيارة أعضاء اللجنة إلى السعودية.
بعد اغتيال خاشقجي، تصاعدت أصوات المشرّعين الأميركيين في الكونغرس من كلا الحزبين محذّرة من تلبية طموح وليّ العهد السعودي بالحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية. أحد هؤلاء كان النائب الديمقراطي براد شيرمان الذي قال: «إن حكومة لا يمكن الوثوق بها بمنشار عظام، يجب أن لا نثق بها وهي تمتلك سلاحاً نووياً»، وفي 28 شباط/فبراير الفائت تقدّم النائب شيرمان بمشروع قرار «يلزم الإدارة بالحصول على موافقة الكونغرس قبل دخول أي اتفاق نووي سلمي مع السعودية حيز التنفيذ». وكان السيناتور الديمقراطي إدوارد ماركي قد تقدّم في اليوم نفسه بتشريع مشابه لمشروع قرار النواب، مع لحظ أنه حظي بدعم السيناتور الجمهوري ماركو روبيو. هذه الجهود التي يقوم بها أعضاء الكونغرس من الحزبين للحؤول دون أن يحصل ولي العهد السعودي على برنامج نووي على هواه، كفيلة بإعادة الكرة إلى المربّع الأول، حيث يتّضح أنّ الصعوبات التي يواجهها ابن سلمان مع الأميركيين بعد قضية خاشقجي، آخذة في التراكم، وحلم الأمير الشاب يكاد يكون مستحيل التحقّق.


النووي بين «صحصحة» فهد واستعراض سلطان
يروي المعارض السعودي الدكتور محمد المسعري، في مقابلة متلفزة، تفاصيل عمله ضمن لجنة سرّية للإعداد للبرنامج النووي السعودي، ألّفها عام 1987 وزير الدفاع والطيران السعودي الأسبق الأمير سلطان بن عبد العزيز. هدف اللجنة ــ بحسب المسعري ــ كان وضع الأسس «لتدشين الأرضية لبناء قدرات نووية بخبرات سعودية». وقد صدر قرار تأليف هذه اللجنة بناءً على أمر تلقّاه الأمير سلطان من شقيقه الملك آنذاك فهد بن عبد العزيز. يقول المسعري (الحاصل على دكتوراه في الفيزياء النووية من إحدى جامعات ألمانيا) إن الملك فهد في حينه تلقّى رسالة من أكاديمي عربي يسكن في لندن يدعوه فيها «حرصاً منه على مكانة المملكة»، إلى البدء بتطوير برنامج نووي سعودي «ليكون قوة ردع في مقابل البرنامج النووي الإيراني والقنبلة النووية الإسرائيلية».
ترأس اللجنة راشد المبارك (بروفسور في علم الكيمياء) الذي استدعى إليها إضافة إلى المسعري ثلاثة أكاديميين سعوديين متخصصين في علوم الجيولوجيا والهندسة الكهربائية والطاقة. بدأ أعضاء اللجنة أبحاثهم تمهيداً لوضع تصوّر لما يمكن أن يكون عليه البرنامج النووي السعودي. وكان الهدف في نهاية المطاف ــ بحسب المسعري ــ الوصول إلى القدرة على إنتاج السلاح النووي. اجتمع سلطان بأعضاء اللجنة مرتين فقط، في الأولى رفع إليه أعضاء اللجنة مجموعة توصيات، أهمّها استقطاب علماء نوويين من العالمين العربي والاسلامي وإسكانهم وتجنيسهم في السعودية، ورفع طلب إلى باكستان للتعاون معهم وتزويدهم بالخبرات اللازمة للمضي قدماً بالمشروع. في الاجتماع الثاني والأخير، أحضر سلطان ضابطين من الجيش (لواء وعميد) ليعرّف اللجنة إليهما ويخبر المبارك بأن يتابع الملف مع الضابطين، لأنه تقرَّر تكليفهما بالإشراف على البرنامج.
بحسب المسعري، لم يرق ذلك أعضاء اللجنة العلماء، إذ سيشرف على عملهم البحثي والأكاديمي عسكريون ليسوا مؤهّلين للإشراف على مشروع في طور الأبحاث والدراسة. بدأ الشك في عدم جدّية القيادة السعودية حيال المشروع يتسلّل إلى أعضاء اللجنة. بعد مدّة، أرسل المبارك خطاباً إلى الأمير سلطان (متخطّياً الضابطين) يطلب فيه عقد اجتماع ثالث للجنة معه، لكن لم يأتِ ردّ على الخطاب. وبعد أشهر أعاد المحاولة بخطاب ثانٍ، لكنّ سلطان لم يتجاوب، فقرّر المبارك وزملاؤه في اللجنة إنهاء أبحاثهم وصرف النظر عن المشروع برمّته. يفسّر المسعري التراجع الرسمي السعودي عن المشروع إلى أرجحية أنّ الملك فهد لم يكن في حالته الطبيعية عند قراءته لرسالة الأكاديمي العربي واتخاذه قرار إنشاء اللجنة السرّية، لأنه لو كان «مصحصحاً» في تلك اللحظة، لفكّر بالمنع الأميركي له بمجرد التفكير في أمر كهذا بالغ الخطورة.
في أيار عام 1999 زار سلطان بن عبد العزيز باكستان التي كانت قد فجّرت قنبلتها النووية الأولى قبل نحو عام. خلال الزيارة، اصطحب الباكستانيون سلطان إلى منشأة كاهوتا النووية قرب إسلام آباد، وأطلعوه على ما يقومون به من عمليات تخصيب لليورانيوم في المنشأة. أعلنت واشنطن في حينه احتجاجها على الخطوة. ومنذ ذلك الحين، حرص السعوديون على التلميح كل فترة إلى إمكان شراء القنبلة النووية من الباكستانيين، أو تطوير التعاون مع إسلام آباد للحصول على الخبرات النووية منها، إذا اضطروا إلى ذلك، في مقابل تطوير إيران لبرنامجها النووي. أواخر نيسان عام 2014، وفي أوج المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 5+1، نظّمت السعودية عرضاً عسكرياً في قاعدة "حفر الباطن" شمال شرق المملكة، بمناسبة اختتام مناورات أُطلق عليها اسم «سيف عبد الله». خلال الاستعراض، مرّت عربة تحمل صاروخين صينيين من طراز CSS-2 (رياح الشرق) التي اشترتها الرياض عام 1987، وقد كانت المرة الأولى التي يعرض فيها السعوديون هذه الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية. ما استوقف العديد من المتابعين حينها كان حضور رئيس هيئة أركان الجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف في منصة الضيوف، ما فُهِم على أنه إيحاء بانتهاج الخيار النووي بمساعدة باكستانية، إذا تقدّمت مفاوضات الملف النووي مع إيران.

الرياض ليست بحاجة إلى الطاقة النووية
في أيار/ مايو 2014، صدرت عن «المختبر النووي المستقبلي وبرنامج العلوم والأمن العالمي» في جامعة برنستون بالولايات المتحدة دراسة للباحثَين النوويَّين علي الأحمد وم. في. رامانا، شكّكا فيها في اقتصاديات الكهرباء المولَّدة في السعودية. اعتبر الباحثان أن «وجود احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي ــ رغم أن 15٪ فقط من مساحة السعودية تم التنقيب فيها عن الغاز ــ، والفرص الواعدة للطاقة الشمسية نظراً إلى الميزة الجغرافية الواضحة للمملكة في هذا المجال، تجعل الطاقة النووية خياراً غير ذي جدوى اقتصادياً». وخلص الباحثان إلى نتيجة مفادها أن «دوافع السعودية في السعي وراء التكنولوجيا النووية لا تستند إلى تقييم اقتصادي دقيق لخيارات الطاقة، بل إلى حسابات أمنية وسياسية أكثر تعقيداً».

«مدينة عبدالله»... للتخصيب
في 17 نيسان/ أبريل 2010، أصدر الملك السعودي آنذاك، عبد الله بن عبد العزيز، أمراً ملكياً أعلن بموجبه تأسيس «مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة»، على أن تكون الجهة الرسمية المسؤولة عن تأسيس برنامج نووي، يسهم في تقليل الاعتماد على استهلاك البترول لإنتاج الطاقة الكهربائية وتكرير المياه وغيرها من الخدمات. لكن في نص النظام الداخلي لـ«المدينة»، إعلان غير مباشر عن نيّات تخصيب اليورانيوم، وما ينتج من العملية من نفايات نووية مشعة بعد التخصيب. في ذلك الوقت، كان باراك أوباما يسعى إلى إقناع طهران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي. وبحكم الانزعاج السعودي من هذا التوجه الأميركي، حاول الملك الإيحاء بأن بلاده بصدد امتلاك سلاح نووي، في محاولة يائسة للتشويش على مفاوضات مجموعة 5+1 مع إيران، بمعنى أن الدافع إلى المطالبة ببرنامج نووي سعودي كان تخوّف الرياض من توصّل القوى الكبرى إلى اتفاق مع إيران، وليس حاجة السعوديين الاقتصادية والتنموية إلى النووي.