تغيير البشير يربك الشرق الأوسط وتحالفاته.. كيف؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 415
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

إسلام الراجحي
 الأخبار القادمة من السودان تقول إن ثمة تغيير في سلطة البلاد يحدث، إلا أن مآلات هذا التغيير قد تحدث إرباكا في الشرق الأوسط برمته يتخطى التغيير نفسه.
الإرباك الذي سيسببه تغيير "عمر البشير" من رأس السلطة في السودان، سينعكس على دول محورية مهمة في المنطقة، وملفات أكثر تعقيدا من بقاء أو استمرار الرجل في السلطة لاكثر من 30 عاما.
المحور القطري التركي وتواجده في الشرق الإفريقي يجد نفسه أمام مأزق، والمحور السعودي الإماراتي الذي يعتمد على الجنود السودانيين بالحرب في اليمن هو الآخر أمام مأزق.
كما أن العلاقات المصرية السودانية تقف مرتبكة، في ظل دعم القاهرة لـ"البشير" خلال الأسابيع الماضية، في هذه اللحظة، التي يحبس فيها السودانيين أنفاسهم انتظارا لما ستؤول إليه أوضاع البلاد.
"عمر البشير ليس عبدالعزيز بوتفليقة".. هكذا يمكن التعبير عن الفارق بين تغيير رأس السلطة في السودان وتنحي الرئيس الجزائري، خاصة فيما يتعلق بالشأن الخارجي، خاصة أن مواقف الفرقاء والمتنافسين الإقليميين، اتفقت جميعا حول دعم "البشير"، في مواجهة الاحتجاجات المتواصلة ضده منذ 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي.
ولكل من المتنافسين الإقليميين من استمرار حكم "البشير"، مآرب متباينة؛ فمصر تجد السودان عمقها الاستراتيجي، والسعودية والإمارات تنظران إليه بصفته أحد أعمدة التحالف العربي الذي يخوض حربا في اليمن، كما أنهما يخشيان نجاح أي احتجاجات في المنطقة.
أما تركيا، فترى السودان و"البشير" بوابتها الرئيسية في إفريقيا، وتعتبره قطر أحد موازين القوى في الأزمة الخليجية.

قطر وتركيا
قطر، كانت رهان "البشير"، وكانت وجهته كأول زيارة خارجية له منذ اندلاع الاحتجاجات، وكان دعم الدوحة للخرطوم، عرفانا لموقف الأخيرة الرسمي من الأزمة الخليجية، التي وقعت في صيف 2017، والذي جاء متقاربا إلى حد كبير مع الدوحة.
وفي الوقت الذي كانت تحاول فيه السعودية والإمارات التأثير على السودان لتغيير موقفه، استمرت الخرطوم في رؤية ما حدث مع قطر "أمرا غير مبرر"، كما أنها وصفته بـ"الحصار".
وعلى الخط ذاته، تأتي تركيا، التي كانت تعول على "البشير" بشكل كبير، حتى كانت زيارة الرئيس "رجب طيب أردوغان"، للسودان نهاية 2017، حجر زاوية للعلاقات بين البلدين، وضعت فيها أنقرة قدميها في إفريقيا، خاصة بعد حصولها على حق الانتفاع في جزيرة "سواكن" لمدة 99 عاما.
وتعتمد تركيا على السودان في أن يكون -مع الصومال- بوابتها للقرن الإفريقي، وساهمت في المضي في هذا التحالف العلاقات الشخصية بين "البشير" وأردوغان"، واللذين يُنظر إلى كليهما بأنه من أبناء الحركة الإسلامية، ومن ثم وجود رغبة حقيقية وقوية من الطرفين في البقاء في هذا التحالف.
لكن خسارة تركيا حليفا مثل "البشير" سيمثل ضربة قوية للأهداف التي وضعتها أنقرة من أجل إيجاد موطئ قدم في إفريقيا، وإقامة علاقات تجارية واقتصادية مهمة مع أغلب دول القارة السمراء.

السعودية والإمارات
الأمر عند السعودية والإمارات مختلف؛ فكلاهما ينظران إلى "البشير" بصفته الرئيس الداعم لمواقف البلدين في الحرب باليمن، ويشارك بجنوده في حرب لا أحد يعرف مداها الزمني حتى الآن، في ظل تعثر التحالف عن تحقيق تقدم ميداني على الأرض، وفشل متصاعد للمشاورات السياسية بين أطراف النزاع اليمني.
تغيير "البشير" قد يسبب إرباكا في مشاركة السودان في التحالف؛ ما دفع الرياض وأبوظبي إلى دعم "البشير" اقتصاديا وسياسيا.
ظهر ذلك جليا، على لسان "البشير" نفسه، خلال الاحتجاجات الذي أكد أن الإمارات دعمت بلاده بالوقود، وذلك بعد أن كشف قبل أشهر عن دور كبير للسعودية في رفع العقوبات الأمريكية على السودان.
وأمام ذلك، قد تجد إيران، قدما جديدة لها، في البلد الإفريقية، بعدما تخلى عنها "البشير" في 2016 لحساب السعودية.

مصر
أما مصر، التي أرسلت وزير خارجيتها "سامح شكري" ورئيس مخابراتها العامة "عباس كامل" إلى السودان عقب أيام من انطلاق الاحتجاجات، كانت من أشد الداعمين لـ"البشير"، سواء بالبيانات الرسمية، أو عبر تشكيل لجنة استخباراتية أمنية مشتركة، يشرف عليها مباشرة "كامل" دعما للسلطة في البلاد.
واختصت تلك اللجنة بتقديم النصائح للنظام السوداني، ودعمه لاتخاذ قرارات أمنية وإعلامية مناسبة، على ضوء تمتع الأجهزة المصرية بخبرة أوسع في التعامل مع هذه الظروف.
وحسب مسؤولين سودانيين، نقل "شكري" و"كامل" رسالة من الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، تؤكد لـ"البشير" أن "استقرار السودان، يصب بشكل مباشر في استقرار مصر".
وتخشى مصر حالة الانفلات الأمني التي قد تعقب تغيير "البشير"؛ نظرا لأن كميات السلاح الكبيرة المنتشرة في السودان قد تغرق جنوب مصر، من ثم تؤثر بشكل مباشر على استتباب الأمن في مصر.
وأيضا ما يربك القاهرة من حدوث التغيير في نظام الحكم بالسودان، انتشار فوضى ما في الجارة الجنوبية؛ ما قد يساهم في نزوح الآلاف وربما ملايين السودانيين من بلادهم إلى مصر؛ الأمر الذي قد يربك الوضع الاقتصادي المصري الهش بالأساس.
وأيضا ثمة ما يقلق القاهرة بشكل كبير وهو حدوث فراغ في السلطة السودانية؛ ما يؤثر على موقفها الضعيف أمام أديس أبابا بشأن مشروع "سد النهضة" الذي وصلت إثيوبيا فيه إلى مرحلة متقدمة.
وتخشى مصر حدوث أزمة في الخرطوم قد تضعف موقفها أكثر، كما حدث إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، حينما استغلت إثيوبيا الأوضاع غير المستقرة عقب إزاحة الرئيس المعزول "حسني مبارك"، وسارعت إلى البدء في تنفيذ مشروعها العملاق.

تصدير الثورة
كما أن تغيير "البشير" ومن قبله "بوتفليقة"، يثير الخوف من تصدير الثورة، وهي المشكلة التي تؤرق السعودية والإمارات بالإضافة إلى مصر، خاصة أن الحراك في السودان تطور وامتد بصورة مستقلة عن الأحزاب السياسية.
وتقود الرياض وأبوظبي، حسب مراقبين، جهودا حثيثة منذ سنوات؛ لوأد نجاح أي احتجاجات في أي من الدول العربية، خوفا من تصدير الثورة لها.
ولدى هذه الدول حساسية مفرطة من أي تغيير يحدث على مستوى القيادة العليا في النظم العربية؛ خوفا من انتقال عدوى التغيير لها، مثلما اعتبرت أن الربيع العربي سيطال الأنظمة الخليجية، فتمكنت حتى الآن من دعم الثورات المضادة في مصر وليبيا واليمن، وما زالت تحاول في تونس.

سوريا و(إسرائيل)
التطبيع مع نظام "بشار الأسد" في سوريا، يقف أيضا في موقف المرتبك، لا يعرف مصيره، بعد تغيير "البشير"، الذي أجرى زيارة مفاجئة لسوريا والتقى رئيس نظامها، خلافا لقرارات الجامعة العربية، وهو ما اعتبره مراقبون أن "البشير مستعد لفعل المستحيل من أجل البقاء في منصبه".
أما (إسرائيل)، فتجد نفسها أيضا في موقف الباحث عما سيؤوول إليه الأوضاع بعد "البشير"، في ظل اتفاق مسبق أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين قال إن شركات الطيران الإسرائيلية ستتمكن من التحليق فوق السودان في طريقها لأمريكا الجنوبية، في إطار مساع لتحسين العلاقات مع الدول المسلمة وعزل إيران بتشجيع من واشنطن.
وعلى ذكر واشنطن، التي دعت إلى احترام رأي المتظاهرين، تخشى روسيا والصين تغيير الأوضاع في السودان، كونه بوابة البلدين إلى إفريقيا، واستثمرتا فيه ملايين الدولارات، خلال السنوات الأخيرة.
وإذا كان الحراك الاحتجاجي انطلق في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي احتجاجا على رفع الأسعار بسبب نسبة تضخم تقارب 73% وفي بلد يعيش نصف سكانه تحت خط الفقر، فإن شعارات الحراك تغيرت بصورة سريعة لتصبح سياسية وتطالب بإسقاط نظام "البشير"، في هتافات تذكر بما كان يتردد في مصر وتونس قبل 8 سنوات خلال الربيع العربي.
وفي الصباح، وردت أنباء عن دخول مجموعة من ضباط الجيش مبنى التليفزيون، وطلبهم ضم جميع الموجات، وسط ترقب في السودان أن يتضمن البيان المنتظر من الجيش إعلانا عن الإطاحة بـ"البشير"، الذي يقود البلاد منذ 3 عقود (75 عاما) بعد أشهر من الاحتجاجات المتواصلة بالشوارع.
وفي الوقت الذي بدأ التليفزيون الرسمي في بث أغان وطنية، وأعلن أن بيانا مهما سيصدر عن القوات المسلحة بعد قليل، قالت تسريبات إعلامية إن "البشير" تحت الإقامة الجبرية، وإن ضباطا من الجيش السوداني أبلغوه أنه لم يعد رئيسا للجمهورية.

المصدر | الخليج الجديد