لماذا لا تستطيع السعودية استخدام سلاح النفط ضد أمريكا؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 208
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير أسامة محمد - الخليج الجديد
 أثارت جريمة القتل الصاخبة لصحفي "واشنطن بوست" والمقيم في الولايات المتحدة "جمال خاشقجي" رد فعل نادر في السياسة الأمريكية المعاصرة حيث صنعت إجماعا بين الحزبين. وقد ندد كل من الجمهوريين والديمقراطيين في مجلس النواب ومجلس الشيوخ بالمملكة العربية السعودية بسبب عملية الاغتيال، وحث النائب البارز "ليندسي غراهام" على ضرورة أن تعاقب الولايات المتحدة الحكومة السعودية.
إلا أن إدارة الرئيس "ترامب" تبنت حتى الآن استجابة منخفضة بشكل ملحوظ: فهي تفكر في فرض عقوبات على الناشطين ذوي المستوى المنخفض الذين نفذوا عملية القتل، لكنها لم تعط مؤشرا يذكر على أنها ستحمل ولي العهد "محمد بن سلمان" مسؤولية شخصية. أحد التفسيرات لهذا التحفظ هو أن الإدارة تخشى أن تؤدي الخطوات العقابية إلى تعقيد سياستها تجاه إيران. وقد ألمح كبار المسؤولين في الإدارة، بمن فيهم وزير الخارجية "مايك بومبيو" ووزير الخزانة "ستيفن منوشين"، إلى مثل هذه المخاوف عند الضغط في قضية "خاشقجي".
ويقال إن المسؤولين في الإدارة قلقون من أنه من خلال فرض الكثير من الضغوط على المملكة، فإنهم قد يخسرون المساعدة السعودية في ضبط سوق النفط. وتعتمد إدارة "ترامب" على المملكة العربية السعودية، باعتبارها المنتج البديل في العالم، لزيادة إنتاج النفط للمساعدة في تعويض الخسارة المتوقعة للإمدادات الإيرانية مع إعادة فرض العقوبات.
ويقال إن المسؤولين الأمريكيين يخشون من أن السعودية يمكن أن تقوض هذه الخطة برفضها زيادة إنتاجها النفطي أو ربما حتى خفض إنتاجها. ومن المحتمل أن يتسبب هذا الإجراء في حدوث ارتفاع مثير في أسعار النفط العالمية، وسيضطر الشعب الأمريكي لدفع المزيد مقابل الوقود وساعتها سيكون لدى الدول الأوروبية المستاءة من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي حافزا إضافيا لتخفيض العقوبات، وسوف تتمتع إيران بعائدات أكبر من أي نفط تستطيع بيعه. وتشكل هذه السلسلة من الأحداث تحديا جوهريا لخطة "ترامب" لمواجهة إيران، والتي يتمثل أحد المكونات الرئيسية فيها في زيادة الضغط الاقتصادي في محاولة لتغيير سياسات طهران.
يدرك النظام الملكي السعودي تمام الإدراك مدى تركيز الإدارة الأمريكية على إيران ويبدو أنه يريد إثارة هذه المخاوف. وفي بيان صدر في 14 أكتوبر/تشرين الأول، ألمحت السعودية إلى استخدام "سلاح النفط"، مذكّرة الولايات المتحدة بأن "اقتصاد المملكة له دور مؤثر وحيوي في الاقتصاد العالمي". وذهبت الشبكة الاخبارية المملوكة لـ"العربية" إلى أبعد من ذلك، مهددة أن المملكة سوف تتصالح مع إيران ردا على الضغط الأمريكي قائلة على لسان مديرها السابق "تركي الدخيل" أنه "إذا كان سعر النفط الذي وصل إلى 80 دولارا أغضب الرئيس ترامب، فلا ينبغي لأحد أن يستبعد أن يقفز السعر إلى 100 دولار، أو 200 دولار أو حتى مضاعفة هذا الرقم".

تهديدات فارغة
في حين أن السعودية لديها القدرة على فرض تكاليف على الولايات المتحدة إذا استاءت من اتخاذ إجراءات قوية بشأن قضية "خاشقجي"، فإن التهديدات السعودية بتخريب سياسة الرئيس "ترامب" في إيران من خلال التلاعب بسوق النفط لا تبدو ذات مصداقية، وذلك لسببين رئيسيين. أولاهما أن الرياض شديدة الحساسية من الخطر المحتمل الذي يشكله جارها الأكبر في الخليج منذ عقود، وقد أشارت القيادة السعودية بشكل متزايد إلى أنها تعتبر إيران تهديدا وجوديا.
في الواقع، أكد ولي العهد على إلحاح التهديد الإيراني لبلاده قائلا: "نحن الهدف الرئيسي للنظام الإيراني"، وحذر أن المملكة لن تنتظر أن تكون المعركة في المملكة العربية السعودية. كما يتضح تركيز "بن سلمان" على إيران في حملته المدمرة ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من طهران في اليمن، والتي تسببت في كارثة إنسانية وتتكبد السعودية فيها ما لا يقل عن 50 مليار دولار سنويا، ويبدو أن ولي العهد عازم على الاستمرار في هذه الحرب إلى أن يتم الحد من التأثير الإيراني.
وأمضت السعودية سنوات لتشجيع واشنطن على اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية ضد إيران، بما في ذلك حث وزير الدفاع "روبرت غيتس" على البدء بعمل عسكري ضد طهران في عام 2010. لذا، لا يعد الدعم السعودي لحملة إدارة "ترامب" ضد إيران ميزة تمنحها الرياض للولايات المتحدة ولكنه انعكاس لقلق الرياض الأصيل حول النوايا الإيرانية. لذلك من المستبعد أن تتخذ السعودية أي خطوة من شأنها أن تخفف عن عمد الضغوط على طهران وتعطل شراكة المملكة مع إدارة "ترامب" لمواجهة منافستها الإقليمية.
ويبقى المنطق الاقتصادي للعناد السعودي غير مقنع بنفس القدر. فعلى الرغم من أن استخدام السعودية لـ"سلاح النفط" سيسبب بالفعل ضررا قصير الأجل للاقتصادات الأمريكية والعالمية، إلا أنه سيؤدي في النهاية إلى إلحاق ضرر أكبر بالاقتصاد السعودي على المدى المتوسط ​​إلى المدى الطويل. والسبب في ذلك ليس أن الولايات المتحدة قد حققت استقلالا في مجال الطاقة فحسب، لكن أيضا النفوذ السعودي المتراجع في سوق النفط العالمية الذي سيدفع الأسعار للهبوط في النهاية، بينما تخسر السعودية من حصتها السوقية.
ببساطة، فإن السعودية في نهاية المطاف ستصل لبيع كميات أقل من النفط بالقرب من الأسعار الحالية، مما يعني أنها ستفقد الإيرادات. وتعاني المملكة بالفعل من انخفاض الإيرادات عما كان متوقعا، حيث اضطرت إلى تقليص الخدمات والفوائد لشعبها. وفي ظل تجاوز الدين العام 20 في المائة، لا تستطيع السعودية أن تتحمل التضحية بإيرادات إضافية من النفط.

هدف طموح
ولا يتطلب الضغط الإضافي الكبير على إيران من كل مشترٍ رئيسي للنفط الإيراني أن يقلل وارداته إلى الصفر أو ما يقارب الصفر. عندما طبقت إدارة "أوباما" عقوبات مماثلة في الفترة 2012-2015، خفضت العديد من البلدان من وارداتها فورا، لكن آخرين خفضوا تدريجيا مشترياتهم بمرور الوقت، استنادا إلى توقعات إمدادات النفط. ومع ذلك، انخفضت صادرات إيران من النفط الخام إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وفقدت الجمهورية الإسلامية مليارات الدولارات من الإيرادات.
ويعد هدف الإدارة المتمثل في تقويض صادرات النفط الإيرانية هدفا طموحا على الأرجح، ومن غير المرجح أن يتحقق بحلول الموعد النهائي في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، حيث توحد الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين بشكل غير مسبوق على التحايل على الولايات المتحدة ولا يزال يتعين ملاحظة فعالية هذا الجهد.
وتتعرض سياسة إدارة "ترامب" في إيران بالفعل لخطر الفشل، ولكن ليس بسبب مستويات إنتاج النفط في المملكة العربية السعودية. ولكن بسبب الحلفاء الذين أبعدتهم الإدارة من خلال انسحابها الأحادي من الاتفاقية النووية، على الرغم من استمرار امتثال إيران لشروطها. إن تحويل الحسابات الاستراتيجية المعقدة في إيران كان يتطلب تاريخيا أن تشكل الولايات المتحدة وحلفاؤها جبهة متواصلة وموحدة.
لكن إدارة "ترامب" أعطت إيران ميزة استراتيجية من خلال كسر هذه الوحدة، والاعتماد بدلا من ذلك على التهديدات والضغط من جانب واحد، بينما فشلت في تقديم مسار عملي للدبلوماسية. وقد غذى نهج واشنطن تصورا بين قادة إيران مفاده أن الولايات المتحدة عازمة على متابعة تغيير النظام وقد قلص ذلك التهديد المتصور مساحة المساومة القيّمة، مما جعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للولايات المتحدة لتقديم الضمانات الموثوقة التي قد تؤمّن تنازلات.
سيكون من سوء التقدير الاستراتيجي للولايات المتحدة أن تعفي القيادة السعودية من المسؤولية عن مقتل "خاشقجي"، خاصة إذا فعلت ذلك من أجل الحفاظ على سياستها تجاه إيران حيث يعد سيناريو الانتقام السعودي غير محتمل وسيكون في جميع الأحوال قابلا للإدارة. ورغم ذلك، فإن نتيجة قضية "خاشقجي" هي في الواقع وثيقة الصلة بسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران لكن ليس بالطريقة التي يبدو أن كبار المسئولين الأمريكيين يفكرون بها.
وكما قال وزير الدفاع "جيمس ماتيس" مؤخرا تعليقا على مقتل "خاشقجي": "إن تقاعس أي دولة واحدة عن الالتزام بالمعايير الدولية وحكم القانون يقوض الاستقرار الإقليمي". كانت إيران هي من تتحدى المعايير الدولية لكن يبدو أن حلفاء الولايات المتحدة يتصرفون بطريقة مشابهة لإيران دون لوم حقيقي وهذا سيجعل مهمة احتواء التهديدات الإيرانية على المصالح الأمريكية، والتحدث بشكل موثوق عن دعم أولئك الذين يواجهون الظلم داخل إيران، مهمة أكثر صعوبة.

المصدر | أندرو ميلر وسحر نور زاده - فورين أفيرز