من الشاه إلى بن سلمان.. التاريخ المخزي للغرب لدعم المستبدين

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 641
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 في عام 1954، عندما زار "محمد رضا بهلوي" شاه إيران، الولايات المتحدة، أعلنت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "النفط صار يتدفق مرة أخرى إلى الأسواق الحرة في العالم".
وفي العام السابق، كانت قد تمت الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني، "محمد مصدق"، في انقلاب برعاية الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وفي غضون أعوام قلائل، ساعدت الاستخبارات الأمريكية في إنشاء جهاز "السافاك"، وكالة الأمن الشيطانية للشاه، المسؤولة عن تعذيب وإخفاء عدد لا يحصى من المعارضين.
ووفقا لصحيفة "التايمز"، كان "مصدق" "في المكان الذي ينتمي إليه" في السجن، وكانت إيران في عهد جديد مفتوح أمام "آفاق جديدة ومباركة".
وفي العام التالي، رحبت مجلة "ذي أتلانتيك" الشهرية بالشاه "كقوة إيجابية"، وهو ما يلخص لهجة التغطية الصحفية الأمريكية لعصابات مغتصبة عديمة الرحمة.
وبعد ذلك بسنوات بدأ السياسيون والمستثمرون والصحفيون في الولايات المتحدة بالإشادة بدولة أخرى غنية بالنفط، وحليف آخر لواشنطن هي السعودية وأميرها، ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" الذي يقف الآن متهما بجرائم لا توصف، بما في ذلك قتل الصحفي "جمال خاشقجي" وتقطيع أوصاله بمنشار عظم.

الإصلاحي المزيف
ولعدة أشهر، كان الأمير "محمد" قد تم تقديمه كشخصية ثورية في الصحافة الأمريكية.
وادعى "جيفري جولدبيرج"، المحرر الحالي لصحيفة "ذي أتلانتيك"، أن مجيئه كان بالغ الأهمية، مثل انهيار الاتحاد السوفييتي.
وعاد "ديفيد إغناتيوس" من صحيفة "واشنطن بوست" من المملكة برؤية مفادها أن الأمير كان يجلب "مجتمعا أكثر حداثة وأكثر ريادة في مجال الأعمال، وأقل صرامة وأكثر شبابا".
ويبدو أن القصة الرومانسية الغربية التي انتهت بنتائج سيئة مؤخرا في دولة عربية أخرى لم تقدم دروسا كافية لمشجعي "بن سلمان".
وحتى عام 2011، كان "سيف الإسلام القذافي"، نجل الديكتاتور الليبي، قد صُوِّر كرجل قوي يهدف إلى تحرير البلاد، من قبل العديد من أعضاء المؤسسة الأنجلوأمريكية، حتى إنه تمكن من الحصول على دعم "توني بلير"، رئيس وزراء بريطانيا السابق، الذي وصفه بأنه "صديق شخصي مقرب"، تعليقا على حصوله على شهادة الدكتوراه في مدرسة لندن للاقتصاد.
ولقد تحطم هذا الوهم عندما قام "القذافي" الابن بمحاربة خصوم والده بضراوة خلال ثورات الربيع العربي.
فلماذا تستسلم النخبة الغربية مرارا وتكرارا لهذا الخيال الزائف حول هذا المصلح الشاب الحداثي الذي يأتي ليحدث ثورة من الأعلى إلى الأسفل في الشرق الأوسط؟
ومما لا شك فيه أن الرجال والنساء شبه الغربيين الذين يعززون الصورة النمطية للغرب حول هؤلاء الشرقيين المنبهرين بالغرب من ذوي الثروة والقوة غالبا ما يتمتعون بدعم كبير في الغرب الذي يميل إلى الإشارة لهم كرموز ليبرالية برجوازية، على خلاف المصلحين الخشنين مثل "محمود أحمدي نجاد" في إيران.
ويمكن لـ"بن سلمان"، على سبيل المثال، أن يشرف على المذابح في اليمن دون خوف، طالما أنه يلبس الجينز الأزرق، ويعد بأن يدع النساء السعوديات يقدن السيارات.
وبالمثل، تم تقديم رئيسة الوزراء الباكستانية "بينظير بوتو"، وهي خريجة جامعات هارفارد وأكسفورد، إلى نظرائها الغربيين كنسوية راديكالية، حتى عندما شجعت حركة طالبان في أفغانستان، واستعانت بالأصوليين الإسلاميين في الداخل أثناء نهب أموال بلدها.
وكان الغربيون يشجعون الدور الذي خصصه الرئيس السوري "بشار الأسد" لزوجته "أسماء"، المولودة في بريطانيا، لكن تلك الصورة تحطمت مع الأحداث الدامية في سوريا فيما بعد.
وتؤثر المخاوف الاستراتيجية أيضا على العقول المسحورة بالأمراء الجذابين وأميرات الشرق.
وبالنسبة إلى العديد داخل الإدارة الأمريكية بالإضافة إلى الرئيس "ترامب"، فإن كراهية "بن سلمان" لإيران والتعاطف تجاه (إسرائيل) تتجاوز كل الاعتبارات الأخرى.
وصحيح أيضا أن هناك احتياجا لاستمرار تدفق النفط في الأسواق الحرة، فهناك الكثير من الأموال التي يمكن جنيها من بيع أشياء إلى الأمير لا تحتاجها بلاده.

خوف الجماهير
ومع ذلك، لا تفسر الأخلاق الانتقائية، والسياسة الواقعية، والجشع المجرد، وعبادة المشاهير القاسية، بشكل كامل قصر النظر الذي يبرر الجرائم البشعة لدرجة يصبح من المستحيل إخفاؤها.
وينبع هذا الدعم للاستبداد شبه المستنير من الخوف الشديد من الجماهير الساخطة سياسيا، وعلاوة على ذلك، فإن إطلاق العنان للقوة المميتة ضدهم ليس مجرد زلة أخلاقية عرضية، بل هي طريقة مفضلة لتأديب ومعاقبة المعارضة التي قد تصبح مزعزعة للنظام العالمي.
ومن المؤكد أن المؤسسات والأفراد الأقوياء في الغرب دفعوا بشغف إلى مشاريع قسرية واضحة للتغريب، حتى لو لم تخلو اللعبة من بعض الفظائع البارزة.
وعلى سبيل المثال، لم يكن "سانجاي غاندي"، الحاكم الفعلي للهند في منتصف السبعينات، يضع معارضيه السياسيين في السجن فحسب، بل ترأس التعقيم القسري لملايين الرجال الفقراء، في برنامج لترشيد السكان روجت له بقوة في العالم الثالث مؤسسة "فورد"، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.
وفي حين علقت والدة "سانجاي"، رئيسة الوزراء "أنديرا غاندي"، الحقوق الأساسية، تم تعقيم أكثر من 6 ملايين رجل في الهند في عام واحد، وقد رحب رئيس البنك الدولي، "روبرت ماكنمارا" بذلك ، في زيارة إلى الهند عام 1976، وأشاد بـ"نهج واقعي منضبط" لـ"غاندي".
وكذلك تم تصميم حملة الصدمة والرعب الأمريكية في العراق، ونظام التعذيب والترحيل السري المرافق لها، على افتراض أن الوحشية هي السبيل الوحيد لتأديب العرب.
وقد استذكر أحد كبار المسؤولين في البيت الأبيض اجتماعا مع المؤرخ "برنارد لويس"، الذي قال لإدارة "بوش": "في هذا الجزء من العالم، لا شيء أكثر أهمية من الإرادة والقوة الحازمين".
وبناء على ذلك، شن الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون حروبا خارجة على القانون في الشرق، حيث وضعت "قوائم القتل"، وصدرت الأوامر بتنفيذ عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء بواسطة الطائرات بدون طيار.
وفي الآونة الأخيرة، حاولت إحدى أغنى بلدان المنطقة، وهي المملكة العربية السعودية، تجويع اليمن شبه المعدم لإخضاعه، بمساعدة ترسانة من أحدث الأسلحة حصلت عليها من بعض الديمقراطيات الليبرالية الرائدة في العالم.
ويتدافع الآن العديد من محبي "بن سلمان" في الغرب للتنصل منه، بعد أن كال له الكثيرون المدح والتعظيم حتى وقتٍ قريب.
وفيما يبدو، سيستمر هذا النهج دون تعلم أي من الدروس الماضية الواحد تلو الآخر.

المصدر | نيويورك تايمز