روسيا والخليج.. ما وراء الشراكة المستحيلة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 314
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 كان الطموح هو الدافع الرئيسي وراء عودة روسيا إلى الشرق الأوسط. وتمكنت موسكو عبير التدخل في سوريا من تحدي دور الولايات المتحدة كحام إقليمي، في وقت اختار فيه البيت الأبيض فك الارتباط والانسحاب من المنطقة بشكل كبير. ومع ذلك، فإن سياسة روسيا في الشرق الأوسط، التي تتسم بالبراغماتية والتصادمية بطبيعتها، كانت مختلفة فيما يتعلق بمجلس التعاون الخليجي. وبينما طورت موسكو وجهة نظر مفادها أن الشرق الأوسط هو ساحة معركة ضد الغرب؛ حيث تدافع عن مصالحها الوطنية، فإن هذا الرأي لم يمتد إلى دول مجلس التعاون الخليجي.

مقاربة مختلفة
وما يجعل منطقة الخليج مختلفة عن بقية المنطقة هو التنافس بين قوتين عظميين، إيران والسعودية. وتسير روسيا بحذر عندما تقترب من الخليج، وتفهم أن المشاركة بفاعلية أكبر في السياسة الإقليمية قد تجعل علاقاتها غير مريحة، ليس فقط مع دول المجلس بل أيضا مع شريكتها إيران. وفيما يتعلق بالخليج، تعرف روسيا حدودها أيضا، فهي تعترف بأن دول مجلس التعاون الخليجي تظل راسخة في مجال النفوذ الأمريكي، وهذا يعني أن روسيا لا يمكنها أيضا استكشاف الفرص هناك دون تحدي موقف أمريكا مع ممالك الخليج السنية.
وقبل فترة طويلة من عودة روسيا إلى الشرق الأوسط عام 2015، نظرت موسكو إلى دول المجلس باعتبارها منطقة مليئة بالفرص التجارية. وبينما تركز أجندة روسيا في الشرق الأوسط بالكامل تقريبا على الأمن، فإن ملف مجلس التعاون الخليجي تديره وزارة التنمية الاقتصادية ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة الطاقة. وأصبح صندوق الاستثمار المباشر الروسي الذي تأسس في عام 2011 أحد الفاعلين الاقتصاديين البارزين في المنطقة منذ وقعت روسيا وشركة «مبادلة» الإماراتية للتنمية أول صفقة استثمارية لهما عام 2013.
ومن المثير للدهشة أن موقف روسيا من الممالك السنية في الخليج لم يتغير مع تهافت موسكو على الصراع السوري، وبعد أن وجدت نفسها متفقة مع إيران دعما للرئيس السوري «بشار الأسد». وعلى الرغم من الخلافات حول طرق تسوية الأزمة السورية، التي تحولت في بعض الأحيان إلى انتقادات لاذعة بين روسيا والمملكة العربية السعودية، إلا أن موسكو والملكيات السنية قد تمكنت من الفصل بين كلا الأمرين في علاقتهما. واتفق الطرفان ضمنيا على الفصل بين قضيتي إيران وسوريا من جهة وجدول الأعمال الثنائي من جهة أخرى، الأمر الذي قد يسمح للجانبين بالاستفادة ماليا.

دوافع معقدة
وفي حين يعد دافع اهتمام روسيا بمجلس التعاون الخليجي واضحا تماما نظرا للعزلة المتنامية من قبل أوروبا، فإن سبب اعتبار ممالك الخليج لروسيا كشريك جدير بالثقة يعد أمرا أكثر تعقيدا. ويبدو أن موسكو تعتبر لاعبا أكثر ثباتا وموثوقية في وقوفه بجانب شركائه بغض النظر عن أي شيء. ولقد كان الوضع معاكسا من قبل الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة لـ «أوباما»، والذي أدى تراجعه عن شؤون الشرق الأوسط وتمكين إيران إلى تحفيز الممالك السنية على البحث عن ضامن بديل لأمنها. وكانت روسيا، بطموحاتها الجيوسياسية، شريكا محتملا جديدا.
لكن ليس فقط قوة موسكو السياسية هو ما تتطلع له ممالك الخليج للاستفادة منها. فلا يزال ينظر إلى روسيا كسوق مربحة للمستثمرين. وفي حين تحمل السوق الروسية مخاطر كبيرة، إلا أنها توفر عائدات عالية، وهذا هو السبب في أن صناديق الثروة السيادية في 5 من دول مجلس التعاون الخليجي الست وقعت اتفاقيات استثمار مع الحكومات الروسية. ومن خلال التوصل إلى اتفاق عام 2017 بشأن تخفيضات النفط مع منظمة أوبك، أثبتت موسكو أن سياستها في الشرق الأوسط لا تقتصر فقط على تحقيق مكاسب جيوسياسية في حقبة الحرب الباردة، ولكنها تظل واقعية للغاية إذا كانت مصالحها تتقارب مع مصالح دول الخليج المنتجة للنفط.
ولقد عملت سياسة روسيا الحازمة تجاه الشرق الأوسط فقط على تضخيم الحاجة إلى تطوير علاقة بناءة مع موسكو. وعلى مدى العامين الماضيين، شهدت روسيا زيادة كبيرة في الزيارات الملكية لموسكو، نتج عنها العشرات من اتفاقات الاستثمار وصفقات الطاقة الموقعة. وكان أهمها زيارة الملك السعودي «سلمان» إلى موسكو في أكتوبر/تشرين الأول عام 2017.
وترتكز أهمية هذه الزيارة على حقيقة أنها أصبحت أول زيارة لعاهل سعودي إلى روسيا منذ أن تأسست العلاقات بين موسكو والدولة السعودية الثالثة. وكان الاجتماع لا بأس به من الناحية العملية، وكان رمزيا إلى حد كبير بالنسبة للبلدين، وقد رمز إلى إعادة تفعيل علاقاتهما. واقترب الجانبان بذلك من أهداف سياسية واضحة، ففي حين تتطلع روسيا إلى كسب القبول في الشوارع العربية من خلال تطوير علاقات قوية مع الملك السعودي، فإن العاهل السعودي قد رأى في المقابل في تقاربه مع روسيا فرصة لكسب التأييد للتحول المستمر في المملكة، وإضفاء الشرعية على ابنه، ولي العهد «محمد بن سلمان»، دوليا كملك المستقبل.
وفي هذا السياق، ألقت الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت داخل مجلس التعاون الخليجي، في يونيو/حزيران 2017، بظلالها على موسكو. وأبدت روسيا استعدادها للتوسط في هذه الأزمة، وظلت على الحياد رغم تصريح سفير الإمارات حول إمكانية «فرض شروط» على الشركاء التجاريين لمجلس التعاون الخليجي للاختيار بين قطر وبقية الكتلة. ومما يثير الدهشة أن موسكو وجدت نفسها في النهاية مستفيدة من هذه الأزمة، حيث حاولت كل من الدوحة والرياض حشد دعم روسيا، واستمرا في إبرام صفقات مربحة معها. ويمكن القول إن الصراع الدبلوماسي يعمل في مصلحة روسيا، لأنه يمنع ظهور قطب أوحد في منطقة الخليج، ويحافظ على توازن القوة هناك عند حد معين.
وما يقلق موسكو في هذا الصدد هو كيف أصبحت السياسة الخارجية للمملكة مغامرة وتدخلية صريحة. وقد يكون «محمد بن سلمان» يعاني من أجل كبح جماح إيران في اليمن، لكن من المؤكد أنه قد وضع نصب عينيه صد توسع إيران في الشرق الأوسط. وربما تكون الرياض قد ابتعدت عن سوريا، لكنها شرعت في حملة أكثر نجاحا لاحتواء نفوذ إيران في العراق. وسوف تؤثر المواجهة بين الاثنين حتما على حملة روسيا في سوريا، وسوف تضع موسكو في دائرة الضوء كداعم لتوسع إيران.

المصدر | كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية