عدن تَحوّلت إلى ساحَة حَرب بالإنابة بين السعوديّة والإمارات مع احترامِنا لنَفي الدكتور قرقاش..

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 224
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

الانفصال باتَ وشيكًا ولكن دَولة الجنوب التي نَعرفها جُغرافيًّا ودِيمغرافيًّا قد لا تَعود.. واحتمال عَودة “السَّلطنات” غير مُستبعد.. والشَّعب اليَمني هو ضَحيّة صِراع الفِيلة
 الأمر المُؤكّد أن السيد عبد الملك الحوثي، رئيس حركة “أنصار الله” الحوثيّة، يَفركْ يَديه فرحًا وهو يُتابع الاشتباكات الدمويّة التي سادَت مدينة عدن، العاصِمة المُؤقّتة للحُكومة “الشرعيّة” طِوال اليَومين الماضِيين بين قوّات المَجلس الانتقالي الجَنوبي الانفصالي، وقوّات الحِماية الرئاسيّة التي يَتزعّمها ابن الرئيس عبد ربه منصور هادي.
لا شَكْ أن عدد القَتلى والجَرحى الذين سَقطوا في هذهِ الاشتباكات التي شَملت أحياءً عديدة في عدن مثل كريتر وخور مكسر، ووصلت إلى القصر الجُمهوري في المعاشيق، ليس مُؤلِمًا فقط، وإنّما يَنطوي أيضًا على أهميّةٍ كبيرة، لكن ما هو أهم وأخطر هو مَدلولات هذا الصِّدام المُسلّح، والقِوى التي تَقف خَلفها، والنتائج التي يُمكن أن تترتّب عليه على المَدّيين المُتوسِّط والبَعيد.
المسألة في تقديرنا أكبر من مجلس الحُكم الانتقالي ومُطالبة بإسقاط حُكومة السيد أحمد عبيد بن دغر بتُهم الفَساد وانعدام الكفاءة، وعدم تلبية احتياجات اليمنيين في الجنوب، وتحسين ظُروفِهم المَعيشيّة، فنحن أمام مجلس انتقالي يَرأسه السيد عيدروس الزبيدي، مُحافظ عدن الأسبق الذي فَصله الرئيس هادي، ويتمتّع بشَعبيّة كبيرة في المدينة، يُريد إحياء دولة الجنوب المُستقلّة، ويَحظى بدَعم دولة الإمارات العربيّة المتحدة صاحبة الكَلمة الأولى والأخيرة في الجَنوب اليمني.
دولة الإمارات لم تَكُن مُطلقًا على علاقةٍ جيّدة مع الرئيس منصور هادي المُقيم في الرياض، ولم تَرتحْ لإبعاده السيد الخالد بحاح رئيس الوزراء الأسبق المُقيم حاليًّا في أبو ظبي، وإحلال السيد بن دغر مكانه، وعندما حاول الرئيس هادي منصور زيارة أبو ظبي قبل عام في مُحاولةٍ لتَطويق الخِلافات مع قِيادتها، لم يَجد في استقباله في المطار غير ضابِط مُخابرات، وتَعرّض للكثير من التَّقريع من قِبل الشيخ محمد بن زايد، وليّ العهد الذي التقاه في ممر القِيادة وقوفًا فقط، حسب تقارير إخباريّة لم يَتم نَفيها.
مدينة عدن تشهد حاليًّا حَربًا بالإنابة بين أنصار هادي المَدعومين من الرياض، وأنصار المَجلس الانتقالي الذين يَحظون بدعمٍ من دولة الإمارات، واشتباكات الأمس هي انعكاسٌ للخِلاف “غير المُعلن” بين السعوديّة والإمارات، العُضوين الأبرز في التّحالف العربي الذي يُحارب لعَودة “الشرعيّة” في اليمن، ومن يَقول غير ذلك يُجافي الحقيقة بِما في ذلك الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجيّة، الذي حاوَل نَفي هذا الخِلاف بنَشر تَغريدة على حِسابه في “التويتر” قال فيها “أن مَوقِف الإمارات مِمّا يَجري في عدن واضِح، الإمارات تَدعم التَّحالف العربي الذي تَقوده السعوديّة ولا عَزاء لِمَن يَسعى إلى الفِتنة”.
أسباب الخِلافات السعوديّة الإماراتيّة في اليمن مُتعدّدة، أبرزها استقبال الأولى، أي السعوديّة، لحِزب الإصلاح الإسلامي الإخواني، والتَّحالف معه في مَيادين القِتال في تعز وعدن، والتمسّك بالرئيس هادي ورئيس وزرائه بن دغر، وتعيين اللواء علي محسن الأحمر، المَعروف بِمُيوله الإخوانيّة، نائِبًا للرئيس اليمني وقائِدًا للقوّات اليمنيّة، ليَحل مَحل السيد بحاح، رجل الإمارات في هذين المَنصبين.
الإمارات تدعم استقلال الجنوب، وقِيام دولةٍ مدنيّةٍ عَلمانيّة على أرضه، وتُريد حصّر جُهودها وإعطاء الأولويّة لتَحقيق هذا الهَدف، وإن كانت لا تُجاهِر بذلك، بينما ترى السعوديّة أن الخطر الأكبر الذي يُهدّدها يأتي من الشَّمال الذي يُسيطر عليه الحوثيون، ويَخوضون حرب استنزاف ضِدها في حُدودها الجنوبيّة، ويُهدّدون أمنها واستقرارها بإطلاق صَواريخ باليستيّة وصلت إلى الرياض وجدة والطائف وخميس مشيط، علاوةً على جيزان ونجران.
تناقض الأولويّات، وقُرب الحَرب في اليمن من دُخول عامِها الرابع (مارس المُقبل)، أدَّى إلى اتّساع شَرخْ الخِلافات بين الحليفين السعودي والإماراتي، وجاءت عمليّة قتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح بعد أيّام (مِثلما تَردّد) من عَقد صفقةٍ إماراتيّةٍ معه عُنوانها الأبرز فَكْ الارتباط مع أنصار الله الحوثي، إجهاضًا للآمال بالتوصّل إلى تَغيير مُعادلات القوّة على الأرض، وبِما يُؤدّي إلى إضعاف مَوقف التيّار الحوثي، وجَلبه إلى مائِدة المُفاوضات مُجدّدًا للتوصّل إلى تَسويةٍ سياسيّةٍ، ولكن من مَوقع الضَّعيف.
ربّما تكون الاشتباكات في عدن قد تَوقّفت نتيجةَ التوصّل إلى هُدنة، لكن هذهِ الهُدنة ربّما تكون مُؤقّتة فالمَجلس الانتقالي الجنوبي يَسير وِفق خَريطة طريق مُحكمة تَرتكز على سِياسة النَّفس الطويل، والرِّهان على عامِل الوَقت، فقوّاته تُسيطر حاليًّا على نِصف عدن تقريبًا وفق تقارير صحافيّة مُستقلّة، وتتطلّع إلى السَّيطرة بالتَّدريج على النِّصف المُتبقّي.
اللافت أن الشمال اليمني يبدو أكثر توحّدًا من المِنطقة الجنوبيّة التي تُمزّقها الصِّراعات والخِلافات، وتتواجد فيها ميليشيات مُتعدّدة الولاءات والانتماءات السياسيّة والأيديولوجيّة، ممّا يُوحي للمُراقب المُحايد بأنّ اليمن المُوحّد بات من إرثْ الماضي، وعَودته تَحتاج إلى “بسمارك” يمني ليس هُناك أي مُؤشّر على وجوده.
انفصال عدن عن “الشرعيّة” في الرياض أولاً والشمال ثانيًا، لا يَعني أن دولة الجنوب بالصُّورة التي كانت عليها قبل عام 1990 عائِدة بالشَّكل الذي كانت عليه جُغرافيًّا ودِيمغرافيًّا، وانفصال عدن ربّما يكون بِداية لانفصال مُحافظات أُخرى مِثل حضرموت والمهرة، واحتمال عَودة الجنوب إلى زمن “السَّلطنات” أيّام الاحتلال البريطاني وقَبله، ولم تَعد مُستبعدة في نَظر الكثير من العارِفين بتاريخ اليمن، وجَنوبه خاصّة.
حَربْ اليمن التي بَدأت قَبل ثلاث سنوات من أجل الحِفاظ على وِحدته، وإعادة الرئيس الشرعيّ إلى صنعاء، بَدأت تُعطي نتائج عكسيّة تمامًا، فاليمن باتَ مُفتَّتًا ومُقسَّمًا حسب خريطة الميليشيات ومَصالح القِوى الخارجيّة المُتدخّلة في شُؤونه، أمّا عَودة الرئيس “الشَّرعي” إلى صنعاء العاصِمة الدَّائِمة، أو حتى عدن، العاصِمة المُؤقّتة، باتت مُستبعدة إن لم تَكن مُستحيلة في المُستقبل المَنظور على الأقل.
اشتباكات عدن الأخيرة تُؤرّخ لمَرحلة جديدة في تاريخ الأزمة التي تَعصِف بالبِلاد، فالأزمة باتَت تُفرّخ أزمات، والحَرب بالإنابة هي العُنوان الأبرز للمَرحلة المُقبلة، اللهم إذا حَدثت “مُعجزة”، ولكنّنا لسنا في زَمن المُعجزات، وإنّما زَمن النّكبات والصِّراعات للأسف، والشَّعب اليَمني الطيّب المُجوّع المُحاصَر هو الضحيّة في صِراع الفَيلة المُتفاقم.
“رأي اليوم”