ذلك النمو الفقاعة!

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 273
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ذلك النمو الفقاعة!

استفادت الدول النفطية من صعود أسعار النفط لتعزيز إيراداتها العامة.

بقليل من التمحيص، نجد أن النفط وراء "أحجية" النمو، ليس بالعراق وحده، بل وبالكويت والسعودية أيضا.

بدون تدقيق نمو القطاعات الإنتاجية وحصة الصادرات غير النفطية، الأرجح أن نسب نمو الدول العربية (الفلكية) مجرد مبعث تفاؤل!

كيف تستفيد دول النفط العربية من طفرة الأسعار وزيادة عائداتها بمشروعات إنتاجية وتنمية مستدامة بدل شراء سندات أميركية وأندية رياضية وعقارات أوروبية؟

كيف الحفاظ على نسب نمو مرتفعة، فيما لو زالت أسبابه المباشرة والطارئة أي ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الطلب العالمي عليها بعد خفض "أوبك+" لإنتاج النفط؟

*   *   *

أن تسمع أو تقرأ أن العراق حلّ بالمرتبة الثانية ضمن الدول الأسرع نمواً بالعالم للعام الجاري، فستحمد الله وتثني عليه، لأن بلداً عربياً عانى من الاحتلال ولم يزل يعاني من التدخل الخارجي والحروب، لكن نمو ناتجه المحلي تسارع إلى 9.3% هذا العام.

وسيبلغ بك السرور مبلغه حينما تعرف أن 4 بلدان عربية حلت ضمن الدول العشر الأسرع نمواً، فالكويت جاءت رابعة تبعتها السعودية بالمرتبة الخامسة، لتصعقك المفاجأة بأن مصر جاءت عاشرة بنسبة نمو 6.6%.

بيد أنك، وبعد نشوة الفرح وصفعة الخبر الأولى، لا بد أن تتفكر بالخبر لتسأل عن القطاعات التي دفعت الدول العربية لتبوء هذه المراتب المتقدمة، مبعدة الدول الأوروبية ونمور آسيا عن التصنيف العالمي.

فالعراق على سبيل الذكر لطالما احتل المرتبة الثانية عالمياً بعد غيانا، وهي لمن لم يسمع بها دولة تقع على الساحل الشمالي لأميركا الجنوبية ولها حدود مع البرازيل وسورينام، مساحتها 83534 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها 229 ألف نسمة، وربما سر نموها يعود لوجود مركز فضاء واستخراج الذهب.

المهم، نعود للعراق والتساؤل حول نسبة النمو المرتفعة ببلد تصل قيمة ديونه الداخلية والخارجية نحو 100 مليار دولار، ولا تزيد مساهمة القطاعات الإنتاجية فيه (زراعة وصناعة وسياحة) عن 5% وتبلغ منه المحاصصة والتدخلات والفساد مبلغها.

لنعرف، وبقليل من التمحيص، أن النفط وراء "أحجية" النمو، ليس بالعراق وحده، بل وبالكويت والسعودية، فبغداد وعلى سبيل التذكير، صدرت في يوليو/تموز فقط، نحو 100 مليون برميل نفط من حقول وسط البلاد، عدا صادرات حقول كركوك (شمالي العراق)، التي فاقت مليونين و350 ألف برميل.

وأما الكويت، التي يزيد إنتاجها النفطي اليومي عن 2.5 مليون برميل، وتخطط للمزيد، فيمثل النفط ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي، وحوالي 95% من الصادرات ونحو 90% من عائدات الصادرات الحكومية.

ليكون الجواب الشافي من السعودية التي تعد أكبر منتج بأوبك بواقع 10.8 ملايين برميل يومياً، وتزيد صادراتها النفطية اليومية عن 7.38 ملايين برميل، لتكون المصدر الأول عالمياً للنفط، رغم أنها الثالثة إنتاجاً، بعد الولايات المتحدة وروسيا.

والسعودية على سبيل المثال حول ارتفاع نسبة النمو وبلوغه 7.6%، وصلت عائدات تصدير النفط فيها، خلال النصف الأول من هذا العام، 115.5 مليار دولار، بزيادة 74.5% عن الفترة نفسها من العام الماضي.

لذا، وبحسبة بسيطة لصادرات دول النفط الشقيقة، واحتساب فارق الأسعار بين العام الماضي واليوم، ستكون معضلة النمو وتبوء تلك المراكز العالمية أمراً لا غرابة به.

ولكن، تبقى الغرابة بمصر (المستوردة للنفط) التي حققت نسبة نمو 6.6%، والأرقام والنسب لصندوق النقد الدولي وليست صادرة عن الجامعة العربية!

في الحالة المصرية يبدو فك لغز نسبة النمو المرتفعة ثنائي التوقع، لأن عائدات تصدير الغاز المصري ورغم ارتفاعه خلال النصف الأول من هذا العام إلى 5 مليارات مقابل 983.7 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2021، لا يبرر نسبة النمو تلك.

ركن اللغز الأول ما قالته وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد حول "التحسن الملحوظ" بكافة الأنشطة الاقتصادية، وأعطت مثلا أن قطاع الفنادق والمطاعم نما بمعدل 45.5% والاتصالات بنسبة 16.3% وقناة السويس بمعدل 11.7%.

ولئلا تترك الوزيرة المصرية ممسكاً على أن القطاعات الرافعة كانت خدمية وليس إنتاجية، أشارت، مجرد إشارة، إلى أن الصناعة التحويلية، التجارة، الزراعة، الأنشطة العقارية، الاستخراجات، حيث ساهمت هذه القطاعات بحوالي 60% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.. ولكن من دون أن تشير الوزيرة المصرية لدوافع النمو وأثر الديون الخارجية فيها.

وأما الركن الثاني بتبرير نمو الناتج المصري للعام الجاري، فيكمن بالجهة المصدرة لنسب النمو نفسها، أي صندوق النقد الدولي ومدى مصلحته بتسويق نسبة كهذه لمصر، خاصة أن مفاوضات إقراضها شارفت على النهاية، بحسب كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، "مسؤولي الصندوق حلوا جميع قضايا السياسة الكبرى مع السلطات المصرية في مناقشاتهم بشأن برنامج إقراض جديد" ليضاف القرض الجديد إلى 157.8 مليار دولار، حجم الديون الخارجية على مصر.

ومن دون إطالة شرح بما هو معروف عن الجهات الدولية المقرضة (صندوق النقد والبنك الدوليين) والشروط التي تفرضها قبل القرض من تخل عن بعض القطاع الحكومي وضرورة الخصخصة وما يتبعها من تسريح عمالة وأزمات مجتمعية، بل وشروط سياسية بحلة اقتصادية.

فوقتذاك، قد نفك بعض عقد لغز نمو الشقيقة مصر التي اقتربت ديونها الخارجية من 33% من إجمالي الناتج المحلي، بعدما زادت بنحو 13 مليار دولار خلال الربع الأول من هذا العام.. لتتخطى ربما الحدود الآمنة.

نهاية القول: من دون التدقيق بمدى نمو القطاعات الإنتاجية وحصة الصادرات غير النفطية، الأرجح أن نسب نمو الدول العربية (الفلكية) مبعث تفاؤل وبشرى خير، ليبقى لاستدانة البشرى سؤالان.

الأول بكيفية الحفاظ على هاتيك النسب المرتفعة، في ما لو زالت الأسباب المباشرة والطارئة للنمو، ونقصد ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب العالمي على زيت الصحاري، خاصة بعد تخفيض "أوبك+" الإنتاج العالمي أخيراً.

وأما السؤال الثاني الذي نسوقه بقالب أمنية، كيف يمكن أن تستفيد الدول النفطية العربية من طفرة الأسعار وزيادة عائداتها بمشروعات إنتاجية وتنمية مستدامة، فتقلل من شراء السندات الأميركية واللهاث وراء تملك الأندية الرياضية والعقارات الأوروبية والمقتنيات النفيسة.

فتؤسس لنمو وتنمية، منطلقها رفاهية شعوبها وأساسها الاعتماد على قطاعات حقيقية وإنتاجية، تبعدها عن الفقاعات الآنية في ما لو تبدلت أسباب أزمة الطاقة وتخرجها عن وهم النسب المطلية بخديعة الثعلب الذي يغري طريدته بسرعتها لتخرج من حصنها المنيع.

*عدنان عبد الرزاق كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد