خلف واجهة المستقبل: دراسة حقوقية تتحدث عن البنية السياسية لمشروع نيوم في “السعودية”

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 254
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

تقدّم دراسة موسعة صادرة عن منظمة “أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” قراءة مختلفة لمشروع نيوم في “السعودية”، تتجاوز اللغة الترويجية التي تحيط به عالميًا. فالمشروع الذي يُسوَّق باعتباره مدينة المستقبل والاقتصاد الأخضر لا يُنظر إليه في الدراسة كمبادرة عمرانية فقط، بل كنموذج سياسي جديد تُعاد عبره صياغة العلاقة بين السلطة والفرد باستخدام أدوات التكنولوجيا المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات. وترى المنظمة أن نيوم لا تختبر التقنيات فحسب، بل تختبر نمطًا جديدًا من الحكم تُفوَّض فيه مهام الإدارة والضبط والمراقبة لأنظمة خوارزمية تتجاوز الدور التقليدي للمؤسسات. ووفق الدراسة، فإن هذا التحول ينقل السلطة من إطار يمكن مساءلته إلى إطار رقمي يصعب الطعن في قراراته أو فهم منطقه، ما يثير تساؤلات عميقة حول الحقوق والشفافية والمحاسبة. ويقع مشروع نيوم في شمال غرب “السعودية” على مساحة شاسعة تُقدَّر بنحو 26 ألف كيلومتر مربع، ويُروَّج له باعتباره أحد أعمدة رؤية 2030 الهادفة إلى تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط. وقد رُصدت له استثمارات تتجاوز 500 مليار دولار، مع وعود بتحويله إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة والصناعة المتقدمة. غير أن الدراسة تشير إلى أن هذا التمويل الضخم لا يهدف فقط إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، بل إلى بناء نموذج حوكمة جديد يقوم على الإدارة المؤتمتة بدل الإدارة السياسية التقليدية. ويحتل مشروع “ذا لاين” قلب هذا التصور. فالمدينة الخطية التي تمتد لمسافات طويلة تُصمَّم لتكون بلا سيارات ولا شوارع تقليدية، حيث تُدار الطاقة والنقل والخدمات عبر أنظمة ذكاء اصطناعي تتولى تحليل السلوك والاستهلاك والحركة اليومية للسكان. وبحسب ما تذكره الدراسة، فإن هذا المستوى من الأتمتة قد يحسّن الكفاءة، لكنه في الوقت نفسه يُدخل السكان في منظومة مراقبة دائمة تُحوِّل المدينة إلى فضاء ضبط رقمي ناعم لكنه شامل. وتلفت المنظمة إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في السياق السياسي الذي تُطبَّق فيه. ففي بيئة تُقيَّد فيها حرية التعبير وتضعف فيها المشاركة العامة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تطوير إلى أداة هيمنة. وتشير الدراسة إلى أن إدخال الخوارزميات في منظومة حكم غير شفافة يُضاعف مخاطر الانتهاك بدل أن يقللها، لأن القرارات لا تصدر عن مؤسسات يمكن مساءلتها، بل عن نماذج تقنية تعمل خلف جدران مغلقة. ومن الجوانب التي ركزت عليها الدراسة الإطار القانوني الاستثنائي الذي أُنشئ لنيوم. فالمدينة تعمل ضمن ولاية تنظيمية خاصة تمنح إدارتها صلاحيات واسعة لاختبار التقنيات وتعديل القواعد وتنفيذ أنظمة آلية دون الخضوع الكامل للرقابة القضائية التقليدية. ووفق المنظمة، يخلق هذا الوضع بنية حكم موازية تُنفَّذ فيها القوانين عبر الأنظمة الرقمية بدل المسارات القضائية، ما يُضعف الضمانات الإجرائية للأفراد ويُقلّص قدرتهم على الاعتراض والطعن. وتطرح الدراسة سؤالًا جوهريًا حول المساءلة: من يُحاسَب عندما يكون القرار صادرًا عن نظام تعلم آلي؟ وكيف يمكن للفرد الطعن في تصنيف خوارزمي لا يشرح منطقه؟ ومع غياب مسارات واضحة للتظلم، يتحول المواطن أو المقيم إلى طرف ضعيف داخل منظومة تقنية مغلقة تتحكم في تفاصيل حياته اليومية دون شفافية كافية. الكلفة الإنسانية للمشروع: التهجير القسري وقمع المجتمع المحلي ولا يقتصر تحليل المنظمة على الجوانب التقنية والقانونية، بل يمتد إلى البعد الإنساني للمشروع. فقد وثقت الدراسة ما تعرضت له قبيلة الحويطات التي تقع أراضيها ضمن نطاق نيوم. ورافقت إطلاق المشروع عمليات إخلاء قسري وضغوط لإجبار السكان على مغادرة مناطقهم دون مشاورات حقيقية أو تعويضات عادلة. وتشير المنظمة إلى أن من عبّروا عن رفضهم واجهوا استدعاءات واعتقالات وأحكامًا قاسية بسبب مواقفهم. وترى الدراسة أن هذه الممارسات تكشف تناقضًا واضحًا بين خطاب نيوم بوصفه مشروعًا “متمحورًا حول الإنسان”، وبين واقع يُقصي الإنسان عندما يتعارض وجوده مع مخططات الاستثمار والتطوير. فبدل أن يكون السكان شركاء في التخطيط، جرى التعامل معهم كعقبة ينبغي تجاوزها لصالح المدينة المستقبلية، ما يعكس أولوية الاقتصاد والصورة الدولية على حساب الحقوق المحلية. الذكاء الاصطناعي كأداة حوكمة ومراقبة داخل نيوم وفي جانب آخر، تُبرز الدراسة الدور المركزي للبيانات في بنية نيوم. فالمدينة تُخطط لتكون شبكة كثيفة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار والتحليل البيومتري والطائرات المسيّرة، تُجمع عبرها معلومات دقيقة عن الحركة والسلوك والاستهلاك. ووفق المنظمة، فإن هذه البيانات تُستخدم لتحسين الخدمات، لكنها في السياق السياسي القائم تتحول بسهولة إلى أدوات رقابة وتصنيف اجتماعي غير معلن. وتحذّر الورقة من أن حوكمة البيانات في نيوم تفتقر إلى ضمانات واضحة تتعلق بالموافقة والاحتفاظ الآمن والحد من الاستخدام السياسي للمعلومات. ومع مركزة هذا الحجم من البيانات في يد جهة واحدة، يصبح من الممكن ربط فرص العمل والتنقل والخدمات بتقييمات رقمية قد تكون متحيزة أو خاطئة، دون أن يملك الفرد قدرة حقيقية على الاعتراض أو التصحيح. كما تتناول الدراسة التحول من الإدارة البشرية إلى الإدارة الخوارزمية. ففي نموذج نيوم، تُفوَّض العديد من القرارات اليومية لأنظمة مؤتمتة تُحدِّد الأولويات وتُصنِّف المستخدمين وتُوجِّه الموارد. ومع الوقت، قد تتحول هذه الأنظمة إلى سلطة فعلية غير مرئية تُعيد تشكيل السلوك الاجتماعي والاقتصادي للسكان، وتربط حياة الفرد بتقييمات رقمية مستمرة. وتشير المنظمة إلى أن النماذج الخوارزمية ليست محايدة، بل تعكس البيانات التي تُدرَّب عليها. وإذا كانت هذه البيانات خاضعة لمنطق أمني أو إداري ضيق، فإن النتائج ستُعيد إنتاج الضبط بدل العدالة. وفي مدينة تُدار بالخوارزميات، قد يُختزل الإنسان إلى ملف رقمي يُراقَب باستمرار وتُربط به فرصه في السكن والعمل والتنقل والخدمات. وتتوقف دراسة منظمة “أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” عند البعد الاقتصادي والسياسي الأوسع لمشروع نيوم، معتبرة أن المدينة لا تُبنى فقط لتكون مساحة استثمارية جديدة، بل لتكون أداة لإعادة صياغة صورة “السعودية” عالميًا في مرحلة تسعى فيها السلطة إلى تقديم نفسها كشريك حديث في الاقتصاد الرقمي العالمي. غير أن المنظمة تشير إلى أن هذا التوجّه يُخفي مفارقة جوهرية، تتمثل في الجمع بين خطاب الانفتاح والاستثمار من جهة، واستمرار نمط الحكم المركزي غير التشاركي من جهة أخرى. نيوم كورقة سياسية وترى الدراسة أن نيوم تُستخدم أيضًا كورقة سياسية في العلاقات الدولية، حيث يجري تسويق المشروع للشركات العالمية بوصفه بيئة قانونية مرنة ومفتوحة، بينما لا يواكب هذا الانفتاح الاقتصادي انفتاحًا سياسيًا أو حقوقيًا داخليًا. فالشركات تُمنح ضمانات واسعة، في حين يبقى الأفراد المحليون خاضعين لمنظومة ضبط لا تمنحهم الحقوق نفسها في الاعتراض والمشاركة. وبحسب المنظمة، يخلق هذا الاختلال نموذجًا تنمويًا يُفضّل رأس المال على الإنسان، ويحوّل التطوير إلى عملية فوقية بدل أن تكون مسارًا تشاركيًا. كما تتناول الورقة أثر نيوم على مفهوم المواطنة داخل “السعودية”. ففي النموذج التقليدي، ترتبط المواطنة بالحقوق والواجبات والعلاقة القانونية بين الفرد والدولة، أما في نموذج المدينة الذكية المؤتمتة، فتتحول المواطنة تدريجيًا إلى حالة رقمية تُقاس عبر البيانات والتصنيفات الخوارزمية. وتشير المنظمة إلى أن هذا التحول قد يُفضي إلى إعادة تعريف الإنسان بوصفه مستخدمًا للنظام أكثر منه صاحب حق فيه، بحيث تُربط امتيازاته وإمكاناته بتقييمات تقنية لا يعرف معاييرها ولا يملك أدوات مراجعتها. وتضيف الدراسة أن هذا النمط لا يقتصر على نيوم وحدها، بل قد يتحول إلى نموذج يُصدَّر لاحقًا إلى بقية مناطق “السعودية”. فحين تُختبر الحوكمة الرقمية في فضاء استثنائي، يمكن تعميمها لاحقًا على المجال الوطني الأوسع، ما يعني أن نيوم ليست جزيرة معزولة، بل مختبرًا لإعادة تشكيل أدوات الحكم على مستوى الدولة ككل. وتحذّر المنظمة من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في استخدامها دون إطار حقوقي واضح. فالدول التي تُدخل الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة تحتاج إلى قواعد صارمة تحمي الخصوصية وتضمن الشفافية والمساءلة. أما في حالة نيوم، فإن الإطار القائم يمنح السلطة التنفيذية والتقنية مساحة واسعة للتصرف دون رقابة مستقلة فعّالة، ما يجعل الخطأ التقني قابلًا للتحول إلى انتهاك سياسي. وفي ضوء ذلك، تؤكد دراسة “أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” أن مستقبل نيوم لا ينبغي أن يُقاس بعدد الأبراج أو سرعة القطارات أو حجم الاستثمارات، بل بمدى احترامها لحقوق السكان والمقيمين، وبقدرتها على جعل الإنسان شريكًا لا موضوعًا للتجربة. فمدينة المستقبل، وفق رؤية المنظمة، لا تُبنى بالخوارزميات وحدها، بل بمنظومة قانونية وأخلاقية تضع الكرامة والعدالة في قلب أي مشروع تنموي. وتخلص دراسة “أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” إلى أن نيوم ليست مجرد مشروع عمراني، بل تجربة سياسية لإعادة هندسة السلطة عبر التكنولوجيا. فبين الإطار القانوني الاستثنائي، والاعتماد المكثف على الذكاء الاصطناعي، ووقائع التهجير القسري، يجري بناء نموذج حوكمة يعطي انطباعًا بالتقدم بينما يُعمّق السيطرة ويُضعف المساءلة ويُقلّص المجال العام. وفي الختام، تؤكد المنظمة أن التعامل مع نيوم لا ينبغي أن يُقاس بالعوائد الاقتصادية وحدها، بل بما يحمله من تداعيات حقوقية وأخلاقية بعيدة المدى. فحين تُفصل الابتكارات عن العدالة والمساءلة، لا تتحول المدن إلى فضاءات أذكى، بل إلى أنظمة أكثر قدرة على الضبط والسيطرة، وأقل قدرة على حماية الإنسان الذي يُفترض أن يكون محور التنمية لا ضحيتها.

/