ج.فيوتشرز: كيف قوض حصار قطر طموحات السعودية للقيادة الإقليمية؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 602
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير أسامة محمد - الخليج الجديد
 قبل عامين، انضمت الإمارات والبحرين ومصر، فضلاً عن جزر المالديف وموريتانيا وجزر القمر والحكومة المنفية في اليمن وواحدة من الحكومتين الليبية إلى المملكة العربية السعودية في قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، التي اتهمتها الرياض بدعم نوع من أنواع الإرهابيين الذين لا تفضل الرياض دعمهم عندما تدعم الإرهابيين.
وسبق أن قطعت بعض هذه الدول علاقاتها مع قطر قبل بضع سنوات لأسباب مماثلة، مما تسبب في نزاع كان من نواح كثيرة سببا في نشأة الأزمة الحالية، لكن هذه المرة تم أخذ الأمور خطوات إلى الأمام عبر فرض حصار اقتصادي، وإغلاق دول الحصار مجالها الجوي أمام الطائرات القطرية مع عدم السماح للسفن البحرية القطرية بدخول موانئهم، وإغلاق الحدود البرية الوحيدة لدولة قطر، وهي حدودها التي تشاركها مع السعودية.
ورغم أن الحصار لا يزال ساريًا حتى اليوم، إلا أن ظهوره كان نقطة الذروة في صراع مشتعل منذ أن أصبحت السعودية زعيما فعليا في الشرق الأوسط، وهو دور سعت إليه الرياض لإجبار جميع الدول العربية السنية، وخاصة دول الخليج العربية مثل قطر، للخضوع لرغباتها، ومع ذلك نادرا ما نجحت في هذا الصدد.
صحيح أن المملكة العربية السعودية جمعت تحالفا فضفاضا من الدول التي تعزز قوتها وتساعد على عزل إيران، منافستها الإقليمية، لكن نظرة خاطفة على تاريخها الحديث تُظهر أن الروابط التي تربط الرياض بكل دولة من هذه الدول كانت ضعيفة.
وكانت الرياض مضطرة إلى خطف رئيس وزراء لبنان، كما كان عليها إنقاذ البحرين من خلال دعم حكومة الأقلية السنية، ودفعت الكثير من أجل شراء ولاء مصر والسودان.
ويمكن القول إن حلفاء مثل الإمارات أكثر موثوقية، لكن الإمارات تعمل لخدمة مصالحها أكثر مما تهتم بالمصالح والهواجس السعودية حول مواجهة إيران.
بعبارة أخرى، قد تكون المملكة زعيما إقليميا، لكن قوتها مثل قوة التحالف الذي تقوده. وما دامت فشلت في جلب البلدان التي تعيش في مجال نفوذها المفترض اقتصاديًا وسياسيًا وديموغرافيًا، فسوف تكافح من أجل أن تكون أكثر من مجرد قوة متوسطة، وسوف تعاني المنطقة بأكملها من جهود السعودية للصعود ولعب دور أكبر من حجمها. وليس هناك تذكير صارخ أو مؤلم بهذه الحقيقة أكثر من فشل حصار قطر.

دوافع خفية
من الناحية النظرية، تعد السعودية دولة قوية بمعايير القوى المتوسطة. وجعل النفط والغاز الطبيعي السعودية دولة غنية، واستغلت الرياض ثروتها لتطوير جيش كبير مجهز بشكل جيد.
(في عام 2017، أنفقت السعودية ما يقرب من 70 مليار دولار على الدفاع، أي ما يعادل حوالي 10% من ناتجها المحلي الإجمالي، مما يجعلها ثالث أكبر منفق في العالم، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام). وتعد السعودية القائد الفعلي لأوبك ولا تزال تعتبر الولايات المتحدة أحد أقرب حلفائها.
في المقابل، تتشابك الحكومة القطرية مع السياسات العالمية من خلال من خلال البراغماتية والانخراط في جهود الوساطة والتفاوض، وهي تحاول أن تكون صديقًا لكل من يمكن أن تكتسب صداقته. وتنفق قطر مبالغ ضخمة على المساعدات الدولية، من الإغاثة في حالات الكوارث في الولايات المتحدة إلى المساعدات الإنسانية في الضفة الغربية إلى الاستثمار الأجنبي في الاقتصادات النامية.
وتتعاون قطر مع تركيا وإيران، وكلاهما منافس طويل الأجل للرياض، حتى مع التزامها بالتوجيهات السعودية في دول مجلس التعاون الخليجي. وتخدم قطر مصالح الولايات المتحدة أيضا، باستضافة واحدة من أكبر وأهم القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط والوساطة في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان. وحتى أواخر العقد الأول من القرن العشرين، كانت الدوحة موطن اللجنة التجارية الوحيدة لـ(إسرائيل) في الخليج.
ولدى قطر دوافع خفية لسياستها غير الإيثار، بالطبع. من خلال الاندماج في النزاعات البعيدة (مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحرب الأمريكية في أفغانستان)، فإنها تكتسب رأس مال سياسي مستقبلي. ومن خلال التعاون مع إيران - العدو المفترض للعرب السنة في جميع أنحاء العالم - وهو تعاون تفرضه الإدارة المشتركة للبلدين لجقل الغاز الكبير المشترك بينهما، فإنها تتحوط بمهرة ضد عدو محتمل. وعبر التوسط في حل النزاعات، تقدم قطر نفسها كحليف أجنبي لا غنى عنه للعديد من القوى.
ومن نواح كثيرة، تعد السياسة الخارجية لقطر ناتجة عن جغرافيتها. وتبلغ مساحة قطر بالكاد 13 ألف كم مربع، تمتد من جنوب شرق المملكة العربية السعودية إلى الخليج. ولا يمكن لأمة صغيرة في مثل هذا الموقع المضطرب أن تتحمل ذلك بمفردها، ولا يمكنها أن تتخلى عن الدول الأقوى حولها وعلى رأسها السعودية، وليس أمامها من خيار سوى أن تكون طرفًا في مجلس التعاون الخليجي الذي تهيمن عليه السعودية.
ومع ذلك، يمكن أن تسعى للحفاظ على استقلالها بفضل احتياطاتها الهائلة من الغاز الطبيعي. وتعد قطر من بين أكثر مصدري الغاز الطبيعي ربحية في العالم، ولأن عدد سكانها يبلغ 2.6 مليون نسمة فقط، فإنها تعد واحدة من أعلى الدول في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
وتجدر الإشارة إلى مدى أهمية الغاز الطبيعي هنا، فهو يوفر قدرا كبيرا من النفوذ المالي والدبلوماسي لقطر، بالنظر إلى أن السوق أقل تحررا بكثير من سوق النفط، ويعطي قطر درجة من الأمن الاقتصادي والاستقلال السياسي عن السعودية.
ورغم أن نظام الحكم في قطر ملكي مثل السعودية والإمارات، فإن حوالي 90% من سكان البلاد هم من المواطنين الأجانب، ما يعني مجتمعا أقل تجانسا من الناحية الديموغرافية، ولكنه يعني أيضا أن هناك مخاطر قليلة تهدد مستقبل الحكم في البلاد.
وطورت قطر طريقة مبتكرة للحفاظ على أمنها واستقرارها، لكن هذه الطريقة كانت تتطلب أن تكون قطر محايدة دائما. وتغير هذا الحياد في نظر العديد من نظرائها الخليجيين، خلال الربيع العربي، عندما دعمت قطر جماعة الإخوان المسلمين. وشعرت السعودية والإمارات بالذعر من الأحزاب السياسية الإسلامية التي حلت محل الأنظمة الراسخة الموجودة في تونس ومصر، ومع اندلاع الانتفاضات في سوريا والبحرين وليبيا واليمن، شعروا أن بقاء أنظمتهم على المحك.
ورأت هذه الدول أن المشاركة القطرية في ليبيا كانت غير مقبولة بشكل خاص. وهناك، تصرفت الدوحة بطرق يصعب وصفها بأنها محايدة حيث انفصلت عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي في الاعتراف بشرعية المعارضين للقذافي، وحاولت إيجاد طرق لمساعدتهم على تسويق نفطهم وبالتالي توفير إيرادات.
وحاولت إنشاء محطة أخبار، على غرار قناة الجزيرة لتسويق رسالة المعارضين إلى العالم، وأرسلت طائرات مقاتلة للمشاركة في الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة.
لذلك على الرغم من أن قطر وقفت إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي في بعض حالات الربيع العربي - كما في البحرين - فإن مواقف قطر خلال هذه الفترة تركت حلفاءها الخليجيين أكثر تشككا تجاهها أكثر من أي وقت مضى.
وكانت هذه الشكوك هي أساس الحصار الدبلوماسي الأولي الذي تم فرضه على قطر في عام 2014، والذي تم حله بهدوء عندما وافقت الدوحة على بعض الشروط، بما في ذلك إعادة إبعاد بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر الذين منحتهم قطر المأوى. لكن من وجهة نظر السعودية، فقد تجاهلت الدوحة العديد من الطلبات.
ولم تتوقف قطر عن التعاون مع إيران، ولم تنه دعمها لجماعة الإخوان المسلمين. واستمرت الجزيرة في انتقاد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، واستمرت في توفير منصة للجماعات الإسلامية.
واحتفظت بقواعد عسكرية أجنبية بما في ذلك قاعدة تركية، واستمرت في لعب دور دبلوماسي ذي أهمية كما كانت دائمًا. وفي مبادرة رائعة، فإنها عرضت حتى التوسط في المواجهة الدبلوماسية الحالية بين إيران والولايات المتحدة.
وبحلول عام 2017، كان المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد ضاقتا ذرعا بالاستقلال القطري. ولم يكن لديها ذريعة للقيام بخطوة ضد الدوحة حتى شهر مايو/أيار من ذلك العام، عندما ظهرت تقارير في وكالة أنباء قطر تفيد بأن أمير قطر، "تميم بن حمد آل ثاني"، أشاد بإيران وحماس وانتقد الولايات المتحدة، بغض النظر عن حقيقة أن صحيفة "واشنطن بوست" قد أبلغت في يوليو/ تموز من ذلك العام نقلا عن مسؤولي المخابرات الأمريكية أن تلك القصص الإخبارية قد زرعها المتسللون الذين جندتهم الإمارات العربية المتحدة.
وفي أعقاب ذلك، تحركت الملكيات العربية الغاضبة بسرعة. وبحلول 5 يونيو/حزيران، سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفراءهم من الدوحة، وسرعان ما تبعت مصر ذلك. في اليوم التالي، انضم الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إلى المعركة وتعهد بدعمه لرباعي الحصار.
وندم "ترامب" على هذه الخطوة لاحقًا، مقتنعًا برأي وزير الخارجية آنذاك "ريكس تيلرسون" ووزير الدفاع آنذاك "جيمس ماتيس" بأن قطر لا غنى عنها لاستراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط، لكن دول الحصار كانت قد أصدرت بالفعل قائمة بالمطالب التي يجب على قطر الموافقة عليها بشأن رفع الحصار المفروض عليها.
وشملت القائمة قطع العلاقات مع جميع المنظمات "الإرهابية"، وإغلاق قناة الجزيرة وشبكاتها التابعة، وإزالة الوجود العسكري التركي من البلاد. ومنحت دول الحصار الدوحة 10 أيام لقبول المطالب. ولم يكن بإمكان قطر قبول مثل هذه الطلبات، لذلك فإنها تجاهلتها تماما، والنتيجة هي أن الحصار لا يزال قائما إلى اليوم.

هل قطر تحت الحصار؟
إذا كان الغرض من الحصار هو إزعاج قطر اقتصاديًا، فقد كان ذلك ناجحًا إلى حد ما، مع مرور ما يقرب من 60% من واردات قطر بما في ذلك الكثير من وارداتها الغذائية عبر البلدان التي تقاطعها الآن، لذلك كان على الحكومة أن تجد طرق إمداد جديدة.
وهبطت إيرادات السياحة لتشكل 2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018، منخفضة من 3.3% في عام 2017. وتفيد التقارير بأن أسعار العقارات انخفضت أيضًا، كما اضطرت الدوحة إلى سن إصلاحات العمل واللجوء للخصخصة وتمليك الأجانب لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. وقلص صندوق الثروة السيادية في البلاد بعض حصصه الخارجية وأصدر سندات بقيمة 12 مليار دولار في أوائل عام 2018.
ولكن إذا كان الغرض من الحصار هو الضغط على قطر لتقديم تنازلات، فقد فشل في ذلك تماما. وفي وقت مبكر من سبتمبر/أيلول 2017، كانت الدوحة ترسل 30 مليون دولار كمساعدات لضحايا إعصار هارفي في الولايات المتحدة. وفي أواخر مايو/ أيار 2019، أرسلت 480 مليون دولار كمساعدات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتم تخفيف بعض خسائر الاستيراد مع افتتاح ميناء حمد في سبتمبر/ أيلول 2017، والذي يمكنه التعامل مع ما يقرب من 8 ملايين طن متري من البضائع سنويًا. ويمكن القول إجمالا إن حصار قطر فشل في تحقيق أهدافه الدبلوماسية، في الوقت الذي نجحت فيه الدوحة في التغلب على تداعياته الاقتصادية بشكل تدريجي.
فلماذا فشل الحصار؟ كما هو الحال مع كل الأشياء في الشرق الأوسط، فإن الإجابات كثيرة. أولاً ، هناك إجماع إلى حد ما على أن دول الحصار أخطأت في تقدير مدى ثبات دعم واشنطن.
صحيح أن إدارة "ترامب كانت صديقة للسعودية، وصحيح أنه أيد على الفور حصار قطر، ولكن من الصحيح أيضًا أن الولايات المتحدة ترغب في الحفاظ على وصولها إلى قاعدة العديد الجوية، التي تستضيف عددًا لا يحصى من الطائرات الأمريكية، بما في ذلك المقاتلات والقاذفات وناقلات الطائرات والطائرات الاستطلاعية، والتي لعبت دورًا رئيسيًا في حملة واشنطن الجوية ضد الدولة الإسلامية، والتي تضم عددا من القوات الأمريكية أكثر من أي قاعدة أخرى في الشرق الأوسط وتستضيف مقر القيادة المركزية في المنطقة.
ولا عجب أن تعهدت الدوحة بحوالي ملياري دولار في يناير/ كانون الثاني لتحديث القاعدة، بخلاف شرائها ما قيمته 12 مليار دولار من الأسلحة الأمريكية خلال العامين الماضيين.
ثانياً، أنقذت قطر نفسها عبر البحث السريع عن شركاء تجاريين جدد للتعويض عن النقص في الواردات. وهكذا وصلت إلى شركاء غير تقليديين مثل ألمانيا في أواخر عام 2018، ووعدت باستثمار أكثر من 11 مليار دولار في الطاقة وقطاع التمويل الألماني لتشجيع العلاقات التجارية الثنائية القوية.
ونجحت قطر في التعافي من آثار الحصار سريعا لأنها كانت لا تزال قادرة على تداول نفطها وغازها بلا تأثر. وصدرت الدوحة حوالي 81 مليون طن من الغاز الطبيعي في عام 2017، بنسبة 28% من تجارة الغاز العالمية في ذلك العام.
ووفقا لصندوق النقد الدولي، نما الاقتصاد القطري فعليًا بعد فرض الحصار، بنسبة 1.6% في عام 2017 وبنسبة 2.2% في عام 2018.
ويعد السبب الثالث لفشل الحصار هو تركيا. في 7 يونيو/ حزيران 2017، أي بعد يومين فقط من فرض الحصار، صادق البرلمان التركي على اتفاقية سمحت للقوات التركية بالتمركز في قطر، كما وافق على اتفاق للتعاون في مجال التدريب العسكري.
وكانت الدوحة تشير إلى أنه وسط عداء دول مجلس التعاون الخليجي وتناقض واشنطن، فإنها وجدت البديل في أنقرة.
في الواقع، كانت تركيا من بين أول من تدخل لتجديد إمدادات الغذاء في قطر. ومن عام 2016 إلى عام 2017، زادت الصادرات التركية إلى قطر بنسبة 50%، وفي عام 2017، كانت تركيا ثامن أكبر وجهة للصادرات القطرية. وفي أغسطس/ آب 2018، تعهد أمير قطر باستثمار 15 مليار دولار في الاقتصاد التركي وبلغ حجم التجارة الثنائية بين قطر وتركيا حوالي 2 مليار دولار في عام 2018، وقال مسؤولون أتراك وقطر إنهم يريدون رفع هذا الرقم إلى 5 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة.
وبكل بساطة، أخطأت دول الحصار في تقدير قدرة بعض الحلفاء على الدفاع عن قطر. وقد لا يكون الأمر مهمًا على أي حال، لأن ثروة قطر مكنت الحكومة من استيعاب أي ضربات جاءت من الحصار وتعديل اقتصادها وفقًا لذلك.

الفشل الكبير
ولا يعد الحصار المفروض على قطر مثيرًا للاهتمام فقط لأنه فشل، ولكن بسبب تداعياته اللاحقة على المنطقة بأسرها.
في النهاية، لم تلق الولايات المتحدة بثقلها الكامل خلف أي طرف، وتم تبريد حبها الرومانسي الجديد مع المملكة العربية السعودية بعد قتل "جمال خاشقجي"، وتبقى علاقاتها المباشرة مع تركيا دون تغيير إلى حد كبير؛ ورغم الخلاف بينهما على عدد من القضايا، تبقى علاقتهما الإستراتيجية مهمة للغاية ولا يمكن التخلي عنها.
وبالمثل، من الواضح أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لرمي قطر تحت الحافلة حتى لو أرادت ذلك، لأن ذلك سيحرمها من واحدة من أهم قواعدها العسكرية في المنطقة. وتبقى إحدى القضايا التي يمكن أن تحرض الولايات المتحدة ضد قطر، وتشجع المزيد من التعاون بينها وبين جيرانها في الخليج العربي، هي إيران، التي تبدو واشنطن مصممة على مواجهتها. وحتى مع ذلك، من غير المرجح أن تنحاز الدوحة أي من الطرفين.
وبالمثل، من غير المرجح أن تواصل قطر اعتمادها على تركيا. على الرغم من التعاون الجديد بين البلدين، فإن الصفقات الاقتصادية الموقعة حتى الآن تعني بالنسبة لقطر أكثر مما تفعل بالنسبة لتركيا، التي تمثل تجارتها الثنائية مع قطر جزءًا صغيرًا فقط من إجمالي محفظتها التجارية.
صُممت الصفقات لتكون حلولاً قصيرة الأجل للمشاكل قصيرة الأجل، تاركة إمكانية العمل بشكل أوثق أو أضعف في المستقبل، حسب الحاجة. ولدى الدوحة الكثير من الأسباب للحفاظ على موقعها في الوسط.
ونحن في "جيوبوليتكال فيوتشرز" نسجل قولنا إننا نتوقع أن تكون تركيا هي القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، حيث تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وتعداد سكاني مناسب، واقتصاد مستقر نسبيا وجيش قوي، وطموح أيديولوجي إسلامي.. وإذا حدث ذلك، فسيأتي على حساب المملكة العربية السعودية. ولا يعد هذا هو السبب الوحيد وراء دعم أنقرة قطر طوال فترة الحصار، لكنه كان بالتأكيد فائدة إضافية.
ربما يكون الجزء الأكثر إثارة للسخرية في هذه الحلقة بأكملها هو أن المملكة العربية السعودية كانت متواطئة في إضعاف نفسها. فمن خلال محاولة تقويض تركيا، انتهى الأمر بالمملكة العربية السعودية إلى تمكينها من توسيع دورها في الشرق الأوسط من خلال دعم قطر. ومن خلال اغتيال "جمال خاشقجي"، فإنها قوضت تماما جهودها لكسب أي دعم دولي للحصار المفروض على قطر.
يبدو إذن أن الدولة الوحيدة التي استفادت من الحصار كانت هي قطر نفسها. وكان من المفترض أن تكون المقاطعة عقوبة، بدلا من ذلك، كانت أمرا صحيا حيث اختبرت بعض الحلفاء وخاصة تركيا. بالنسبة لقطر، سيكون من المهم معرفة من يقف إلى جانبها في العقود المقبلة حيث تتنافس تركيا والمملكة العربية السعودية على التفوق في الشرق الأوسط. ورغم ذلك، لا يمكن لتركيا أن تحل محل الولايات المتحدة كحليف لقط ، كما لا يمكن لعلاقات قطر مع الولايات المتحدة أو تركيا أو أي قوة أخرى تفصل الدوحة تمامًا عن المملكة العربية السعودية.
الأمر الوحيد المؤكد هو أن قطر ليست خائفة من السعودية كما كانت في السابق.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز