«بلومبيرغ»: التحول الاقتصادي في السعودية يواجه عقبات كبيرة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 138
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 قد يغفر لزوار المملكة العربية السعودية الاعتقاد في أن البلاد قد حصلت بالفعل على ملك شاب جديد يتسم بالحركة والحيوية والنشاط، تمتلئ قنوات التلفاز بصور له يحمل الأطفال، ويشرب القهوة مع الجنود، أو في لقاء مع أقوى حكام العالم.
وفي اليوم الوطني الشهر الماضي، تم عرض صورة عملاقة له على ناطحة سحاب في الرياض.
وقد برز ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، البالغ من العمر 32 عاما، كزعيم لقيادة مرحلة انتقالية حاسمة، ألا وهي تحويل الاقتصاد الكبير الذي يعتمد على البترودولار إلى اقتصاد يمكن أن يعيش في عصر ما بعد القرن الحادي والعشرين.
وتنطوي المرحلة الجديدة على الاستثمار في صناعات جديدة وخلق فرص عمل للشباب السعودي، وسوف يدعم ذلك بيع حصة في شركة أرامكو العملاقة للنفط، الأمر الذي يواجه الآن تأخيرا محتملا، مع إنشاء أكبر صندوق ثروة سيادية في العالم.
ولكن منذ عامين تقريبا من بدء حملة الإصلاح، يتصدى المسؤولون لمسائل حاسمة تتعلق بكيفية توفير الأموال وتسريع التغيير الاجتماعى دون شل الاقتصاد والاشتباك مع إحدى أكثر المؤسسات الدينية محافظة في العالم.
وقبل أن تعلن الحكومة أنها سترفع الحظر السعودي الطويل الأمد على السائقات في الشهر الماضي، قامت الأجهزة الأمنية باعتقال رجال دين مستقلين وشخصيات مهمة أخرى.
وقال «لويد بلانكفين»، الرئيس التنفيذي لشركة جولدمان ساكس، في منتدى الأعمال العالمي لـ «بلومبيرغ»، في نيويورك في سبتمبر/أيلول: «إنه تحد ضخم للبلاد، وله آثار كبيرة على العالم».
وبينما تشتد الحاجة لهذا التحول، ينبغي أيضا توخي الحذر لكي «لا يؤدي السعي للاستقرار على المدى الطويل إلى عدم الاستقرار على المدى القصير».
وقد يصبح الفشل في العثور على الإجابات الصحيحة مخاطرة تهدد بانتهاء المملكة، حيث يعد وجود ملكية مطلقة تعاني تناقصا في الموارد للتمويل نسخة غير قابلة للاستمرار من الرأسمالية الحكومية.
وسيتعرض السعوديون للمزيد من القلق، في ظل معاناة الاقتصاد، الذي يعاني الآن بالفعل، وقد تزداد الأمور سوءا.
وقال وزير المالية «محمد الجدعان» لـ«بلومبيرغ»، الأسبوع الماضي، إن التخفيضات في دعم الطاقة قد تكون أكثر تدرجا، وقد تستغرق الحكومة وقتا أطول لتحقيق التوازن في ميزانيتها، وهو ما قد يخفف من تأثير ذلك على المجتمع.
وتظهر المقابلات والمحادثات مع أكثر من 20 مستثمرا ومحللا ومديرا تنفيذيا ودبلوماسيا ومستشارا حكوميا في المملكة وخارجها أن الشركات لا تزال تعاني من تخفيضات الإنفاق الحكومي بعد انهيار أسعار النفط والإخفاق بالحرب في اليمن والمواجهة مع قطر.
وقال «تركي الرشيد»، وهو رجل أعمال سعودي، في منزله الواسع في حي راق بالرياض، وهو ينشر ملاحظات حول استمرار اعتماد المملكة على النفط: «المملكة مشتتة في كل المشاكل الإقليمية، في قطر واليمن وسوريا والعراق»، وأضاف أن عدم تحقيق التنمية المستدامة هو «التهديد الحقيقي».
ولم يتخل «الرشيد» عن أمله في أن تنجح «رؤية 2030»، لكنه لا يسعه إلا أن يتذكر المحاولات السابقة التي انتهت بالفشل، وكان من بينها «الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي 2020» منذ نحو 15 عاما، وقال: «كان لدينا 400 ورشة عمل».
وأدت آخر محاولة لإصلاح شامل إلى انخفاض حاد في عائدات النفط عام 2014، وانخفضت الأسعار إلى النصف منذ ذلك الحين، ولتجنب ما اعتبره الأمير ومستشاروه أمورا كارثية على المدخرات، ألغوا المشاريع التي اعتبرت غير ضرورية، وخفضوا الدعم المكلف، وأوقفوا المدفوعات للمقاولين.

تباطؤ ملحوظ
وفي حين كان التقشف ضروريا لتخفيض العجز في الميزانية، فإن التأثير على الاقتصاد كان محتوما، فقد تباطأ النمو غير النفطي، وانخفض الإنفاق الاستهلاكي، وارتفعت البطالة بين 20 مليون سعودي، ثلاثة أرباعهم أقل من 40 عاما.
وقد تم تقويض العقد الاجتماعي السعودي التقليدي بعد هزيمة الحكومة أمام عدد السكان المتزايد، وفي الوقت نفسه، أظهرت الأسرة المالكة علامات قليلة على استعدادها للمشاركة في تحمل العبء.
وكان الملك «سلمان» قد قام خلال زيارته إلى روسيا هذا الشهر باصطحاب 1500 شخص، إضافة إلى مصعد ذهبي وسجادة وحجز فندقين فاخرين في موسكو.
وقال «حلمي نتو» إن مبيعات شركته قد بدأت تنخفض بسرعة قبل 3 أعوام، وكان رائد الأعمال السعودي قد فاز بجوائز بعد أن بدأ شركة ناجحة لتصميم النظارات في سن الـ26، حتى وصل نجاحه إلى استضافة برنامجه التليفزيوني الخاص.
وقال «نتو»، الذي يدعم رؤية 2030، في مقابلة أجريت في مدينة جدة على البحر الأحمر، المركز التجاري للمملكة: «نحن ننزف»، وأضاف أن تباطؤ الاقتصاد قد حوّله من «نجم ناجح ومشهورإلى ما يشبه فلاحا لا يعرف شيئا».
وفي الرياض، يعاني «ثائر العتيبي»، البالغ 36 عاما، الذي يملك ثلاثة مقاه ومطعمين، من أجل إنقاذ شركته، وقال إن المبيعات انخفضت بنسبة 35%، على الرغم من تقديم الحلويات المجانية مع كل وجبة، وأضاف: «نود أن تساعدنا الحكومة، لكن ليس لدي أي فكرة عن كيفية ذلك».
واشتكى عدد من رجال الأعمال فيما بينهم من أن التحرك لوقف المدفوعات قد قوض ثقة رجال الأعمال والمستثمرين في المملكة، وقال آخرون إنه في حين كانت «رؤية 2030» ضرورية، فقد تم تسريعها واعتمدت كثيرا على الإصلاحات السريعة بدلا من التغيير التدريجي.
وبهدوء، رفض بعض السعوديين الخطة بأكملها كمشروع مهين يعتمد بشكل مفرط على استشاريين أجانب لا يمتلكون سوى معرفة قليلة بالسياق الاجتماعي والسياسي في المملكة.
وتظهر البيانات الرسمية أن الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، محرك خلق فرص العمل، بالكاد توسع في الربعين الأولين من هذا العام.
وقد تعرضت صناعة البناء والتشييد للضغوط بسبب تقليص تخفيضات الإنفاق العام لمدة ستة أرباع على التوالي منذ بداية عام 2016، وبالنسبة للحديث عن تنويع الإيرادات، فإن تضييق عجز الميزانية لهذا العام كان مدفوعا بزيادة الدخل من صادرات النفط.
وإذا اعتمدنا على التاريخ، فإن الاقتصاد السعودي غير النفطي قد يستغرق أعواما للتعافي من الركود، وقد كافح ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي لمواكبة النمو السكاني خلال الثمانينات والتسعينات.
وعلى العكس من المرات الماضية، تبدو إمكانية إنقاذ أسعار النفط ضئيلة، لذلك يحتاج الأمير «محمد» شركات القطاع الخاص لاستيعاب المزيد من العمال السعوديين بعيدا عن القطاع العام المتضخم، وقالت «إميلي هوثورن»، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ستراتفور»: «إنها لحظة حاسمة بالنسبة لهم، لأن عليهم أن يدفعوا القطاع الخاص للعمل على الوجه الأمثل».
وقد ذكرت السلطات السعودية لصندوق النقد الدولي أنها تخطط لتقديم برنامج دعم لمساعدة صناعات مختارة تتكيف مع ارتفاع أسعار الطاقة والمياه، وهناك صندوق الاستثمار العام، صندوق الثروة السيادية الذي سيقود حملة للاستثمار في الصناعات، من التصنيع إلى الترفيه مرورا بالتعدين والدفاع.
وقال الأمير «محمد» في مقابلة تليفزيونية، في مايو/آيار، إن صندوق الاستثمار العام سينفق ما لا يقل عن نصف أموال الاكتتاب العام المبدئي لشركة أرامكو على الاستثمارات المحلية، لكن يبقى تقييم كم من المال سينتج عن هذا الاكتتاب، مع نظر السعوديين في تأخير الجزء الدولي من البيع حتى عام 2019 على الأقل، بحسب ما قاله مطلعون على الوضع الأسبوع الماضي.
وقال الصندوق في 9 أكتوبر/تشرين الأول إنه سيخصص 1.1 مليار دولار لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما أعلن عن سلسلة من المشاريع الضخمة المحلية مثل شركة بقيمة 2.7 مليار دولار للاستثمار في الترفيه المحلي، وهي خطة ينظر إليها على أنها وسيلة لفتح المجتمع والاحتفاظ ببعض الأموال التي تنفق على رحلات السعوديين إلى دبي وأماكن أخرى.

عصر السينما والترفيه
وفي اليوم الوطني، رقص العشرات من الرجال والنساء السعوديين في شوارع الرياض تحت الأضواء وأصوات الدي جي، وهو مشهد، حتى وقت قريب، لم يكن من الممكن تصوره في مدينة تفصل المطاعم فيها بين الرجال والنساء، أو تمنع النساء من الدخول على الإطلاق.
وعندما زار الملك «سلمان» روسيا، كان جزء من البرنامج عرضا نادرا لثلاثة أفلام سعودية، بما في ذلك الفائز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان دبي السينمائي الدولي.
وبالنسبة لـ«أيمن جمال»، المخرج البالغ من العمر 45 عاما والمصرفي السابق، فإن رؤية 2030 هي «العصر الذهبي» لصناعة السينما الناشئة، وقال إن «الرؤية خلقت فرصا ونماذج وقطاعات جديدة، ولكنها أثارت أيضا تحديات أمام القدامى، سواء في نماذج أعمالهم أو الهوامش الكبيرة».
وقال «ياسر الرميان»، العضو المنتدب لصندوق الاستثمار والعضو الرئيسي في دائرة السياسة الداخلية للأمير «محمد»، إن هذا النوع من التفاؤل يظهر ضعف المقاومة الأولية لأفكار الأمير، حيث تحصل رؤية 2030 على المزيد من المؤمنين بها، وتشمل الخطة 543 مبادرة وحوالي 376 مؤشرا رئيسيا للأداء.
ويشير آخرون إلى حقيقة أن الحكومة تبدو على استعداد للتعلم من الأخطاء بدلا من التستر عليها، وقال «علي علي رضا»، العضو المنتدب لشركة الحاج حسين علي رضا وشركاه المحدودة، التي تبيع مركبات من شاحنات قلابة إلى سيارات أستون مارتن، إن هناك اجتماعات بين رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين «لصياغة خطة سليمة».
وقال: «ما يراه القطاع الخاص هو أن الحكومة لا تعرف كل شيء، وأن بعض القرارات التي تم اتخاذها كان لا بد من التراجع عنها».
وفي أبريل/نيسان، أعاد الملك «سلمان» المكافآت والبدلات لموظفي الدولة بعد سبعة أشهر من قرار خفض أجور القطاع العام، وقد أثر هذا التدبير على الإنفاق الاستهلاكي وأدى إلى تفاقم الألم في الاقتصاد.
وتحاول الحكومة في الوقت نفسه دفع السعوديين نحو وظائف القطاع الخاص، وهناك المزيد من الصناعات التي تقتصر على السعوديين، وتم فرض دفع رسوم على المغتربين ومرافقيهم في يوليو/تموز، الأمر الذي يرفع تكلفة استقدام الشركات للموظفين الأجانب.
وقال «محمد»، البالغ 40 عاما، وهو مقاول متعاقد من الباطن، إنه فشل في العثور على سعوديين للقيام بأعمال اللحام وغيرها من الأعمال اليدوية، وقال إنه زور العقود، ويدفع لزوجين نحو 1500 ريال شهريا بينما يبقيان في المنزل، حتى يتمكن من تلبية حصته من السعودة.
وقال «نتو»، رجل الأعمال المقيم في جدة، إنه أغلق أربعة من متاجره، وتعلم أن يعيش على ميزانية موضوعة مسبقا، وأصبح تناول الطعام في الخارج في المناسبات بدلا من كونه روتين، وكذلك علاجات الشعر المكلفة والمنتجعات الصحية والتدليك الخاص بزوجته، وقد استبدل رحلة الإجازة لمدة شهر إلى «ديزني» هذا الصيف بأسبوع واحد في مصر.
وقال «نتو» وهو يتناول وجبة الإفطار: «كانت رحلة جيدة، لأول مرة أشعر أن الحكومة ليست أبيك أو أمك، ليس من المفترض عليها إرضاعك، يجب أن تساعدك وتشجعك، ولكن لا ينبغي أن تعطيك المال».
وربما هذا ما يريده الأمير «محمد» من السعوديين، وهو المشاركة، ولكن مثل التغييرات الأخرى التي يقودها، فإنها تحتاج إلى الوقت بطبيعة الحال.
وقال علي رضا: «إننا نحاول تنفيذ حلول في إطار زمني أكثر تشددا مما هو ممكن، وقد يسبب هذا جميع أنواع الاضطرابات والمشاكل».

المصدر | بلومبيرغ