لماذا ستخسر السعودية حرب أسعار النفط القادمة؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 100
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

حرضت السعودية على حربين لأسعار النفط في العقد الماضي وخسرت كليهما، وبالنظر إلى عدم قدرتها على التعلم من أخطائها، فقد تحرض على واحدة أخرى، لكنها ستخسرها أيضًا.
تسببت هذه الحروب في جعل المملكة تخلق لنفسها قيودًا سياسية واقتصادية، فيما لن يؤدي إلا إلى إفلاسها في نهاية المطاف.

خفض الأسعار معركة فاشلة
كان الهدف الرئيسي للسعودية في كل من حربي أسعار النفط الأخيرتين هو صناعة نفط الولايات المتحدة الصخري.
ففي حرب أسعار النفط الأولى من 2014 إلى 2016، كان هدف السعودية وقف تطوير قطاع النفط الصخري الأمريكي عن طريق دفع أسعار النفط إلى مستويات منخفضة للغاية عبر الإفراط في الإنتاج لدرجة أن العديد من شركاته أفلست بحيث لم يعد القطاع يشكل تهديدًا على الهيمنة السعودية آنذاك على أسواق النفط العالمية.
وفي حرب أسعار النفط الثانية التي انتهت للتو، كان هدف السعودية الرئيسي هو نفسه تمامًا، مع هدف إضافي يتمثل في منع منتجي النفط الصخري الأمريكيين من الحصول على عقود إمداد النفط التي لم تنلها السعودية بسبب امتثال المملكة لتخفيضات إنتاج النفط التي نصت عليها اتفاقيات "أوبك" و"أوبك+".
في الفترة التي سبقت حرب أسعار النفط الأولى، يمكن مسامحة السعودية على اعتقادها بأن لديها فرصة لتدمير قطاع الصخر الزيتي الأمريكي الناشئ في ذلك الوقت، حيث كان هناك افتراض على نطاق واسع أن سعر نقطة التعادل في قطاع الصخر الزيتي الأمريكي كان 70 دولارًا أمريكيًا للبرميل، وأن هذا الرقم غير مرن إلى حد كبير.
كما احتفظت المملكة باحتياطيات قياسية عالية من الأصول الأجنبية بلغت 737 مليار دولار أمريكي وقت شن حرب النفط الأولى، وقد أتاح هذا المجال للمناورة في الحفاظ على الربط الحيوي لعملتها اقتصاديًا بالدولار الأمريكي، وفي تغطية أي عجز في الميزانية قد ينجم عن انخفاض أسعار النفط.
وفي اجتماع خاص في أكتوبر/تشرين الأول 2014 في نيويورك بين مسؤولين سعوديين وشخصيات بارزة أخرى في صناعة النفط العالمية، كان السعوديون "واثقين للغاية" من تحقيق النصر "في غضون أشهر"، وفق ما قاله مصرفي مطلع في نيويورك لموقع "OilPrice.com".
واعتقد السعوديون أن هذا لن يؤدي فقط إلى تعطيل صناعة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة بشكل دائم فحسب، بل سيفرض أيضًا بعض الانضباط في العرض على أعضاء "أوبك" الآخرين.
ولكن اتضح أن السعوديين أساؤوا تقديرهم بشكل كارثي لقدرة قطاع الصخر الزيتي الأمريكي على إعادة تشكيل نفسه إلى صناعة أقل تكلفة وأكثر مرونة.
تمكنت العديد من أفضل عمليات التصنيع في المناطق الأساسية في بيرميان وباكن، على وجه الخصوص، من تحقيق التعادل عند نقاط سعر أعلى من 30 دولارًا أمريكيًا للبرميل وتحقيق أرباح لائقة عند نقاط أعلى من 37 دولارًا أمريكيًا لكل برميل، مدفوعة إلى حد كبير بالتقدم التكنولوجي وخفة الحركة التشغيلية.
بعد عامين من الاستنزاف، استسلم السعوديون، بعد أن انتقلوا من فائض الميزانية إلى عجز قياسي مرتفع آنذاك في أواخر عام 2015 بلغ 98 مليار دولار أمريكي.
كما أنفقت السعودية ما لا يقل عن 250 مليار دولار من احتياطياتها من العملات الأجنبية الثمينة خلال تلك الفترة، والتي فقدت إلى الأبد.
وفي خطوة غير مسبوقة لدى السياسيين السعوديين الكبار، قال نائب وزير الاقتصاد السعودي "محمد التويجري" بوضوح في عام 2016: "إذا لم نتخذ السعودية أي إجراءات إصلاحية، فنحن محكوم علينا بالإفلاس في غضون 3 إلى 4 سنوات".

النفط الصخري أصبح أقوى
أما الإرث الأكثر ديمومة لحرب أسعار النفط الأولى، وجزء من السبب الذي يجعل السعوديين لا يأملون أبدًا في الفوز بالحرب الأخيرة، أو أي حرب أسعار نفط مستقبلية أيضًا، هو أنها جعلت قطاع النفط الصخري الأمريكي بالمرونة التي عليها الآن.
وهذا يعني أن قطاع النفط الصخري الأمريكي ككل يمكنه تحمل أسعار النفط المنخفضة للغاية لفترة أطول بكثير مما ستستغرقه السعودية لإفلاسها.
فالمملكة لديها تكاليف ثابتة أكبر بكثير مرتبطة بقطاع النفط، بغض النظر عن مدى انخفاض أسعار السوق.
قبل اندلاع حرب أسعار النفط الأخيرة، كان سعر التعادل الرسمي للمملكة يبلغ 84 دولارًا أمريكيًا لبرميل "برنت"، ولكن نظرًا للضرر الاقتصادي الذي تسببت به حماقة حرب الأسعار الأخيرة، فقد أصبح أعلى بكثير الآن.
أما قطاع النفط الصخري الأمريكي الذي ساعدته السعودية بشكل حاسم في حرب أسعار النفط الأولى، فقد أصبح على النقيض تمامًا، حيث بات مرنًا جدًا لدرجة أن 25-30 دولارًا أمريكيًا للبرميل من خام غرب تكساس الوسيط كافية لإعادة بعض الإنتاج، طالما يعتقد المشغلون أن الأسعار لن تنخفض وتستقر دون مستوى 20 دولارًا أمريكيًا للبرميل.
ولكن، حتى إذا كانت الأسعار أقل من مستوى 25-30 دولارًا أمريكيًا للبرميل، فهي لن تؤثر على بقاء صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة على المدى الطويل، حيث يمكن للأطراف الرئيسية إغلاق الآبار فورًا عند الحاجة وتشغيلها مرة أخرى في غضون أسبوع حسب الطلب.
خلاصة القول أنه في أي حرب أسعار نفط؛ لا يستطيع السعوديون ببساطة انتظار انهيار قطاع الصخر الزيتي الأمريكي.

رفع الأسعار محال أيضًا
من ناحية أخرى، فإن السعوديين محكوم عليهم بالفشل أيضًا في بيئة ترتفع فيها أسعار النفط أيضًا، وهذا لأن الولايات المتحدة، حتى قبل حرب أسعار النفط الأخيرة، أشارت إلى أنها لن تتسامح مع أسعار النفط فوق 70 دولارًا أمريكيًا تقريبًا لبرميل خام "برنت".
عندما ارتفع سعر النفط في العام الماضي خلال الفترة من مارس/آذار إلى أكتوبر/تشرين الأول بشكل ثابت فوق 70 دولارًا أمريكيًا للبرميل، غرد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن العاهل السعودي الملك "سلمان" قائلاً: "لن يستمر في السلطة لمدة أسبوعين دون دعم من جيش الولايات المتحدة".
يعتبر مستوى 70 دولارًا أمريكيًا للبرميل أحد المستويات التي قد تسبب الاضطرابات للاقتصاد الأمريكي.
بعد هذا الهجوم الأخير على قطاع النفط الصخري الحيوي الاستراتيجي للولايات المتحدة، أصبحت هناك لا مبالاة أمريكية بخصوص نقطة التعادل لدى السعودية، أو نزيف المملكة نحو الإفلاس في السنوات القادمة، وفقًا لعدد من المصادر في واشنطن المقربة من الإدارة الأمريكية.
ترجع هذا اللامبالاة جزئيًا إلى ما ترى الإدارة انها "خيانة" لصفقة حجر الأساس التي حددت علاقة البلدين منذ عام 1945، والتي تضمنت أن تتلقى الولايات المتحدة جميع إمدادات النفط التي تحتاجها طالما كان لدى السعودية نفط، وفي المقابل ستضمن الولايات المتحدة أمن حكم "آل سعود".
تغير هذا قليلاً مع ظهور قطاع الصخر الزيتي الأمريكي لضمان أن تسمح المملكة أيضًا لصناعة النفط الصخري الأمريكية بمواصلة العمل والنمو.
ترجع هذه اللامبالاة جزئيًا أيضًا إلى سلسلة من الأخطاء الفادحة التي يعتقد كبار السياسيين الأمريكيين أن ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" ارتكبها، وهذا يشمل -على سبيل المثال لا الحصر- الحرب التي تقودها السعودية في اليمن، واندماج السعودية مع روسيا في مجموعة "أوبك+"، وادعاء اختطاف السعودية لرئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري" وإجباره على الاستقالة، وقتل الصحفي السعودي المعارض "جمال خاشقجي".
بلغت هذه العوامل ذروتها في تحويل الرئيس "ترامب" لتهديده الضمني إلى وعد ضامن من "محمد بن سلمان" خلال محادثة هاتفية في 2 أبريل/نيسان.
قالت الأنباء إن "ترامب" أخبر "بن سلمان" في المكالمة أنه ما لم تبدأ "أوبك" في خفض إنتاج النفط، مع طلب ضمني برفع الأسعار إلى مستويات تمكن منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة من تحقيق أرباح لائقة، فسيكون عاجزًا عن منع المشرعين من تمرير التشريعات لانسحاب القوات الأمريكية من السعودية، بعد ذلك بوقت قصير، فعل "بن سلمان" ما قيل له.
التغيير في هذا الخطاب من التهديد الضمني إلى التنفيذ المضمون يعني أنه سيكون قوام جميع التعاملات الأمريكية المستقبلية مع السعودية، ما يعيد السعودية إلى المشكلة الأساسية.

السعودية في معضلة
من الناحية الاقتصادية؛ لا يمكن للسعودية تحمل تبعات تحطيم أسعار النفط لفترة طويلة بما يكفي لإلحاق الضرر المستديم بقطاع النفط الصخري في الولايات المتحدة، ومن الناحية السياسية، لا يُسمح لها برفع الأسعار بما يكفي لتجنب الإفلاس، وأي سعر بين ذلك يسمح لقطاع النفط الصخري في الولايات المتحدة بتحقيق أرباح ونمو أكبر.
وهكذا، ربما تكون تخفيضات إنتاج "أوبك+" هي الأكثر قسوة على الإطلاق بالنسبة للسعوديين؛ حيث يجب على السعوديين تنفيذها والالتزام بها لأنها ضرورية للحفاظ على أسعار النفط مرتفعة بما يكفي لضمان ربحية ونمو قطاع الصخر الزيتي الأمريكي، لكن التخفيضات في الوقت ذاته لا يمكن أن تستمر لفترة تكفي للسماح للسعوديين بالعودة إلى فائض الميزانية.
في هذا السياق، شهد شهر مارس/آذار بالفعل استنفاد البنك المركزي السعودي صافي أصوله الأجنبية بأسرع معدل منذ عام 2000، حيث انخفض بما يزيد قليلاً على 100 مليار ريال سعودي (27 مليار دولار أمريكي).
يمثل هذا انخفاضًا بنسبة 5% عن الشهر السابق فقط، ويبلغ إجمالي الاحتياطيات الآن فقط 464 مليار دولار أمريكي، وهو أدنى مستوى منذ عام 2011.
كما يترك هذا 164 مليار دولار فقط من الاحتياطيات التي يمكن استخدامها في كل شيء آخر تحتاجه السعودية عندما يُطرَح مبلغ 300 مليار دولار أمريكي الذي يُقدر أنه مطلوب للحفاظ على حجر الزاوية الاقتصادي المتمثل في ربط العملة.
في الوقت نفسه، وقعت المملكة في عجز في الميزانية قدره 9 مليارات دولار أمريكي في الربع الأول ويتوقع عدد من المحللين المستقلين أن الناتج المحلي الإجمالي الكلي قد ينكمش بأكثر من 3% هذا العام (أول انكماش صريح منذ 2017 والأكبر منذ عام 1999)، بينما يمكن أن يتسع عجز الميزانية إلى 15% من الناتج الاقتصادي.


المصدر | سايمون واتكينز | أويل برايس - ترجمة وتحرير الخليج الجديد