بعد الباتريوت.. مستقبل العلاقة الأمنية بين السعودية وأمريكا

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 755
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في مكالمة هاتفية الشهر الماضي مع ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، وجه الرئيس "دونالد ترامب" إنذارًا للرياض مفاده: إذا لم تتوقف حرب أسعار النفط مع روسيا على الفور، فإن القوات الأمريكية وأنظمة "باتريوت" المضادة للصواريخ التي تم نشرها في المملكة ستستعد لأمر بالانسحاب.
نحن نعلم كيف انتهت القصة؛ فبعد أيام من المحادثات المحفوفة بالمخاطر، اتفقت السعودية وروسيا ومنتجون آخرون للنفط في مجموعة دول "أوبك +" على خفض إنتاج شهري أقل بقليل من 10 ملايين برميل في اليوم، أي ما يقرب من 10% من إنتاج العالم.
من المرجح أن ضغط "ترامب" على الرياض كان له دور كبير في تسريع المفاوضات وصولًا نحو اتفاق، لكن ما حدث يحمل درسا أكبر للسياسة الخارجية الأمريكية؛ وهو أن حاجة الولايات المتحدة للسعودية أقل بكثير من حاجة السعودية للولايات المتحدة.

تعاون عفا عليه الزمن
يمكن أن تستفيد العلاقات الأمريكية السعودية من عملية إعادة ضبط كاملة وغير مضللة، فالوضع الراهن الذي يتم فيه إرسال القوات الأمريكية لحماية المملكة التي تنفق أمولا على جيشها (61.9 مليارات دولار) أكثر من تركيا وإيران و(إسرائيل) والكويت مجتمعين (61.2 مليار دولار) لا يتماشى مع حقائق القرن الحادي والعشرين.
ويمكن أن تكون آخر التقارير عن إعادة الانتشار العسكري الأمريكي من المملكة (بافتراض أنه يمضي قدمًا) بمثابة نقطة البداية لإعادة تقييم العلاقات الثنائية.
لم يعد النموذج القديم الذي كان بمثابة أساس للعلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية على مدى السنوات الـ75 السابقة (الأمن للرياض في مقابل إمدادات نفطية موثوقة لواشنطن) قابلًا للتطبيق كما كان من قبل.
فمع اعتراض الرأي العام الأمريكي بشكل متزايد على رؤية القوات الأمريكية متورطة في الشرق الأوسط وممارسة الرياض لسلسلة من أخطاء السياسة الخارجية الفجة، لم يعد تفاهم عام 1945 مناسبًا اليوم.


طفرة النفط الصخري
لم تعد واشنطن بحاجة إلى النفط السعودي لتشغيل صناعتها المحلية أو لتغذية النمو الاقتصادي، وفي حين أن الولايات المتحدة لا يمكنها عزل نفسها تمامًا عن سوق الطاقة العالمية، إلا إنها تعتمد اليوم على النفط الخام من الخليج بشكل أقل بكثير مما كانت عليه في الخمسينيات والتسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
ارتبط ارتفاع الإنتاج المحلي تقريبًا بانخفاض بنسبة 48% في واردات الولايات المتحدة من النفط السعودي وانخفاض بنسبة 50% في إجمالي الواردات من الخليج خلال نفس الفترة الزمنية.
جردت طفرة النفط الصخري المحلية الأمريكية الدول الأجنبية التي استخدمت الطاقة كسلاح في الماضي، من نقطة نفوذ رئيسية.
أظهر انهيار أسعار النفط في مارس/آذار وأبريل/نيسان، أن السعودية أصبحت منافسة للولايات المتحدة في مجال الطاقة. ولتوسيع حصتها في السوق، سعت الرياض إلى عرقلة المنتجين الأمريكيين.
يفهم المشرعون الأمريكيون من الولايات المنتجة للطاقة مثل تكساس ونورث داكوتا هذا، ولهذا السبب كانوا غاضبين عندما غمرت السعودية وروسيا السوق بالنفط الخام، فمع زيادة المعروض في السوق بشكل كبير، يمكن أن تصل مئات شركات النفط الصخري الأمريكي إلى الإفلاس.
وعلاوة على ذلك؛ فإن معركة الطاقة ليست الخلاف الوحيد بين واشنطن والرياض.


الطاقة ليست الخلاف الوحيد
منذ أن صعد "بن سلمان" إلى منصب ولي العهد، أصبحت سياسة الرياض الخارجية كالحريق المستعر، وأصبحت حرب السعودية في اليمن ضد الحوثيين، أسوأ كارثة في السياسة الخارجية للمملكة منذ تأسيسها، رغم أن المسؤولين السعوديين كانوا قد توقعوا بثقة أنها ستستمر لبضعة أسابيع فقط.
في السنوات الخمس منذ بدء الحرب، قُتل أكثر من 100 ألف مدني يمني، ويحتاج 80% من سكان البلاد إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة، كما يعد مليونا طفل معرضين لخطر سوء التغذية.
أدى القصف الجوي والقتال على الأرض إلى إيقاف نصف المستشفيات والعيادات في اليمن عن العمل، مما يعني أن البلاد أصبحت أسوأ حالًا بمواجهة وباء "كورونا" الذي يلوح في الأفق.
انتهى المطاف بأنظمة الأسلحة الأمريكية التي بيعت للسعوديين وشركائهم الإماراتيين، إلى أيدي الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي يعد بعضها مرتبطًا بـ"القاعدة".
وعلى الرغم من عدم وجود مصلحة أمنية وطنية مهددة للولايات المتحدة في الحرب الأهلية اليمنية، تواصل واشنطن حماية الرياض في الأمم المتحدة من تهم جرائم الحرب الناشئة عن الصراع.
في إطار هذه العلاقة الثنائية؛ ترغب السعودية في إقناع الولايات المتحدة أن مصالح الأمن القومي للبلدين في وئام تام، وقد أثبتت الرياض فعاليتها في هذا الصدد.
بعد الهجوم على منشآت نفط سعودية في سبتمبر/أيلول 2019، استجابت واشنطن لطلبات السعودية بالحماية بنشر جنود أمريكيين وبطاريات مضادة للصواريخ في المملكة.
يتمركز حاليًا 3 آلاف جندي أمريكي، وأسراب طائرات مقاتلة، وأنظمة دفاع جوي في السعودية، في سبيل تأدية مهمة دفاع وطني يفترض بالجيش السعودي أن يكون هو الأقدر على أدائها.

ضرورة إعادة التقييم
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى إدارة ظهرها للسعودية بالكامل.
ففي عالم تدفع فيه الواقعية وسياسات القوى العظمى الشؤون الدولية؛ سيكون من الخطأ الجسيم شطب أي دولة قد تكون لها قيمة لواشنطن في المستقبل.
تشترك واشنطن والرياض في بعض المصالح المشتركة التي يعد السعي للتعاون فيها أمرًا منطقيًا تمامًا؛ مثل التعاون الاستخباراتي ضد تنظيم "القاعدة" و"الدولة الإسلامية"، والذي يحمل أهمية مباشرة لكلا البلدين؛ خاصة السعودية، التي كانت عائلتها المالكة في مرمى تهديد هذه الجماعات منذ فترة طويلة.
وبالرغم أنه ليس من الحكمة تقويض العلاقة تمامًا، إلا إن مواصلة الانخراط مع السعودية كما لو كنا لا نزال نعيش في القرن العشرين، أمر مفتقر للحكمة وخطير، فقد تغير العالم ويجب أن تتغير السياسة الخارجية للولايات المتحدة معه.

المصدر | دان دبيتريس - ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد