لهذا يقتلع بن سلمان السلفية الوهابية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 773
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

إحسان الفقيه

«العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة». هكذا يمضي رائد علم الاجتماع ابن خلدون في تقرير لزوم الصبغة الدينية لاجتماع العرب وتملّكهم، من منظور ما يعرف اليوم بالاجتماع السياسي، ويرى ابن خلدون أن السبب في ذلك خُلق التوحّش الذي يجعلهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم بعضا، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهَبَ خُلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم.
لقد استفاد آل سعود من هذه الحقيقة المُقررة، ووطدوا نفوذهم من خلال الدعوة الدينية لمحمد بن عبد الوهاب، حتى في عهد الدولة السعودية الثالثة، التي أسسها عبد العزيز آل سعود، إذ اعتمد في توسيع رقعة نفوذه في الجزيرة وتوحيدها تحت إمارته على حركة «إخوان من أطاع الله»، التي تأسست في نجد، وتنتهج منهج محمد بن عبد الوهاب، فكانت عماد قوات الملك المؤسس والسبب الرئيسي في توحيد الجزيرة، ولكن حدث الشقاق بينهما بعد ذلك، حيث كانت الحركة تتجه لمواصلة جهادها في العراق، وهو ما عارضه عبد العزيز آل سعود بقوة، ما أدى لاندلاع المعارك بينهما، كان آخرها معركة السبلة التي خسرت فيها الحركة بعد تدخل سلاح الجو البريطاني.
إلى هنا سيفترق القراء في نظرتهم لصنيع الملك عبد العزيز، فمنهم من سيصفه بالعمالة للإنكليز، واستغلال الحركة الدينية لتحقيق أهدافه السياسية ثم التخلص منها بعد أداء دورها، ومنهم من سيعتبر قتاله إياهم حقا مشروعا، على اعتبار أنهم خرجوا عليه، ولست هنا بصدد تحرير المسألة، ولكن ما يهمني التركيز عليه هو تلك الثنائية – التي تحدثت عنها في مقابل سابق- بين السلطة والدعوة في تاريخ المملكة، السلطة السياسية لآل سعود، والسلطة الدينية للسلفية السعودية التي يسميها البعض بالوهابية، لماذا انفصمت عراها؟ فرغم السياق التاريخي الذي يشير إلى المحاولات التدريجية للسلطة لتقويض نفوذ الدعوة، إلا أنها لم تفقد مكانتها، على اعتبار أنها القوة الناعمة للنظام السعودي، التي صبغت وجه الحياة في السعودية بالصبغة الدينية المحافظة، ولكن في ظل القيادة السعودية الجديدة التي يتزعمها الملك سلمان وصفًا، بينما القيادة الفعلية لولي عهده محمد بن سلمان، ظهر التوجه الجديد السريع لاقتلاع جذور السلفية (الوهابية) من الحياة السعودية، ولا يحسبن القارئ أنني أتحدث تحديدا عن تيار الصحوة الذي توعده بن سلمان بالقضاء عليه، وإنما أقصد النهج الوهابي السلفي عموما، فحتى الصحوة لها أصول ذلك المنهج نفسه. لقد أظهر ولي العهد نواياه في (لبرلة) المجتمع السعودي سيرًا على خطى محمد بن زايد، وقطعًا يحتاج في ذلك إلى مواجهة التيار الإسلامي الأصولي بكل فصائله ورموزه، تحت مزاعم القضاء على التطرف وتجفيف منابع الإرهاب.
يمثل الثالوث «بن سلمان وبن زايد والسيسي» الأعمدة التي يُبنى عليها المشروع الأمريكي الجديد في المنطقة
أنشأ بن سلمان قبل عامين «المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف، الذي أُطلق عليه «اعتدال» وذلك في قمة الرياض التي حضرها الرئيس الأمريكي ترامب وعاد إلى بلاده منها بأكثر من 400 مليار دولار. قام ولي العهد تحت هذا الغطاء باعتقال العلماء والدعاة المعروفين بوسطيتهم، ونبذهم للعنف والتطرف أمثال، عبد العزيز الطريفي وسلمان العودة وعلي العمري وعوض القرني وغيرهم. كما قام بن سلمان بتقليص صلاحيات الحسبة (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) التي لازمت كل حقب المملكة، كخطوة على سبيل إلغائها نهائيا. وقام بإنشاء الهيئة العامة للترفيه كإحدى مخرجات رؤية 2030، لتدخل السعودية عهد السينمات والمسارح المختلطة، كان آخرها افتتاح صالة ديسكو في جدة، أثارت سخط وسخرية جماهير سعودية وعربية إسلامية، خاصة مع الترويج لها بعبارة «ديسكو حلال». كما اتفق ولي العهد مع السادة الأمريكان على تغيير مناهج التعليم السعودية، بما يتوافق مع الرؤية الأمريكية للإسلام الوسطي، وهو ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون، حين أكد على إنشاء مركز مكافحة التطرف كأحد نتائج قمة الرياض، وبيّن أن السعوديين اتخذوا خطوات بشأن نشر كتب دراسية جديدة تحل محل المناهج القديمة. ولكن لِمَ يسعى بن سلمان لتغيير الصبغة الدينية الوهابية السلفية، وإحلال الليبرالية والإسلام المفرغ من محتواه مكانها؟
الجواب يكمن في العلاقات الأمريكية السعودية، التي بنيت على صفقة الحماية الأمريكية مقابل النفط السعودي، لكن أمريكا في الوقت ذاته لا تخفي قلقها من التيار الوهابي السلفي في المملكة، باعتباره يمثل الأصولية الإسلامية ذات النظرة العالمية للإسلام، والغرب يدرك جيدًا أن ما يعرف بالوهابية اتجاه ينزع إلى الرجوع للأصل والمنبع، وهناك رسالة قديمة بعث بها جان ريمون قائد المدفعية الفرنسي في حلب إلى وزير خارجية نابليون بونابرت عام 1808، قال فيها بشأن محمد بن عبد الوهاب: «واعتمد صاحب الدعوة الجديدة القرآن في كل صفائه، وتم حذف الأحاديث والروايات التي أضيفت لإملاء حياة النبي بالأعاجيب، وأراد أن يُنظر إلى النبي كرجل حكيم وعادل فقط، فعلّم أتباعه أن العبادة هي لله وحده، وأن كل من يقدس الأنبياء والأولياء ويعطيهم صفات هي للخالق يكون مذنباً بحق الجلالة».
ولم يُخف الغرب مخاوفه من الأصولية الإسلامية، التي يمثلها في السعودية التيار السلفي الوهابي، فالمستشرق الإنكليزي لورانس يقول: «إن وجود حركة إسلامية متحمسة كالوهابية في الأراضي الإسلامية المقدسة خطر حقيقي على مصالحنا وأهدافنا، لأن أطماعها واسعة إلى حد إثارة فطرة الإيمان في نفوس المسلمين، ما يعني العودة إلى حضارة الإسلام».
أمريكا ترى أن تغيير هذا الوجه يلزم السعودية كشرط في القبول الأمريكي والغربي لها، وتشهد لذلك التقارير العديدة التي أعدّتها مراكز البحوث الأمريكية التي تمثل الصيغة الحديثة للاستشراق، وتخدم صناع القرار، وفي ضوء تقاريرها ترسم الإدارة الأمريكية ملامح سياستها تجاه العالم الإسلامي.
وفي تقرير لها بعنوان «إسلام حضاري ديمقراطي، شركاء وموارد وإستراتيجيات»، تعرف مؤسسة راند الأمريكية الوهابيين السعوديين بأنهم «يقدمون نظرة عدائية توسعية لإسلام لا يستبعد استخدام العنف، ويرغبون باستلام زمام السيطرة السياسية، ومن ثم تطبيق الإسلام وفقاً لمنظورهم الخاص»، ويضيف التقرير أن مذهبهم «لا يتماشى بشكل عام مع قيم المجتمع المدني والرؤية الغربية للحضارة والنظام السياسي والمجتمع».
وتحذر في تقرير آخر لها بعنوان «العالم المسلم بعد 11 سبتمبر/أيلول» من الوهابية في السعودية وقطر، وتصفهم بالرجعيين وتتهمهم بالتطرف الديني، ويقول التقرير «كان للتمويل السعودي وتصدير النسخة الوهابية من الإسلام على مدار الثلاثة عقود الماضية التأثير – سواء بقصد أم لا – في تحفيز زيادة التطرف الديني في العالم الإسلامي»، ويضيف: «وأصبح تصدير الأموال المكون الأساسي في نشر الوهابية، في جهد لنشر الهيمنة السعودية على الإسلام». كما أن هناك تقريرا لمركز مراقبة التهديدات، جاء فيه: «المذهب الوهابي هو المذهب الإسلامي المتشدد الذي ظل يهيمن على المملكة منذ سبعين عاماً، والذي يقدم تبريراً دينياً للإرهاب». فتلك هي نظرتهم للوهابية، وبناء على ذلك، وفي ضوء ارتماء القيادة السعودية في أحضان الأمريكان، كان على بن سلمان أن يشق طريقه نحو السير في فلك النموذج الأمريكي بمواجهة الأصولية الإسلامية، أسوة بولي عهد الإمارات، الذي لم يدخر جهدًا في أن يكون رجل أمريكا الأول في المنطقة، بينما يمثل الثالوث «بن سلمان وبن زايد والسيسي» الأعمدة التي يُبنى عليها المشروع الأمريكي الجديد في المنطقة وصفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتبة أردنية