بين الغرب والصين.. كيف خسر العالم العربي معركة الديمقراطية؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 904
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 أفادت الأنباء بأن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" اعترف بحق الصين في التعامل مع سكانها من "الإيغور" بالطريقة التي تراها مناسبة، وكل ذلك باسم محاربة التطرف الإسلامي.
ويمكن تفسير تخلي ولي العهد عن الدفاع عن حقوق المسلمين في الصين بسهولة عبر النظر إلى حاجته لإيجاد حلفاء لدعم مكانته الدولية، في أعقاب الانتقاد العالمي لضلوعه الواضح في القتل الوحشي للصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، في القنصلية السعودية في إسطنبول.
ويعتقد أن هذا السلوك يشير إلى عملية إعادة توجيه أعمق للعالم العربي بعيدا عن الغرب الليبرالي، ونحو القوى السلطوية في روسيا والصين.

إعادة توجيه عميقة
وركز الفكر السياسي العربي، على مدى الـ 150 عاما الماضية، بشكل أساسي على التوفيق بين ماضيه الإسلامي والحداثة. وترافق الإصلاح السياسي مع الإصلاح الديني، وبالرغم من أنه تم تقديم أنواع مختلفة من الإصلاح الديني، يمكن بسهولة تحديدها على أنها تناظر خيوط الفكر الديمقراطي في الغرب.
وأعجب المسلمون العرب الإصلاحيون بإنجازات الغرب في الحكم الليبرالي والتقدم العلمي والمادي. ومن جهة أخرى، أبدوا استياءهم من الغرب لاستغلال تقدمهم النسبي في تعزيز طموحاتهم الإمبريالية التي عملت بنشاط على تقويض قدرة الشعوب العربية على تحقيق الحكم الذاتي الفعال والإصلاح والتقدم.
وخلال الحرب الباردة، كان العداء الواسع النطاق للشيوعية على النمط السوفييتي سببا في أنه حتى الدول العربية المناهضة للإمبريالية، مثل مصر "جمال عبدالناصر"، رفضت الانضمام إلى الكتلة السوفييتية. وبدلا من ذلك، ساعدت هذه الدول في خلق حركة عدم الانحياز.
ويمكن قول الشيء نفسه عن الدول العربية المحافظة. وبينما شككت هذه الدول في جوانب معينة من الحداثة الليبرالية، فإنهم وجدوا الكثير من القواسم المشتركة مع الغرب الليبرالي أكثر من الاتحاد السوفييتي، ولذلك ألقوا بثقلهم نحو الغرب.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، ونهاية الحرب الباردة، بدا من المحتم أن يتطور العالم العربي تدريجيا نحو حكومات دستورية.
وفي الواقع، يبدو أن هذا كان المسار الذي تم اتباعه في العديد من الدول العربية في فترة ما بعد الحرب الباردة، حيث تخلت الأنظمة الاستبدادية تدريجيا عن مساحة أكبر أمام الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، وسمحت بانتخابات أكثر حرية نسبيا في مساحات مختلفة من الدولة والمجتمع المدني، لكن دون أن تتحدى الأنظمة الحاكمة.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار الربيع العربي لعام 2011 ذروة قرن ونصف من الفكر السياسي والديني الذي يسعى إلى تحقيق نظام حكم دستوري محدود في العالم العربي يمكنه التوفيق بين الإسلام والحداثة الليبرالية.

النموذج الاستبدادي
وبينما قد يرغب البعض في الدفاع عن الثورات المضادة على أساس حماية الدول من التطرف، فمن الواضح الآن أن الأطراف التي تقودها، وهي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ليس لها مصلحة في إقامة حكم ديمقراطي في العالم العربي.
وبدلا من ذلك، فهم يروجون لنموذج سلطوي للسياسة لا يوجد فيه مواطنون، ولكن فقط مستهلكون. ويتم اتهام أي محاولة لتأكيد الحقوق السياسية بأنها محاولة للتحريض على الفتنة. وفي هذا الصدد، يعد موقف السعودية والإمارات من المعارضة السياسية هو المؤشر الأكثر دقة لمستقبل السياسة في العالم العربي.
وتتجه مصر الآن بدورها نحو تعديلات دستورية لتمديد حكم الرئيس "عبدالفتاح السيسي" حتى عام 2034، وتكريس السيادة العسكرية على الدولة.
وبالتالي، لم تكن الثورة المضادة مجرد رفض للديمقراطية الانتخابية على أساس أنها مكنت الإسلاميين. لكنها بالأحرى جاءت رفضا للتطور الطبيعي للفكر السياسي والديني العربي خلال الـ 150 عاما الماضية.
ولم تعد الديمقراطية هدفا مرغوبا في السياسة العربية، بل يُنظر إليها على أنها تهديد وجودي للمجتمع يجب مواجهته واحتواؤه في كل منعطف. ويُنظر إلى أي نوع من السياسة الشعبية على أنه تهديد "للوحدة الوطنية"، وبالتالي يجب قمعه بقوة.
وعلى عكس سياسات ما قبل الربيع العربي، عندما حصلت المثل السياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان على بعض المساحة، يبرز "بقاء الدولة" كقيمة وحيدة للثورة المضادة.
وبدلا من الحقوق السياسية، يكون التزام الدولة الوحيد هو حماية سكانها التعساء من خطر "الانهيار الاجتماعي" الذي قد ينجم عن أي شكل من أشكال الديمقراطية.
وفي مقابل الاستسلام التام للراعي السياسي، تدعي الدولة أنها ستحاول تحسين مستويات المعيشة لدى رعاياها، ولكن دون أن تسمح لأي شخص بمحاسبتها إذا فشلت في تحقيق هذا الطموح.
ولم يكن هذا المفهوم السياسي الخبيث مسيطرا من قبل، سواء أثناء الحرب الباردة، أو في فترة الهيمنة الأمريكية أحادية القطب التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي.

صعود روسيا والصين
لكن في عالم العلاقات الدولية الجديد متعدد الأقطاب الذي تروج له إدارة "ترامب"، ينظر أصحاب فكر الاستبداد العربي إلى روسيا والصين كنماذج دائمة من السياسات السلطوية القائمة على القيمة المشتركة لازدراء الديمقراطية التعددية والتنافسية، باعتبارها تهديدا للاستقرار والدولة.
ويعجب صعود الصين بشكل خاص الأوتوقراطيين العرب؛ لأنه يمنحهم الأمل في إمكانية تحقيق التنمية دون التخلي عن سلطتهم، على الرغم من أنهم يكونون أكثر من سعداء بالتضحية بالتنمية، إذا اعتقدوا أنها ستؤدي إلى مطالب بالديمقراطية.
وكان استعداد "محمد بن سلمان" لتأييد السياسة الصينية تجاه الأقليات المسلمة، من هذا المنظور، أكثر من مجرد قرار تكتيكي.
إنه يمثل صعود تحالف جديد من الأوتوقراطيات العالمية التي تتحد في اعتقاد مشترك بأن الديمقراطية أمر خطير، وأنه يجب منح الدول سلطة مطلقة لإدارة التغيير الاجتماعي والسياسي داخل حدودها الخاصة، دون إزعاج المساءلة من قبل الشعوب، أو فكرة أن الحقوق الفردية قد تقف في طريق خططهم.
وليس من المستغرب إذن أن لا يعترض ولي العهد السعودي على معاملة الصين القمعية لأقلياتها المسلمة؛ فالأيديولوجية الجديدة للأوتوقراطيات العربية ترفض أي نوع من التضامن العابر للحدود، سواء كان ليبراليا أو إسلاميا.
وبالتالي، تأتي اللامبالاة بمعاناة "الإيغور"، ودعم الأوتوقراطيين العرب للإسلاموفوبيا في الغرب، كمؤشر خطير للتطورات المقبلة.

المصدر | محمد فضل - ميدل إيست آي